إدارة بايدن لا تطمح إلا لعدم تأزم الصراع الإسرائيلي الفلسطيني والشرق الأوسط ليس من أولوياتها
بحث

إدارة بايدن لا تطمح إلا لعدم تأزم الصراع الإسرائيلي الفلسطيني والشرق الأوسط ليس من أولوياتها

باستبدال بايدن محاولة ترامب المنطوية على انجازات كبرى بأهداف أكثر تواضعا لمنع التصعيد بين إسرائيل والفلسطينيين، تقوم واشنطن بقرارات متواضعة مع التركيز على أولويات أخرى

الرئيس الأمريكي جو بايدن يلتقي برئيس الوزراء نفتالي بينيت في المكتب البيضاوي للبيت الأبيض، يوم الجمعة، 27 أغسطس، 2021، في واشنطن العاصمة. (AP Photo / Evan Vucci)
الرئيس الأمريكي جو بايدن يلتقي برئيس الوزراء نفتالي بينيت في المكتب البيضاوي للبيت الأبيض، يوم الجمعة، 27 أغسطس، 2021، في واشنطن العاصمة. (AP Photo / Evan Vucci)

خلال لحظة من الصراحة خلال الحملة الانتخابية الرئاسية لعام 2020، أقر مستشار كبير للسياسة الخارجية للمرشح آنذاك جو بايدن بأن الشرق الأوسط سيكون “موقعا هامشيا” في قائمة المناطق التي يعطي فيها الديمقراطي الأولوية للمشاركة الدبلوماسية، بعد الهند والمحيط الهادئ وأوروبا وأمريكا اللاتينية.

كان هذا خلال موسم الانتخابات لعام 2020، حيث ركز بايدن بشكل شبه كامل على القضايا المحلية، وركز على الأمريكيين الذين كانوا أكثر اهتماما بالتغلب على التداعيات الصحية والاقتصادية للوباء.

حتى في إطار الشرق الأوسط، وقع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي في أسفل تلك الفئة من القضايا التي لم تتلقى اولوية. وكان أكبر قلق لبايدن في المنطقة هو التهديد النووي الإيراني، والذي تفاقم بسبب ما يعتقد أنه قرار خاطئ لسلفه بالانسحاب من الاتفاق متعدد الأطراف الذي نجح في “إبقاء البرنامج قيد الاحتواء”.

المسؤولين الإسرائيليين والفلسطينيين ليس لديهم أوهام حول حجم النطاق الترددي الذي تمتلكه الولايات المتحدة لقضيتهم. في محادثات مع التايمز أوف إسرائيل خلال العام الماضي، أدرك الدبلوماسيون المقيمون في الولايات المتحدة والذين يمثلون القدس ورام الله أن الصراع يأتي بعد “العوامل الثلاثة” – وباء كورونا، الصين، وتغير المناخ – الأهم في أجندة بايدن بكثير.

لذلك لم يكن مفاجئا أن يتعامل بايدن مع الصراع الإسرائيلي الفلسطيني من خلال تحديد أهداف متواضعة وتحقيق إنجازات أكثر تواضعا خلال عامه الأول في منصبه.

على عكس الإدارة السابقة، هناك التزام واضح بنموذج الدولتين لحل النزاع، وأيضا على عكس الرئيس السابق دونالد ترامب، لم يتسلم بايدن منصبه مُعلنا عن نيته إطلاق محادثات سلام عالية المخاطر تهدف إلى إبرام “الصفقة النهائية” بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يشاركان في بيان مشترك كشف النقاب عن خطة السلام الأمريكية في الغرفة الشرقية بالبيت الأبيض، 28 يناير، 2020 في واشنطن العاصمة. (سارة سيلبيجر / غيتي إيماجز / وكالة الصحافة الفرنسية)

بدلا من ذلك، جاءت إدارة بايدن برؤية واضحة المعالم للتحديات الهائلة التي يجب التغلب عليها.

“القيادات المعنية متباعدة للغاية بشأن قضايا الوضع النهائي، والسياسة الإسرائيلية والفلسطينية مشحونة، والثقة بين الجانبين في الحضيض”، قال نائب السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة، ريتشارد ميلز، في أول تعليقات عامة للإدارة حول الصراع في يناير السابق.

وفقا لذلك، ركزت الإدارة على تهيئة الظروف على الأرض اللازمة لحل الدولتين في نهاية المطاف، مع إحباط الخطوات التي تبعد الأطراف عن هذه الغاية. تتكرر هذه المبادئ في كل بيان تقريبا تصدره حكومة الولايات المتحدة بخصوص الصراع.

