إسرائيل قد تكون في طريقها إلى طغيان الأغلبية
بحث
مقال رأي

إسرائيل قد تكون في طريقها إلى طغيان الأغلبية

’بند التجاوز’ الذي يعتزم الإئتلاف المقبل الدفع به يهدد بترك إسرائيل دون جهاز قضائي فعال ومستقل ودون حريات مدنية مضمونة

دافيد هوروفيتس

دافيد هوروفيتس هو المحرر المؤسس لتايمز أوف اسرائيل. وقد كان رئيس هيئة التحرير في جروزالم بوست (2004-2011) والجروزالم ريبورت (1998-2004) وهو ايضا المؤلف لكتاب "الحياة الساكنة مع مفجرين" (2004) "واقرب من قريب الى الله" (2000) كما وانه شارك في كتابة "وداعا صديق: حياة ووصية اسحاق رابين" (1996)

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ورئيسة المحكمة العليا إستر حايوت في حفل أقيم في منزل الرئيس في القدس، 17 يونيو، 2019. (Noam Revkin Fenton / Flash90)
رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ورئيسة المحكمة العليا إستر حايوت في حفل أقيم في منزل الرئيس في القدس، 17 يونيو، 2019. (Noam Revkin Fenton / Flash90)

جميع الأحزاب الأربعة في ائتلاف بنيامين نتنياهو القادم معنية بتقليص سلطة المحكمة العليا من خلال تمرير ما يسمى بـ”بند التجاوز” الذي من شأنه أن يحد بشكل كبير من قدرة القضاة على التدخل في تشريعات الكنيست وقرارات الحكومة.

ومن بين الحجج المقدمة لدعم مثل هذه الخطوة هو الإفراط المزعوم في مشاركة المحكمة في سن القوانين؛ الادعاء بأن سياسيينا، بصفتهم ممثلين منتخبين للشعب، يجب أن يكون لهم الكلمة الأخيرة مقابل كلمة القضاة غير المنتخبين؛ وحقيقة أن البرلمان له الأسبقية على المحاكم حتى في الديمقراطيات القوية مثل بريطانيا.

لا يوجد في الواقع شيء غير مقبول في مراجعة الفصل بين السلطات – الحقوق، المسؤوليات والعلاقة الحساسة بين السلطات القضائية والتنفيذية والتشريعية – لضمان أن تكون الضوابط والموازين الضرورية في النظام الديمقراطي، وقدرة الأغلبية على الحكم والأقلية على التمتع بالحماية، تعمل بشكل فعال. إلا أن هناك قدر كبير من القلق من أن يؤدي”إصلاح” مزعوم لهذه الضوابط والموازين في الواقع إلى القضاء عليها، وأن يمنح الأغلبية السياسية المنتخبة سلطة شبه مطلقة أو حتى مطلقة.

في إسرائيل، تجدر الإشارة إلى أن الهيئة التشريعية – الكنيست مكون من 120 مقعدا – يمكنها عموما ممارسة سيطرة قليلة على التشريعات واتخاذ القرارات المدعومة من الحكومة.انتخابات 1نوفمبر أعطت الأحزاب اليمينية المتطرفة والحريدية أغلبية حاسمة بعد فوزها بـ 64 مقعدا، بينما أصبحت أصوات المعارضة في الكنيست عاجزة على نطاق واسع عن المقاومة.

هذا يجعل من قضاة المحكمة العليا القوة الكابحة الوحيدة لتشريعات وقرارات إدارية مدعومة من الإئتلاف الحاكم.

في بريطانيا، التي لديها “قانون الحقوق” وحيث أن وجود مجلسي البرلمان يأتي بالفعل بأصوات أكثر تنوعا للتأثير على العملية التشريعية، لا تملك المحاكم صلاحية إلغاء قوانين بدعوى كونها غير دستورية أو غير ديمقراطية، ولكن يمكنها أن تحذر من مثل هذه المخاطر، والقيادة السياسية تقوم دائما تقريبا بالتعديل حسب الضرورة. أما هنا فإن الحافز الكامل لـ”بند التجاوز” المزمع تمريره هو تمكين الأغلبية الحاكمة من تجاهل الاعتراضات القضائية. علاوة على ذلك، أشار مراسل “تايمز أوف إسرائيل” راؤول ووتليف عندما كتب بشكل موسع عن النقاش بشأن بند التجاوز قبل ثلاث سنوات، إلى أن إسرائيل لا تمتلك نظام دولة فدرالي، ولا دستور، ولا قانون حقوق للتخفيف من سلطة الحكومة والمساعدة في ضمان الحماية الفردية.

حتى قبل ما يقرب من عشر سنوات، دافع رئيس الوزراء آنذاك ورئيس الوزراء المقبل بنيامين نتنياهو بشكل صريح عن استقلالية المحكمة العليا ضد مثل هذه “الإصلاحات” بالتحديد باعتبارها بند تجاوز.

في مقابلة مع قناة الكنيست في عام 2012 قال نتنياهو: “ما هو الاختبار الحقيقي للديمقراطية؟ الأمر لا يتعلق بهذا الاقتراح الراديكالي أو ذاك، ولكن حول كيفية استجابة القادة لهذه المقترحات”، وأضاف “اسمع، كانت هناك اقتراحات للحد من سلطة المحكمة العليا أو تقليصها، وهي أحدى ركائز ديمقراطيتنا، وقد منعتها جميعا! دافعت مرارا وتكرارا عن استقلالية المحكمة العليا: القانون الذي يحد من سطلتها – لقد دفنته؛ قانون جلسات الاستماع للقضاة في لجان الكنيست – دفنته؛ القانون لتغيير تركيبة لجنة تعيين القضاة – دفنته”، وتابع قائلا “حقيقة أن الناس تقدموا بمقترحات هي جزء من الديمقراطية، لكن الاختبار الحقيقي هو ما يتم تمرير وما لا يتم تمريره. لذا لا، لا يوجد خطر على الديمقراطية الإسرائيلية. إنها قوية. وأنا بالتأكيد ملتزم بذلك”.

