الدوحة، قطر – ظنّ الوسطاء العرب أنهم توصلوا أخيرا إلى اختراق في 18 أغسطس/آب عندما أقنعوا حماس بقبول اقتراح لوقف إطلاق نار تدريجي وإطلاق سراح رهائن، وهو اقتراح يكاد يكون مطابقا للعرض الذي رعاه المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف ووافقت عليه إسرائيل قبل شهر.
كان ذلك بعد حوالي ثلاثة أسابيع من انهيار المحادثات في الدوحة، عندما استدعت إسرائيل والولايات المتحدة فريقيهما التفاوضيين بسبب شروط جديدة أضافتها حماس ورفضتها القدس وواشنطن.
خلال تلك الفترة، أعلنت إسرائيل أنها لم تعد معنية بالإطار المرحلي الذي نوقش – وهو الإطار الذي بدأ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالدفع به قبل حوالي 16 شهرا في محاولة لتأمين إطلاق سراح بعض الرهائن على الأقل دون الالتزام المسبق بإنهاء دائم للحرب.
لكن الوسطاء العرب، مصر وقطر، التزموا بالخطة القائمة – هدنة لمدة شهرين، يُطلق خلالها سراح ما يقارب من نصف الرهائن المتبقين، بينما تُجري إسرائيل وحماس محادثات بشأن وقف إطلاق نار دائم وإطلاق سراح الرهائن المتبقين في نهاية تلك الأيام الستين. اعتبرت القاهرة والدوحة أن الفجوات التي ظهرت بعد اقتراح حماس في 24 يوليو/تموز ضئيلة بما يكفي لسدّها، مقارنةً بالفراغ الهائل الذي سينشأ بين الجانبين إذا ما عُقدت محادثات بشأن اتفاق من مرحلة واحدة لإنهاء الحرب.
أبقى الوسطاء ويتكوف على اطلاع بجهودهم، مُفترضين أنه سيدعمهم في حال نجاحهم. ولكن عندما تحقق الاختراق، التزم المبعوث الأمريكي الصمت قرابة أسبوعين قبل أن يُصرّح لقناة “فوكس نيوز” بأن “الموقف الرسمي” هو ضد صفقات إطلاق سراح الرهائن على مراحل متعددة.
في مقابلة أجراها معه “تايمز أوف إسرائيل” من الدوحة يوم الاثنين، تجنب ماجد الأنصاري، المتحدث باسم كبير المفاوضين القطريين، رئيس الوزراء محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، انتقاد سلوك واشنطن صراحة، لكنه أكد أن “تحريك أعمدة المرمى في كل جزء من هذه الأزمة يجعل من المستحيل التوصل إلى اتفاق”.
من جانبهما، زعم ويتكوف ونتنياهو على التوالي أن حماس “تباطأت” و”ضللتنا” خلال جولات المفاوضات السابقة، مبررين قرار تغيير نهجهما للمطالبة باتفاق بمرحلة واحدة.
وجادل منتقدو رئيس الوزراء الإسرائيلي بأن إسرائيل أضافت أيضا شروطا أو أطالت أمد المحادثات بطرق حالت دون إبرام صفقات رهائن في مراحل سابقة من الحرب.
ورغم أن حماس اقترحت منذ فترة طويلة إطلاق سراح جميع الرهائن دفعة واحدة مقابل إنهاء الحرب، كما يطالب نتنياهو الآن، فإن اسرائيل تشترط أيضا لإنهاء الحرب نزع سلاح الحركة، تجريد القطاع من السلاح، واحتفاظ إسرائيل بالسيطرة الأمنية الشاملة على القطاع، ووجود إدارة مدنية جديدة لا تتبع لحماس أو للسلطة الفلسطينية لحكم المنطقة.
