إسرائيل المنقسمة على نفسها في إنتظار خطاب نائب إسلامي لتقرير مصيرها
بحث
مقال رأي

إسرائيل المنقسمة على نفسها في إنتظار خطاب نائب إسلامي لتقرير مصيرها

بعد وصول انتخابات أخرى إلى طريق مسدود، مع كسر المحرمات والوعود، الدولة اليهودية تنتظر ما سيقوله زعيم حزب إسلامي صغير، الذي قد يحدد طابع حكومتها المقبلة

دافيد هوروفيتس

دافيد هوروفيتس هو المحرر المؤسس لتايمز أوف اسرائيل. وقد كان رئيس هيئة التحرير في جروزالم بوست (2004-2011) والجروزالم ريبورت (1998-2004) وهو ايضا المؤلف لكتاب "الحياة الساكنة مع مفجرين" (2004) "واقرب من قريب الى الله" (2000) كما وانه شارك في كتابة "وداعا صديق: حياة ووصية اسحاق رابين" (1996)

منصور عباس رئيس حزب  "القائمة العربية الموحدة'' يؤدي الصلاة في بلدة المغار بشمال البلاد، 26 مارس، 2021. (Ahmad Gharabli / AFP)
منصور عباس رئيس حزب "القائمة العربية الموحدة'' يؤدي الصلاة في بلدة المغار بشمال البلاد، 26 مارس، 2021. (Ahmad Gharabli / AFP)

بعد أكثر من أسبوع من وصول انتخابات أخرى إلى طريق مسدود، تنتظر إسرائيل الآن كلمات سياسي إسلامي محافظ لتحديد هوية رئيس وزرائها المقبل وطبيعة حكومتها المقبلة.

من المقرر أن يلقي منصور عباس، زعيم حزب “القائمة العربية الموحدة”، الذي انفصل عن بقية عناصر تحالف الأحزاب العربية “القائمة المشتركة” وفاز بأربعة مقاعد، خطابا في وقت الذروة مساء الخميس قد يفصّل أو لا يفصّل فيه موقف حزبه من دولة إسرائيل، وقد يحدد أو لا يحدد فيه مطالبه لدعم مرشح أو آخر من الطامحين بمنصب رئيس حكومة إسرائيل.

حتى الآن، التقى عباس بالعديد من قادة ما تسمى بـ”كتلة التغيير” التي تهدف إلى الإطاحة برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ومع مبعوث واحد على الأقل للشخض الذي يشغل منصب رئيس الحكومة في الوقت الحالي. في مقابلة مع وكالة أنباء “الأناضول” التركية، الأربعاء، قال عباس إنه على استعداد لدعم مرشح لرئاسة الوزراء “مقابل تحسين أوضاع المواطنين العرب وإنهاء الظلم والتهميش والإقصاء ضدهم”. وأضاف: “نتفاوض مع اليمين واليسار… نحن على مسافة واحدة من المعسكرين ونحن المعسكر الثالث”.

يقول بعض مستشاريه إنه ببساطة من المستحيل أن يجلس عباس وحزبه في ائتلاف بقيادة نتنياهو يضم أعضاء مثل اليميني المتطرف إيتمار بن غفير من “عوتسما يهوديت” (فصيل داخل حزب الصهيونية المتدينة) ، الذي يسعى لطرد العرب “غير الموالين” من إسرائيل، أو حتى السماح لمثل هذا التحالف بالحصول على موافقة الكنيست بالامتناع عن التصويت أو التغيب التصويت. ويقولون إن القيام بذلك لن يشكل انتحارا سياسيا لعباس فحسب، بل سيعرّض حياته لخطر حقيقي، بالنظر إلى الغضب الذي قد يثيره في أجزاء من المجتمع العربي.