في الوقت الحالي ، مع قيام نتنياهو بتجميع ائتلافه، وصلت الدعوات من شركائه المحتملين ومن داخل الليكود لتشريع “بند التجاوز” إلى ذروتها. وعلى عكس ما كان عليه الحال قبل عقد من الزمان ، فإن لنتنياهو مصلحة شخصية للغاية في العملية.

اعتمادا على نطاقه ومداه، يمكن لمثل هذا البند أن يعيق أو أن يلغي تماما قدرة القضاة على الإشراف على الكنيست والحكومة وإلغاء قوانينهما وقراراتهما – كما فعلت المحكمة في قضايا مثل معاملة المهاجرين غير الشرعيين، وشرعنة المستوطنات المبنية على أراض فلسطينية خاصة، وإعفاء الشبان الحريديم من الخدمة العسكرية. وفي الواقع، بالاعتماد على نطاقه ومداه، يمكن للبند أن يمكّن من انتهاك أو تقييد أو إلغاء حريات أوسع – بدءا من حقوق مجتمع الميم، ووضع اليهودية غير الأرثوذكسية، وحقوق ومكانة مواطني إسرائيل العرب والفلسطينيين، وصولا إلى حرية الصحافة، وكل ما يخطر على البال- وتحويل نظام الحكم في إسرائيل إلى “طغيان الأغلبية”، كما يلخص ذلك بوضوح خبير القانون الجنائي والدستوري البروفيسور مردخاي كرمنيتسر.

بالنسبة لنتنياهو شخصيا، يمكن لمحكمة عليا محايدة أن تسهل تمرير تشريع دون عوائق يمنح رؤساء الوزراء حصانة من الملاحقة القضائية، وتطبيقه بأثر رجعي، وإلغاء تهمة “الاحتيال وخيانة الأمانة” – وكل ذلك من شأنه أن يضع حدا للمحاكمة التي يخضع لها حاليا بتهم فساد، ويطالب بكل ذلك وبشكل علني أعضاء في إئتلافه المتوقع. (في فرنسا أيضا، لا يمكن توجيه لوائح اتهام للرئيس وهو في منصبه في جرائم يُزعم أنه ارتكبها خلال شغله للمنصب؛ ولكن في فرنسا، يمكن للرئيس أن يشغل المنصب لولايتين فقط مدة كل منهما خمس سنوات).

رئيس حزب “الصهيونية المتدينة” بتسلئيل سموتريتش، الذي يتمثل هدفه النهائي المعلن بثيوقراطية إسرائيلية ويتطلع إلى الحصول على وزارة العدل من بين حقائب وزارية أخرى في المفاوضات الائتلافية، يسعى أيضا إلى “إصلاح” العملية التي تختار إسرائيل من خلالها قضاها، وبالتالي ضمان أن تكون الأغلبية الحاكمة هي من تحدد من سيجلس في المحكمة العليا بالبلاد. وبالتالي، يهدف سموتريش في الأساس إلى تحييد القضاء المستقل مرتين – في انتقاء القضاة وفي ضمان عدم تمكنهم من التدخل في أنشطة الائتلاف الحاكم على أي حال.

على مر السنين، ظهرت فكرة بند التجاوز وسقطت، واختلفت المقترحات فيما يتعلق بحجم الأغلبية المطلوبة في الكنيست لفرضها ومدى اتساع نطاق تطبيقها المحتمل. اقترح التسلسل الهرمي القضائي الإسرائيلي بنفسه في بعض الأحيان أن إعادة تشريع قانون ألغته المحكمة العليا سيكون مناسبا إذا حصل على دعم 75 أو 80 من أعضاء الكنيست الـ 120. في أي ظرف سياسي إسرائيلي يمكن تصوره تقريبا، قد يعني هذا أن عددا كبيرا من أعضاء الكنيست المعارضين سيؤيدون أيضا إعادة التشريع. لا يبدو أن هذه هي فكرة الائتلاف الناشئ.

لا أحد يعرف الآن تفاصيل بند التجاوز الذي سيمرره الائتلاف، بما في ذلك ما إذا كان يمكن أن يؤثر على جميع الحقوق وجميع قوانين الأساس شبه الدستورية لإسرائيل. لكن تقارير إعلامية عبرية متعددة هذا الأسبوع أشارت إلى أن الإطار المفضل سيتطلب دعم 61 عضوا فقط من أعضاء الكنيست، وأنه سيكون قابلا للتطبيق على نطاق واسع، وأن نتنياهو يميل إلى دعمه. إذا ثبت أن هذا هو الحال، فإن الإئتلاف القادم – الذي حصل على دعم أكثر من نصف أولئك الذين صوتوا في الأول من نوفمبر – سوف يقضي على القيد الشرعي الوحيد على حكمه. وإسرائيل، مع افتقارها إلى قضاء مستقل وفعال وحريات مدنية مضمونة، لن تكون ديمقراطية بعد الآن.

وكما أشار رئيس الدولة آنذاك رؤوفين ريفلين في عام 2018 ، فإن “حماية حقوق الأقلية لا تؤدي فقط إلى تحقيق التوازن بين حق الأغلبية في الحكم والقرار. في غياب حماية حقوق الأقلية، فإن الأغلبية الحاسمة ليست أكثر من مجرد طاغية”.

اقرأ المزيد عن
تعليقات على هذا المقال