’أسوأ من الانتفاضة’: التجار العرب في سوق البلدة القديمة في القدس يصلون ’إلى الحضيض’
بحث

’أسوأ من الانتفاضة’: التجار العرب في سوق البلدة القديمة في القدس يصلون ’إلى الحضيض’

انعدام السياحة يعني انعدام الدخل بالنسبة للتجار مع دخول جائحة كورونا شهرها الرابع؛ أحدهم يقول ’معظم الأيام لا أكلف نفسي عناء فتح المتجر’

الأزقة الخالية لسوق البلدة القديمة في القدس خلال جائحة كورونا، الأحد، 19 يوليو، 2020.(Aaron Boxerman/Times of Israel)
الأزقة الخالية لسوق البلدة القديمة في القدس خلال جائحة كورونا، الأحد، 19 يوليو، 2020.(Aaron Boxerman/Times of Israel)

عادة ما يشهد الصيف في البلدة القديمة بالقدس آلاف السياح من جميع أنحاء العالم الذين يملؤون الأزقة الضيقة ويمرون بين صف لا متناه من واجهات المتاجر، للقيام بجولة في الأماكن المقدسة في المدينة.

لكن مع تفشي جائحة كورونا بكامل قوتها وإغلاق المطار أمام السياح واتجاه البلاد نحو الإغلاق، أصبحت البلدة القديمة في وضع مختلف تماما. باستثناء بعض التجار العرب وبعض عناصر الشرطة والمارة اليهود والعرب الذين يمرون من وقت لآخر، بدت الشوارع هذا الأسبوع خالية إلى حد كبير.

الغالبية العظمى من المحلات التجارية – التي عادة ما تكون مليئة بأصحاب المتاجر الذين يبيعون السلع التي تتراوح من سلع مشكوك فيها إلى سلع ذات قيمة حقيقية – لا تزال مغلقة. يعتمد الباعة العرب، الذين يدفع الكثير منهم إيجارات عالية على العقارات المربحة في المدينة القديمة، على السياحة في معيشتهم.

يقول أحد العجرمي، وهو عضو في لجنة تجار القدس، بحزن: “عادة، نفتح محلاتنا في الساعة الثامنة وكأن العالم كله في الخارج. بعد 12 ساعة، عند الثامنة مساء، يكون السوق أحيانا لا يزال مكتظا في الخارج – لكننا نغلق متاجرنا”.

إلا أن هذا الصيف الطويل والشاق في ظل جائحة كورونا مختلف تماما بالنسبة لأبو محمد، الذي يبيع المجوهرات وسلع أخرى في البلدة القديمة منذ 40 عاما. تم إغلاق مطار بن غوريون الدولي أمام السياح الأجانب في منتصف شهر مارس لمنع انتشار الفيروس، وقد أعلنت الحكومة مؤخرا أن المطار سيبقى مغلقا حتى شهر سبتمبر على الأقل.

الأزقة الخالية لسوق البلدة القديمة في القدس خلال جائحة كورونا، الأحد، 19 يوليو، 2020.(Aaron Boxerman/Times of Israel)

وقال أبو محمد، وهو يشير في الزقاق إلى المحلات المقفلة في الخارج: “بحلول 15 مارس، كان كل شيء قد توقف تماما. حتى اليوم، نحن لا نزال عمليا في إغلاق”.

يجلس في محله في الجهة المقابلة صالح الشويري، الذي يكافح من أجل تغطية نفقاته في مواجه جائحة كورونا.

وقال الشويري، وهو صاحب مطعم في البلدة القديمة، لتايمز أوف إسرائيل: “نحن نموت هنا. في كل يوم كنت أجني 3000 دولار، اليوم أجني 50 دولارا”.

يقول أبو محمد إنه لا يكلف نفسه عناء فتح متجره في معظم الأيام.

وقال: “نأتي إلى هنا ونفتح متاجرنا للسماح بدخول القليل من الهواء النقي، لا أكثر”.

شهدت البلدة القديمة أزمات ردعت السياح في الماضي. عقود من الحروب وانتفاضتين وموجات من الهجمات الفلسطينية تركتها تترنح وتقطع سبل عيش التجار فيها.

لكن أصحاب المتاجر العرب في المنطقة لم يشهدوا من قبل أزمة اقتصادية كهذه الأزمة، كما يقول مازن القاق، رئيس اتحاد تجار القدس الشرقية. تمتلك عائلة القاق مطعما في البلدة القديمة منذ عام 1969.

