إستغلال الشعب، وليس خدمته: الحكومة الإسرائيلية المضخمة بشكل مخجل
بحث
مقال رأي

إستغلال الشعب، وليس خدمته: الحكومة الإسرائيلية المضخمة بشكل مخجل

بن غوريون استطاع تدبر أموره مع 12 وزيرا في الانتخابات الأولى لإسرائيل. الآن، لدينا 35 وزيرا، بعضهم يشرف على حقائب وزارية عبثية وغير منطقية، في وقت نشهد فيه انهيارا اقتصاديا

دافيد هوروفيتس هو المحرر المؤسس لتايمز أوف اسرائيل. وقد كان رئيس هيئة التحرير في جروزالم بوست (2004-2011) والجروزالم ريبورت (1998-2004) وهو ايضا المؤلف لكتاب "الحياة الساكنة مع مفجرين" (2004) "واقرب من قريب الى الله" (2000) كما وانه شارك في كتابة "وداعا صديق: حياة ووصية اسحاق رابين" (1996)

رئيس حزب ’أزرق أبيض’، بيني غانتس (يسار)، ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في الكنيست، 17 مايو، 2020. (Knesset)
رئيس حزب ’أزرق أبيض’، بيني غانتس (يسار)، ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في الكنيست، 17 مايو، 2020. (Knesset)

بنيامين نتنياهو هو الوحيد الذي يعرف مجموعة كاملة من العوامل التي دفعته إلى ترك زميله في “الليكود” وأحد أكثر الموالين له، نير بركات – من بين المرشحين لخلافته عندما تحين اللحظة – خارج فريقه الوزاري.

هو فقط يعرف سبب نفيه لخليفة محتمل، غلعاد إردان، إلى الولايات المتحدة، للعمل سفيرا لدى الأمم المتحدة، وقد يشغل في الوقت نفسه، وبشكل غريب، لبضعة أشهر من نهاية العام منصب السفير في العاصمة واشنطن، بينما قام بتعيين خليفة محتمل آخر، يسرائيل كاتس، وزيرا للمالية، وترك خليفة محتمل ثالث، رئيس الشاباك السابق آفي ديختر، دون أي منصب كبير على الإطلاق.

فقط هو يعرف لماذا قام بنقل موال آخر له، زئيف إلكين، من منصبه كوزير للبيئة وأنشأ بدلا منذ ذلك وزارة سخيفة للتعليم العالي وموارد المياه من أجله؛ وفضل اختيار يوآف غالانت على حساب طامحين آخرين لتعيينه في منصب وزير التربية والتعليم؛ وتلاعب بفكرة إخراج يوفال شتاينتس من وزارة الطاقة  لكنه تخلى عنها في نهاية المطاف؛ وأبقى على الوزير السابق من حزب “كولانو”، إيلي كوهين (الآن وزير المخابرات)؛ وقام بإنشاء منصب وزاري سخيف إلى حد كبير وهو “تعزيز المجتمع والنهوض به” لأورلي ليفي أبيكاسيس غير الموثوق بها؛ وأحيا وزارة أخرى بالاسم فقط للموالي له، دافيد أمسالم.

قام نتنياهو بسحب مسؤوليات من بعض الوزارات – فصل التعليم العالي عن التربية والتعليم ليس سوى المثال الأكثر سخافة على ذلك – وابتكر حقائب وزارية سعيا لإرضاء الجميع تقريبا.

بينني غانتس، رئيس حزب ’أزرق أبيض’ في صورة له بعد تقديم الحكومة ال35 لدولة إسرائيل في الكنيست، 17 مايو، 2020. (Alex Kolomoisky/POOL)

حتى عندما قدم حكومته بعد ظهر يوم الأحد، ظهرت مناصب مفاجئة إضافية، وانتهى به الأمر مع عدد وزراء من كتلته أكثر بثلاثة من عدد الوزراء في كتلة منافسه بيني غانتس، 19-16. (ومن أجل الحفاظ على مبدأ تقاسم السلطة بشكل متساو والذي هو في في صميم الاتفاق الائتلافي، فإن 16 وزيرا فقط من كل كتلة سيكون لهم حقوق التصويت).

يرى البعض في الأيام الطويلة للحساب والتعديل – والتخصيص النهائي للمناصب التي تتضمن أيضا أحكاما لبعض الوزراء بتغيير مناصبهم بعد 18 شهرا، عندما يفترض أن يقوم نتنياهو بتسليم رئاسة الوزراء إلى غانتس، رئيس حزب “أزرق أبيض” – دليلا على أن نتنياهو ينوي احترام بنود الاتفاق الائتلافي. لو كان يخطط سرا للتراجع، وإيجاد طريقة للتهرب من “التناوب”، وفرض انتخابات جديدة قبل تسليمه منصب رئيس الوزراء كما هو مقرر إلى غانتس، كما تقول هذه النظرية، ما كان ليتكبد عناء بناء فريق وزاري الآن وبعد 18 شهرا من الان.