مساعدون آخرون، غير مسمين حتى الآن، يزعمون أنه يميل نحو مساعدة نتنياهو في الاحتفاظ بالسلطة، شريطة أن يفي رئيس الوزراء بقائمة طويلة من الشروط التي تتراوح من تلك القابلة للتطبيق، مثل تمويل حملة جادة للقضاء على الجريمة في البلدات العربية الإسرائيلية، إلى تلك بعيد الاحتمال للغاية، مثل تعديل ما يسمى ب”قانون الدولة القومية اليهودية” الذي يُنظر إليه في المجتمع العربي (وجزء من المجتمع اليهودي) على أنه تمييزي.

كل هذا بالطبع يتجاوز وصفه بالاستثنائي: يبدو أن الاتجاه السياسي للدولة اليهودية يقع في أيدي حزب صغير غير صهيوني تأسس لتعزيز مصالح المسلمين. كما أنه يتجاوز النفاق، لا سيما بين أولئك الذين يغازلون عباس اليوم من اليمين السياسي.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ، خلال زيارة إلى الحائط الغربي مع الرئيس البرازيلي جاير بولسونارو، في البلدة القديمة في القدس، 1 أبريل، 2019. (Yonatan Sindel / Flash90)

نتنياهو، الذي التزم بصمت علني غير معهود بشأن الشراكة المحتملة، قال عدة مرات في الفترة التي سبقت انتخابات 23 مارس إن تشكيل حكومة مع القائمة الموحدة، التي وصف زعيمها بأنه معاد للصهيونية. “غير وارد”.

في عام 2019، هاجم نتنياهو خصومه السياسيين الذين فكروا ظاهريا في تحالف مع  الأحزاب ذات الغالبية العربية “القائمة المشتركة”،  التي شملت في ذلك الوقت عباس والقائمة الموحدة، واصفا نواب القائمة المشتركة بأنهم “خطر على إسرائيل”. وقبل عام واحد فقط، بعد مأزق مماثل في أعقاب انتخابات مارس 2020، صرح بأن أعضاء الكنيست من القائمة المشتركة ، بمن فيهم عباس، لا مكان لهم ببساطة في حسابات الائتلاف: “قرار الشعب واضح”، صرح نتنياهو في ذلك الوقت، مناقشا توزيع الأصوات بين “معسكر اليمين الصهيوني” و”معسكر اليسار الصهيوني”. القائمة المشتركة، “التي تشوه سمعة جنودنا وتعارض وجود دولة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية، وكدولة قومية للشعب اليهودي … بالطبع ليست جزءا من هذه المعادلة”.

اعضاء الكنيست من حزب ’ازرق ابيض’ يوعاز هندل وتسفي هاوزر في الكنيست، 29 ابريل 2019 (Noam Revkin Fenton/Flash90)

من الجدير بالذكر أيضا أن المنافس الرئيسي لنتنياهو آنذاك، بيني غانتس، لم يكن فقط في ذلك الوقت غير راغب في تشكيل ائتلاف يعتمد على أصوات أعضاء الكنيست من القائمة المشتركة، ولكن تم منعه فعليا من القيام بذلك، بعد أن وضح نائبان من حزب “أزرق أبيض”، هما يوعاز هندل وتسفي هاوزر، أنهما لن يدعما مثل هذه الحكومة.

حقيقة أن الأحزاب الصهيونية من جميع ألوان الطيف السياسي تناقش علنا ضم حزب عربي في ائتلاف حاكم تكسر المحرمات، ويمكن اعتبارها تقدما في تحرر واندماج مواطني إسرائيل العرب. لكن التحول المحتمل يتعلق أكثر بالنفعية قصيرة الأجل والمصلحة الذاتية.

على الرغم من أن القائمة الموحدة تقول إنها تدعم حل الدولتين، صوّت عباس والقائمة الموحدة مع بقية أعضاء القائمة المشتركة ضد “اتفاقات إبراهيم” التي توسطت فيها إدارة ترامب في العام الماضي – بالتوازي مع رفض القيادة الفلسطينية تطبيع العلاقات مع إسرائيل. عضو الكنيست السابق عن الحزب، إبراهيم صرصور، شبّه العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة بتلك التي نفذها النازيون، وحث على تحرير القدس من السيطرة الإسرائيلية، واتخذ مواقف علنية متعاطفة مع حماس. عادة ما تُعتبر شراكة مع القائمة الموحدة تحديا أيديولوجيا، وإن لم تكن غير مستبعدة، بالنسبة ليسار الوسط، ولكنها بالنسبة لليمين فهي من المحرمات.