وقال القاق: “خلال الانتفاضة الأولى والثانية، كان ما يزال بإمكاننا فتح متاجرنا. كان لا يزال هناك مال يمكن كسبه، وكان لا يزال هناك سياح. صحيح، كانت هناك انفجارات وتفجيرات، وقد تأثرنا بذلك – لكن لا شيء شبيه بالضرر الاقتصادي الذي نشهده اليوم”.

معاملة غير عادلة

يقول عبد السلام، وهو تاجر بهارات، لتايمز أوف إسرائيل إن الشرطة تتخذ إجراءات صارمة للغاية ضد الانتهاكات الصحية المتعلقة بفيروس كورونا في المنطقة. إذا قام بخفض مستوى القناع على وجهه ولو قليلا، كما يقول، فإن الشرطة ستأتي وتقوم بتغريمه.

عبد السلام، صاحب متجر بهارات في البلدة القديمة، هو واحد من بين الكثيرين من التجار المقدسيين الذين تأثروا بجائحة كورونا. (Aaron Boxerman/Times of Israel)

وقال عبد السلام: “الأمر لا يتعلق فقط بفيروس كورونا، وإنما أيضا لأننا نعيش في البلدة القديمة. يوم السبت، على سبيل المثال، هناك وجود أمني مكثف للغاية هنا؛ لقد أغلقوا كل شيء في البلدة القديمة. ولكن إذا ذهبت إلى تل أبيب، على سبيل المثال، فإن الوضع هناك قريب إلى الوضع الطبيعي”.

وأضاف: “كل مكان في هذه المنطقة حساس، أعرف. لكنني أذهب إلى القدس الغربية وأرى الناس يتجولون بشكل عادي، وكأنه لا يوجد هناك كورونا، دون عواقب. إذا كنت تريد فرض إغلاق في مكان ما، عليك إغلاق كل شيء بالتساوي. إذا قمت بإغلاق بعض المناطق ولم تقم بإغلاق مناطق أخرى، فيبدو الأمر وكأننا مستهدفون، وكأن هناك تمييز عنصري”.

ونفى المتحدث بإسم الشرطة الإسرائيلية ميكي روزنفيلد وجود أي تمييز ضد البلدة القديمة أو الفلسطينيين، وقال إن الإجراءات هي جزء من زيادة عامة في وجود الشرطة عبر منطقة القدس لفرض قيود الحكومة المتعلقة بفيروس كورونا.

وقال روزنفيلد: “خلال الأسابيع القليلة الماضية، كانت هناك زيادة هائلة في عدد [الحالات] في صفوف عموم الجمهور، وتوسعت أنشطة الشرطة في المناطق العامة، بما في ذلك المدينة القديمة”.

وأضاف أن “أنشطة الشرطة تتم بتدابير متساوية في جميع المجتمعات – يهودية ومسلمة ومسيحية”.

ولم يعلق روزنفيلد مباشرة على مزاعم تجار البلدة القديمة بشأن قيام الشرطة بإغلاق متاجرهم يوم السبت، على الرغم من الإبقاء على المطاعم والمقاهي مفتوحة في أماكن أخرى.

ديون وقروض

قال العديد من التجار بشكل منفصل لتايمز أوف إسرائيل إن المشاكل المالية دفعت بعض العائلات في المدينة القديمة إلى الطلاق، حيث انفصل الأزواج بسبب عدم قدرة المعيل على إعالة زوجته وأطفاله.

وردا على سؤال حول كيفية إعالة نفسه خلال الوباء، قال أبو محمد إن أبناءه البالغين يدفعون ديونه، وقال تجار آخرون إنهم يسحبون من مدخراتهم أو يأخذون قروض.

معظم الفلسطينيين الذين يعيشون في القدس ليسوا مواطنين إسرائيليين ولا فلسطينيين، وإنما يحملون بطاقة إقامة مؤقتة في القدس تصدرها لهم إسرائيل. على عكس الجنسية، يمكن إلغاء إقامتهم.

بطاقات الإقامة تجعلهم مؤهلين للحصول على تعويضات من مؤسسة التأمين الوطني، التي تلعب دورا رئيسيا في تحديد ما إذا كانوا مؤهلين للحصول على مخصصات. لكن منظمات حقوقية تجادل منذ سنوات بأن فلسطينيي القدس الشرقية لا يتلقون مستحقاتهم من مؤسسة التأمين الوطني.