حسنا ربما. مرة أخرى، نتنياهو هو الوحيد الذي يدرك كل الاعتبارات التي تقف وراء الخيارات التي أشعلت تمردا صغيرا في فصيل الليكود في الكنيست يوم الخميس، والذي فرض تأجيل تنصيب حكومة الطوارئ إلى يوم الأحد، حيث كافأ بعض الشخصيات الهامشية نسبيا والتي لا تشكل أي تحد له، وأثار غضب آخرين قد يكونون كذلك.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ي صورة له بعد تقديم الحكومة ال35 لدولة إسرائيل في الكنيست، 17 مايو، 2020. (Alex Kolomoisky/POOL)

ما نعرفه هو أن الائتلاف الحكومي الذي قدمه نتنياهو وغانتس يوم الأحد ينهي فترة غير مسبوقة تزيد عن 500 يوما افتقرت فيها إسرائيل إلى حكومة تعمل بكامل طاقتها، ولكن العضوية المتضخمة في هذا الإئتلاف، ضف إلى ذلك جميع أشكال المناصب الوزارية غير الضرورية والغير منطقية والمكلفة، هي بمثابة إهانة للإسرائيليين – لا سيما في وقت يعاني فيه ربع القوى العاملة في البلاد من البطالة.

من المفارقات، أن أزمة جائحة فيروس كورونا هي التي دفعت غانتس إلى التخلي عن تعهده في ثلاث جولات انتخابيه بعدم الجلوس في حكومة مع نتنياهو طالما أن زعيم الليكود يواجه اتهامات بالفساد. تخرج إسرائيل مبدئيا من تلك الأزمة – مع إعادة فتح المتاجر، وعودة المدارس هذا الأسبوع، وانخفاض حالات الإصابة الجديدة بالفيروس واقترابها من الصفر – ولكن يجب عليها الآن مواجهة الانهيار الاقتصادي الناجم عن القيود الصارمة التي فرضتها.

ومع ذلك، فإن حكومة “الطوارئ” التي استلزمتها هذه الأزمة ظاهريا، والمكلفة بالتركيز في الأشهر القليلة الأولى بشكل كبير على تأثير الوباء، هي رمز لكبرياء سياسي غير مقيد وإفراط مالي يموله دافعو الضرائب.

دافيد بن غوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل، يقف خلال عزف النشيد الوطني الإسرائيلي (هاتيكفا) في المراسم الافتتاحية للكنيست في عام 1949. (GPO/Hugo Mendelson)

في الحكومة الأولى لإسرائيل، التي شكلها دافيد بن غوريون في مارس 1949، بلغ عدد الوزراء 12 وزيرا. شغل بن غوريون في هذه الحكومة منصب رئيس الوزراء ومنصب وزير الدفاع. زميله، حاييم موشيه شابيرو، كان مسؤولا عن الصحة والهجرة والشؤون الداخلية.

قد يستلزم تزايد عدد السكان والتحديات المتعددة فريقا وزاريا أكبر مع مرور العقود، لكن قانون الأساس الذي تم إلغاؤه لاحقا في عام 1992 ينص على أن عدد الوزراء في الحكومة لا ينبغي أن يزيد عن 18 وزيرا، وقد خلصت لجنة قبل عامين فقط إلى اسنتتاج مشابه مفاده أن 17 وزيرا في الحكومة يُعتبر عددا كبيرا. بدلا من ذلك، حطم أريئل شارون الرقم القياسي في عام 2003 مع 26 وزيرا في حكومته، وفي عام 2009 وصل نتنياهو إلى 30 وزيرا ، لكن حكومتنا الجديدة حطمت كل التجاوزات السابقة مع 35 وزيرا.

بالإضافة إلى ما يصل عددهم إلى 16 نائب وزير.

ومن المقرر أن يرتفع العدد إلى 36 في غضون ستة أشهر.

كل وزير مع مكتب وسكرتارية ومستشارين وسيارة وسائق…

لقد تم طرح أرقام مختلفة في الأيام القليلة الماضية حول تكلفة كل هذا. الرقم الأعلى الذي سمعته حتى الآن هو مليار شيكل – حوالي 280 مليون دولار – على الرغم من أن كيفية حساب ذلك، وما يغطيه بالضبط، غير واضحة البتة.

رقم آخر يتم تداوله يتعلق بالنسبة التي تم من خلالها حساب مقاعد مجلس الوزراء. يقال أن نتنياهو وغانتس قاما بتسمية فريقيهما على أساس أن يحصل كل حزب في الإئتلاف على وزير واحد تقريبا لكل 3 أعضاء في الكنيست، مع تقييم قوة “أزرق أبيض” وفقا لقوته قبل انهياره، ومع التعديلات والتعويضات في شكل رئاسة اللجان. مما يطرح السؤال عن سبب عدم قيامهما، في ائتلاف كبير بشكل استثنائي، بتعديل هذه النسبة ببساطة.

الإجابة التي تقول إنه في حكومة قائمة على مبدأ التمثيل المتساوي لكتلة نتنياهو وكتلة غانتس، سيجعل تعديل النسبة الكثير من الأشخاص الطامحين بالحصول على منصب وزاري بدون وزارة، هي ببساط إجابة غير كافية.