وتساءل الأنصاري “هل يبدو هذا شيئا يمكن لأي طرف قبوله عندما يتعلق الأمر باتفاق نهائي؟ هذا ما يحدث عمليًا عندما يستسلم أحد الطرفين”، مضيفا “يحاول الإسرائيليون حل هذه القضية عسكريًا منذ عامين تقريبا. ما هي توقعاتهم؟ هل سيضمنون هذه النتائج العسكرية بالوسائل الدبلوماسية؟”
وأوضح المسؤول القطري الكبير، وهو المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية، أنه على الرغم من رفض واشنطن الواضح لعرض الوسطاء العرب لوقف إطلاق النار – “الذي يمثل 98% مما تضمنه اقتراح ويتكوف” – فإن الوسطاء لم يستسلموا و”ما زالوا يدرسون” أفكارًا بديلة تتصور اتفاقًا “أكثر شمولًا”.
تهديد الضغط العسكري
في غضون ذلك، تواصل إسرائيل خططها للسيطرة على مدينة غزة، حيث يُقال إن نحو مليون فلسطيني لجأوا إليها بعد نزوحهم المتكرر طوال الحرب التي استمرت 22 شهرا، والتي اندلعت إثر هجوم حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 على جنوب إسرائيل.
من الجدير بالذكر أن حماس وافقت على التراجع عن مطالبها في 24 يوليو/تموز فقط بعد موافقة مجلس الوزراء الأمني على اقتراح نتنياهو باحتلال مدينة غزة، التي يصفها رئيس الوزراء بأنها آخر معاقل حماس – وهي اللغة التي استخدمها أيضا لوصف مدينة رفح جنوب القطاع قبل غزو الجيش الإسرائيلي للمدينة على الحدود الجنوبية للقطاع في ربيع عام 2024.
وأقر الأنصاري بأن التهديد بالضغط العسكري ربما كان فعالًا، لكنه جادل بأن إسرائيل فشلت في اغتنام فرصة التوصل إلى اتفاق دبلوماسي بمجرد أن أدى هذا الضغط إلى استسلام حماس.
وقال “إن التهديد بالضغط العسكري يختلف عن الضغط العسكري الفعلي على الأرض. فعندما تهددني بطعني بسكين، قد تدفعني لتغيير موقفي، لكن بعد ذلك، لا يسعني إلا الرد بالمثل”.
من ناحية أخرى، يردّ المدافعون عن الحكومة بأن التهديد بالضغط العسكري لا يكون فعالا إلا إذا ثبتت مصداقيته.
وأكد الأنصاري أن “هذا التكثيف للعمليات في مدينة غزة لن يعني سوى أن الرد العسكري من جانب حماس سيكون حربا شاملة”، وهو ما لن يؤدي إلا إلى “حرب عصابات”.
وقال “نعلم من التاريخ الحديث أن هذا ليس شيئاً تتقنه الجيوش عندما تقاتل سكانا أصليين”.
الفرص الضائعة
ادعى المسؤول القطري أن هذه ليست المرة الأولى التي تُضيع فيها إسرائيل فرصة للتوصل إلى اتفاق.
وقال الأنصاري “كانت هناك صفقات مطروحة كان من شأنها إعادة معظم الرهائن إلى عائلاتهم، وإحلال السلام في منطقتنا، وإنهاء سفك الدماء في غزة، وضمان الأمن، ليس فقط لإسرائيل، بل للمنطقة بأسرها”.
وأضاف “كانت خطة ويتكوف مخرجا واضحا من هذا المأزق. كان الأمريكيون معنا، والإسرائيليون معنا، وأخيرا، حماس معنا. لكن المواقف السياسية لعبت دورًا في ذلك”.
وتابع المسؤل القطري الكبير “إن النهج والتصورات العقائدية للأزمة، بطريقة لا تعكس الحقائق على الأرض، كانت حاسمة في النهاية”، في إشارة على ما يبدو إلى قرار الولايات المتحدة وإسرائيل الانسحاب من المحادثات في 24 يوليو/تموز، عندما شعر الوسطاء العرب أن التوصل إلى اتفاق لا يزال في متناول اليد.
عند الضغط عليه بشأن قرار حماس رفض ما يُسمى بمقترح ويتكوف بصيغته الحالية في يوليو/تموز، أقرّ الأنصاري بأن الجماعة أضاعت الفرص مرارا، وتجاهلت تحذيرات الوسطاء العرب في كل مرة من أن شروط الاتفاق ستزداد سوءًا مع استمرار الحرب.