“نعتقد أنه من المهم الامتناع عن الخطوات الأحادية الجانب التي تزيد من التوترات وتجعل من الصعب المضي قدما في حل الدولتين المتفاوض عليه”، هذا ما جاء في بداية نقاش العديد من مسؤولي بايدن عشرات المرات. يختتمون النقاش عادة بالإصرار على أن “الإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء يستحقون تدابير متساوية من الحرية والازدهار والكرامة”.

لقد لاحظ المحللون انه بالاعتماد على نقاط الحديث البالية والتي نادرا ما تقدم أي شيء جديد حول هذا الموضوع كعلامة على قرار بايدن بتركيز الموارد في مكان آخر.

“من المؤكد أن إدارة بايدن ترى أن حل الدولتين هو شيء يستحق العمل من أجله وأنه لا يزال من الممكن تحقيقه”، قال مايكل كوبلو، مدير السياسة في منتدى السياسة الإسرائيلية، الذي تحافظ منظمته على اتصال منتظم مع المسؤولين الأمريكيين. “حيث أعتقد أن بعض الصعوبة تكمن في أنه ليس سرا أن أولويات هذه الإدارة ليست مع هذه القضية”.

مع ذلك، رفض البعض في البيت الأبيض فكرة أن الإدارة لا تركز على الصراع وحاولوا إعادة صياغة القضية.

متظاهرون يتظاهرون في حي الشيخ جراح في القدس الشرقية، 30 يوليو 2021 (Olivier Fitoussi / Flash90)

“كثيرا ما يسألونني، هل نزيل الشرق الأوسط وأصدقاؤنا في الشرق الأوسط من أولوياتنا؟ ولا شيء أبعد عن ذلك من الحقيقة”، قال مسؤول كبير بالبيت الأبيض في إفادة للصحفيين في أغسطس الماضي. “لكن الأمر هو انه في إدارة بايدن، نحن لا نسعى لتحقيق أهداف غير قابلة للتحقيق”.

تم تكرار هذه النقطة بشكل حرفي تقريبا الأسبوع الماضي من قبل منسق مجلس الأمن القومي للبيت الأبيض للشرق الأوسط، بريت ماكغورك، الذي قال أن “ضمان تلاشي جمر الصراع المحتمل حتى لا نتعرض لخطر الدخول من صراع آخر هو أولوية عليا” لإدارة بايدن عندما يتعلق الأمر بالإسرائيليين والفلسطينيين.

ترجمة ذلك هي: حددت إدارة بايدن نفسها لمنع الحرب القادمة، بدلا من التوسط في اتفاق السلام المقبل.

وقد تم توضيح هذا التركيز في إيجاز الشهر الماضي، عندما أشار مسؤول رفيع في الإدارة إلى حقيقة أن صراع غزة عام 2021 استمر 11 يوما، مقارنة بـ 51 يوما في عام 2014، كأحد الإنجازات الرئيسية للرئيس على الجبهة الإسرائيلية الفلسطينية حتى الآن.

“كان هناك الكثير من الدبلوماسية الهادئة العملية بقيادة الرئيس بايدن مباشرة، حيث انتهت الحرب خلال 11 يوما”، قال مساعد بايدن. “أعتقد أن هذا كان بسبب التركيز على بناء العلاقات الذي قمنا بها في الأشهر الأولى من الإدارة”.

كان التعامل الذي أجرته الإدارة مع إسرائيل دافئا، وإن كان على مستوى منخفض.

على عكس الخلافات التي اندلعت امام أنظار الجمهور بين القدس وواشنطن خلال إدارة باراك أوباما، فإن بايدن “كان يعمل باعتقاد وجوب إبقاء الخلافات خلف الأبواب المغلقة عندما يكون ذلك ممكنا”، على حد قول دبلوماسي أمريكي كبير، تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته.

قال الدبلوماسي إن السياسة الجديدة تُرجمت إلى اجتماعات منتظمة رفيعة المستوى بين كبار مسؤولي بايدن ونظرائهم الإسرائيليين، حيث أن هدف واشنطن طمأنة القدس بأنها تأخذ مخاوفها على محمل الجد.

توضيحية: دخان يتصاعد في اعقاب الضربات الصاروخية الاسرائيلية على مدينة غزة، 13 مايو 2021 (AP / Khalil Hamra)

بدأت العلاقة على قدم وساق عندما حل نفتالي بينيت محل بنيامين نتنياهو كرئيس للوزراء في يونيو. اتصل بايدن هاتفيا ببينيت لتهنئته بعد ساعات من أدائه اليمين، في تناقض صارخ مع الأسابيع الأربعة التي انتظرها الرئيس قبل تلقي مكالمة نتنياهو بعد تنصيبه.

كان بينيت من أوائل زعماء العالم الذين تلقوا دعوة إلى البيت الأبيض، وظهر الاثنان بعلاقة دافئة خلال اجتماع مطول في أغسطس، حتى عندما كان بايدن في خضم التعامل مع أزمة تتكشف في أفغانستان.