خلال عرض حكومته بعد ظهر الأحد، جادل نتنياهو، وبشكل صحيح، بأن تكلفة انتخابات رابعة ، إذا لم يتم تشكيل هذا الائتلاف، كانت ستكون أعلى بكثير. لكن هذا ليس مبررا لإهدار الموارد من أجل إرضاء الكبرياء السياسي، واللامبالاة الواضحة للرمزية الأنانية في مثل هذا الإفراط، ولابتكار حقائب وزارية بشكل غير منطقي – مما يجعل من فكرة  أن يتمكن الوزير من الإشراف بشكل فعال على مثل هذه التسلسلات الهرمية المتنوعة فكرة مثيرة للضحك.

إذا كانت هذه هي العودة إلى السياسة المعتادة، فقد يُغفر للجمهور تساؤله عما إذا كنا أفضل حالا بدونها.

نجاح نتنياهو؛ رهان غانتس

من الواضح أن الحكومة الجديدة تمثل انتصارا شخصيا هائلا لنتنياهو – فلقد ضمن استمراره في منصبه لمدة 18 شهرا، ومعارضته تقلصت بشكل جذري بعد التغيير في موقف غانتس، وقام بفصل رافي بيرتس عن حزب “يمينا” وأرسل نفتالي بينيت وأيليت شاكيد المذلولين إلى المعارضة. ثلثا حزب “العمل” داخل الحكومة، وثلث آخر خارجها، ولقد أصبح هذا الحزب دون أهمية على الإطلاق. أحد أشد الموالين له (أمير أوحانا) أصبح مسؤولا عن وزارة الأمن العام، حيث من المحتمل أن تتعامل الشرطة مع تحقيقات جديدة في تعاملات نتنياهو المالية.

أفيغدور ليبرمان، رئيس حزب ’يسرائيل بيتنو’، خلال مؤتمر في المعهد الإسرائيلي للديمقراطية في القدس، 24 فبراير، 2020. (Yonatan Sindel/Flash90)

وقد تم التغاضي عن انجاز آخر إلى حد كبير، ولكنه قد يكون بالنسبة لنتنياهو أحلى انجازاته: الحليف المقرب السابق الذي منعه من تشكيل ائتلاف في بداية هذه الملحمة الانتخابية التي استمرت 16 شهرا وشهدت ثلاث جولات انتخابية، أفيغدور ليبرمان، أصبح مهمشا تماما، ومن غير المرجح أن يتمكن من إصلاح حياته السياسية.

بالنسبة لغانتس، يُعتبر هذا الإئتلاف الحكومي رهانا. هو يدعي أنه تصرف لأسباب مبدئية، واختار وضع إسرائيل أولا، مؤكدا على أن وجوده ووجود زملائه على طاولة الحكومة الواسعة سيحسن التعامل مع أزمة الجائحة، ويحمي الديمقراطية الإسرائيلية، ويعزز الوحدة وسيادة القانون.

لكن تحالفه مع يائير لابيد وموشيه يعالون انهار كنتيجة حتمية لانتقاله إلى نتنياهو، ولقد تخلى عن الحق في منع الضم لأجزاء من الضفة الغربية من جانب واحد – وهو أمر يعارضه ؛ الجدير بالذكر أنه لم يشر إلى القضية في خطابه يوم الأحد بينما شدد نتنياهو عليها، ولن تكون هناك محاولة جديدة للدفع قدما بتوسيع التجنيد العسكري و / أو الخدمة الوطنية.

والآن سيكون عليه الانتظار لمدة 18 شهرا ليرى ما إذا كان نتنياهو – الذي أثنى عليه يوم الأحد لقبوله “بشجاعة” إرادة الناخبين وتحديد موعد، في 17 نوفمبر 2021، لتسليم القيادة الإسرائيلية – سوف يفي بهذا الوعد.

البطلان الرئيسيان في حكومتنا الجديدة لا يثقان ببعضهما البعض بالمرة، والحكومة المتضخمة والمبنية بشكل فوضوي التي قاما بتشكيلها بدأت بداية خاطئة.

في أي لحظة أخرى كان سيقوم فيها نتنياهو وغانتس بتقديم حكومة بهذا البذخ الواضح، قد يتمنى المرء أن يحل الوباء على كلا بيتيهما. في هذه اللحظة، في الوقت الذي تكافح فيه البلاد للتعافي من فيروس كورونا وفي الوقت الذي تواجه فيه تحديات جديدة وأخرى مألوفة من الداخل والخارج، لا يسعنا إلا أن نتمنى أن يتذكرا، ولو كان ذلك في مرحلة متأخرة، بأنهما ممثلانا المنتخبان، وليسا “بريمادونا” يتصرفان بطريقة إستعلائية وعلى حسابنا مباشرة. يفترض أن يكونا خادمي الشعب، وليس مستغليه.

اقرأ المزيد عن
تعليقات على هذا المقال