طالما أنه لم يكن هناك أي احتمال في أن تدعم القائمة المشتركة والأحزاب الشريكة فيها نتنياهو، فلن يكن هناك ما يدفع لنتنياهو إلى محاولة التواصل مع النواب العرب بأي شكل من الأشكال. قبل شهرين فقط، حاول نتنياهو “توضيح” مزاعمه في يوم الانتخابات التي أجريت في عام 2015  بأن العرب “يصوتون بأعداد كبيرة” من خلال الزعم، بطريقة ماكرة، أنه “لم تكن نيتي الاحتجاج على حقيقة تصويت المواطنين العرب في الانتخابات” بل بالأحرى ” احتجاجا على تصويتهم لحزب القائمة المشتركة ذات الأغلبية العربية”.

الآن وقد أصبح نتنياهو بحاجة ماسة إلى دعم إضافي لحشد أغلبية في الكنيست، وبما أن عباس منفتح على الأقل على فكرة الشراكة معه، فقد تغير موقف زعيم الليكود على ما يبدو، مع ورود تقارير خلال الأيام القليلة الماضية تفيد بأن نتنياهو يعمل على إقناع حلفائه القوميين والحريدم بالموافقة على حكومة تحظى، بشكل مؤقت على الأقل، بدعم القائمة الموحدة. أعلن وزير الليكود تساحي هنغبي، أحد أقرب حلفاء نتنياهو، الأسبوع الماضي، “في الوضع الحالي، نرى منصور عباس على أنه خيار محتمل كشريك في الائتلاف”.

بيني غانتس يتحدث في حدث انتخابي لحزب “أزرق أبيض”، 23 مارس، 2021. (Flash90)

التقى غانتس، الذي لا بد أنه دراية بالموقف، بعباس يوم الثلاثاء وأخبره أنه في اللحظة التي سيستخدم فيها نتنياهو دعم القائمة الموحدة للفوز بأغلبية في الكنيست، “سوف يتراجع عن جميع الالتزامات التي قدمها لكم، وسوف يفكك كل حرف في الاتفاق الائتلافي”. من جانبه، وجّه نتنياهو يوم الأربعاء نداء عاما إلى خصميه في اليمين غدعون ساعر ونفتالي بينيت ودعاهما إلى “العودة إلى البيت” – وهي دعوة رفضها ساعر، ويمكن لبينيت أن يتقبلها، ويمكن على أي حال أن تسمح هذه الدعوة لنتنياهو الادعاء أنه بذل قصارى جهده لتجنب الاعتماد على القائمة الموحدة، لكن لم يعد أمامه بديل.

اللافت للنظر، بالنظر إلى المركزية الجديدة لحزب سياسي عربي، أن المشاركة المنخفضة في الوسط العربي الأسبوع الماضي هي التي أبقت فرص نتنياهو في الاحتفاظ بالسلطة حية. معا، حصلت القائمة المشتركة والقائمة الموحدة على 380 ألف صوت فقط، لتفوز بعشرة مقاعد فقط. قبل عام، عندما خاضتا الانتخابات في قائمة واحدة، حصلتا على 580 ألف صوتا، وفازتا بـ 15 مقعدا.

اللافت للنظر أيضا، أن التركيز الجديد على منصور عباس والقائمة الموحدة، ومسألة شرعيته في تشكيل الحكومة، قد أبعد الأضواء بعيدا عن حزب “الصهيونية المتدينة”، بمكوناته التي تضم حزب تلاميذ كهانا “عوتسما يهوديت” والحزب المناهض لمجتمع الميم “نوعم”. وسط مناورات إسرائيل السريالية لبناء إئتلاف حكومي، فإن وجودهما المخزي في الكنيست الجديد بالكاد يثير الدهشة.

اقرأ المزيد عن
تعليقات على هذا المقال