احتضان إسرائيل الممتلئ – لا سيما أثناء حرب غزة عندما دعم بايدن مرارا حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها من نيران حماس الصاروخية ومنع البيانات المشتركة لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة التي تلقي باللوم على كلا الجانبين في أعمال العنف – أعطى واشنطن المجال الدبلوماسي لانتقاد القدس علنا عندما شعرت بحاجة لذلك، دون ان يتصاعد اللوم إلى خلاف دبلوماسي أكبر.

فيما يتعلق بالموافقات الإسرائيلية على الاستيطان وهدم المنازل والإخلاء، أعربت إدارة بايدن عن رفضها دون أي تحفظات.

هذا النهج يعمل لصالح القدس، التي تدرك أن الانتقاد يأتي من مكان “إهتمام حقيقي بالدولة اليهودية”، كما قال أحد كبار مساعدي وزير إسرائيلي لتايمز أوف إسرائيل.

في الوقت نفسه، تقدر إسرائيل حقيقة أنه من غير المرجح أن تترجم الكلمات إلى أفعال “لأن جدول الإدارة ممتلئ وهي غير مهتمة بخلاف عام مع أحد أقرب حلفائها على أي حال”، قال المساعد.

رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، يمين، يلتقي بوزير الخارجية الأمريكي أنطوني بلينكين، في مدينة رام الله بالضفة الغربية، 25 مايو 2021 (AP Photo / Majdi Mohammed، Pool)

إن إحساس إسرائيل بأنها تستطيع معارضة البيت الأبيض دون أن يتصاعد الأمر بالضرورة إلى شيء أكبر ينعكس في الخلاف حول القنصلية الأمريكية في القدس، والتي أطلق بايدن حملة لإعادة فتحها بعد أن أغلقها ترامب في عام 2019.

أبلغ وزير الخارجية الأمريكية أنتوني بلينكين الأطراف في مايو أن بايدن سوف يفي بوعده بإعادة تأسيس ما كان تاريخيا بمثابة مكتب تواصل بأمر الواقع للفلسطينيين.

لكن إسرائيل عارضت ذلك، حيث قال بينيت لبايدن إنه لن يسمح بما يراه تعديا على سيادة الدولة في القدس بالمضي قدما.

مرت ثمانية أشهر منذ إعلان بلينكن، ولكن لم يتم إحراز أي تقدم نحو إعادة فتح المهمة، وفقا لثلاثة مصادر أمريكية مطلعة على الأمر، والتي أخبرت التايمز أوف إسرائيل الشهر الماضي أن إدارة بايدن قد علقت الخطة فعليا وسط رد إسرائيلي.

أثار القرار غضب السلطة الفلسطينية، وهي تهدد الآن بالتخلي عن الإصلاحات المخطط لها لبرنامج الرعاية الاجتماعية، والذي يتضمن مدفوعات للأسرى الفلسطينيين. كان إلغاء المدفوعات، التي تعتبرها إسرائيل والولايات المتحدة على أنها تحفيز على الإرهاب، أحد المطالب القليلة لإدارة بايدن من رام الله.

لم تتلق السلطة الفلسطينية نفس مستوى الاحتضان الذي قدمه بايدن للإسرائيليين. احتاج بايدن حتى حرب مايو على غزة للاتصال بالرئيس محمود عباس لأول مرة، ولم يتلق زعيم السلطة الفلسطينية بعد دعوة من البيت الأبيض.

في حين أن بايدن لم يفي بتعهد حملته الانتخابية بإعادة فتح المكتب الدبلوماسي لمنظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، إلا أنه نفذ بسرعة وعوده بتجديد العلاقات الأمريكية مع السلطة الفلسطينية.

في هذه الصورة التي تم التقاطها في 2 فبراير، 2020، طفل يقف بجانب كيس دقيق بينما يأتي الناس لتلقي مساعدات غذائية من مركز توزيع تابع لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين (الأونروا) في خان يونس في قطاع غزة. (سعيد الخطيب / وكالة الصحافة الفرنسية)

العلاقات، التي قطعتها رام الله بعد اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل في عام 2017، أعيدت في الشهر الأول الذي تولى فيه بايدن منصبه إلى جانب حوالي 450 مليون دولار من التمويل للوكالات الإنسانية المختلفة التي تدعم الفلسطينيين.

قد لا تبدو العودة إلى الوضع الراهن ما قبل إدارة ترامب تستحق الكثير من الانتباه، ولكن عندما لا تكون مصنفا كأولوية في البطولة لجذب انتباه بايدن، فإنك تحصل على أي مكاسب يمكنك الحصول عليها.

اقرأ المزيد عن
تعليقات على هذا المقال