في عام 2019، أفاد مراقب الدولة أن أنظمة بيانات مؤسسة التأمين الوطني متشابكة للغاية لدرجة تجعل من استخراج معلومات كاملة عن الحالات الفردية لسكان القدس الشرقية أمرا شبه مستحيل. وخلص التقرير إلى أن سكان القدس الشرقية الذين حاولوا الحصول على مخصصات أو فهم سبب إلغاء إقامتهم، واجهوا نظاما معقدا يفتقر إلى الشفافية.

سيدة تمر من أمام المتاجر المغلقة في زقاق خال بالبلدة القديمة في القدس، 16 مارس، 2020. (Emmanuel DUNAND/AFP)

قال بعض التجار إنهم لم يروا حتى الآن أموالا من مؤسسة التأمين الوطني، على الرغم من أنهم يدفعون الأموال للمؤسسة مثل أي شخص آخر. وأكد القاق، رئيس اتحاد تجار القدس الشرقية، أن الكثير من التجار أبلغوه بأنهم لم يحصلوا على الأموال التي وعدت بها مؤسسة التأمين الوطني، كما قال.

ويقول فيصل، وهو صاحب متجر آخر في البلدة القديمة: “يضعون شتى أنواع الشروط أمامك. يقولون لك – إنك تمتلك متجرا، أنت لست فقيرا، أنت غني”.

وقال عبد السلام أنه لم يتقدم بطلب للحصول على أموال من التأمين الوطني، حيث أنه ليس لديه حساب مصرفي، ولم يكن متأكدا من كيفية الحصول على مدفوعات بدون حساب مصرفي.

وقال: “يحتاج الجميع إلى الدعم، ولكن من الأشخاص الذين أعرفهم هنا والذين تقدموا بطلبات للتأمين الوطني، هناك من حصل على المال وهناك من لم يحصل عليه. أولئك الذين حصلوا على المال أنفقوه على الفور لتغطية الديون المتراكمة والفائدة”.

آخرون وجدوا أن التعويضات قليلة جدا بحيث لا يمكنها إحداث فرق كبير في وضعهم المالي.

وقال أبو محمد: “هناك تعويض من التأمين الوطني، لكنه في الواقع لا يعوض خسائرنا”.

ولم يتسن الاتصال بمؤسسة التأمين الوطني للحصول على تعليق.

يقول التجار إنهم لم يتلقوا سوى القليل من الدعم من السلطة الفلسطينية، التي تمنعها إسرائيل من العمل داخل حدود القدس. على هذا النحو، لا يبدو أن صندوق التحفيز للعمال والشركات الذي تديره السلطة الفلسطينية، والمعروف باسم برنامج “وقفة عز”، يصل إلى الفلسطينيين في القدس الشرقية التي تسيطر عليها إسرائيل.

وقال فيصل: “نحن مثل الأطفال اللقطاء، لا تريدنا السلطة الفلسطينية ولا تريدنا إسرائيل”.

بعد التفكير في الأمر، تذكر عبد السلام، تاجر البهارات، أن السلطة الفلسطينية أرسلت في الواقع بعض المساعدات لأصحاب المتاجر في البلدة القديمة: “صندوقا قفازات، صندوقا أقنعة، غالونان من المنظفات – ربما مائتا شيكل”.

وقال أبو محمد إن بعض أصحاب المتاجر غادروا القدس بحثا عن عمل في أي مكان آخر، أي شيء يمكن أن يساعدهم على دفع إيجارهم السنوي.

لكن أصحاب متاجر آخرين قالوا إنهم مصممون على البقاء في البلدة القديمة لأطول فترة ممكنة.

وقال صاحب أحد المتاجر، ويُدعى خليل: “رغم كل شيء، نحن هنا، صامدون”.

ويعلق فيصل في الجهة المقابلة من الشارع قائلا: “صامدون؟ بالطبع نحن مثابرون وكل ذلك. ولكننا نريد العيش أيضا”.

وتابع حديثه، مشيرا إلى الأزقة الخالية من الجانبين، قائلا: “هذا هو الحضيض، إننا نعتاش على خبز وزيت وزعتر. إذا استمر الوضع على هذا النحو، الله وحده يعلم ما الذي سيحدث”.

اقرأ المزيد عن
تعليقات على هذا المقال