لكن مع تدهور الأوضاع في غزة – بالنسبة لحماس والرهائن والمدنيين الفلسطينيين – قد تتراجع رغبة الحركة الأصولية في التنازل، على حد قوله.
وقال مؤكدا إن “احتلال مدينة غزة، الذي ستكون له عواقب إنسانية كارثية، لن يدفع أي طرف نحو التوصل إلى اتفاق”، مضيفا “لقد قلنا للإسرائيليين إنهم يُعرّضون رهائنهم وشعبهم للخطر دون أن تكون لديهم رؤية استراتيجية لما يريدون فعله”.
وجادل بأن العملية “مقامرة يبدو أن الحكومة الإسرائيلية تريد خوضها، لكنها ستعرض المنطقة بأكملها للخطر”.
وعندما سُئل عما إذا كان بدء عملية مدينة غزة سيمثل نقطة اللاعودة في محادثات الرهائن، أجاب بأن إجراء المفاوضات أصبح أصعب تحت النيران وأن فرص التوصل إلى اتفاق “تنخفض بشكل كبير”.
ومع ذلك، أصرّ على أن الوسطاء العرب سيواصلون العمل على هذه القضية، كما فعلوا حتى الآن.
وقال الأنصاري، في إشارة إلى الإطار الذي دعمه الرئيس الأمريكي آنذاك، إن مقترحهم الأخير “ربما يكون التجلي الرابع أو الخامس لتلك الوثيقة نفسها [منذ عام ونصف] – والتي كانت تُعرف آنذاك بمقترح بايدن”. وأضاف ان “جميع هذه المقترحات أتاحت مخرجًا من هذه الحرب”.
الانضمام إلى جوقة معارضي حماس
وقال المسؤول القطري “خاصةً بعد مؤتمر حل الدولتين في نيويورك… كان هناك موقف واضح للغاية، وإجماع دولي، مع وجود عدد قليل جدًا من الممانعين، لكن الإسرائيليين لم يغتنموا تلك الفرصة”.
وفي ذلك المؤتمر، انضمت قطر إلى بقية دول جامعة الدول العربية في التوقيع على بيان مشترك دعا حماس إلى إطلاق سراح الرهائن، ونزع سلاحها، وإنهاء حكمها في غزة.
فاجأت الرسالة التي وجّهتها فرنسا والمملكة العربية السعودية العديد من منتقدي قطر، الذين طالما انتقدوا الدولة الخليجية لعلاقاتها مع حماس، التي تستضيف الدوحة قادتها منذ عام 2012.
وأكد الأنصاري “لقد كنا وسيطًا منذ عام 2006، لكن هذا لا يعني أننا نتغاضى عن أنشطة الجانبين”.
وأوضح أن قطر تدعو منذ فترة طويلة إلى توحيد غزة والضفة الغربية تحت قيادة السلطة الفلسطينية وحدها.
ولكن بناءً على طلب إسرائيل، قدمت الدوحة أيضًا مئات الملايين من الدولارات كمساعدات لغزة، والتي ساهمت لسنوات في دعم حماس.
وأشار الأنصاري إلى أن قطر موّلت السلطة الفلسطينية أيضًا بمئات الملايين من الدولارات، حتى في الوقت الذي كانت تطالب فيه حماس بالحفاظ على مكانتها في الساحة السياسية الفلسطينية.
وأقر بأن لغة البيان المشترك ضد حماس تتجاوز ما سبق للدوحة أن فعلته، لكنه قال إنه “يعكس الإجماع في المنطقة حول ما يجب أن يحدث فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية”.
وفيما يتعلق بما إذا كان الخلاف مع حماس قد يدفع قطر إلى طرد قادة الحركة من الدوحة، أكد الأنصاري أن الوساطة هي السبب الوحيد لقيام بلاده بدور المضيف – وهو طلبٌ قديم من الولايات المتحدة وإسرائيل.
وقال “لو لم تكن هناك وساطة، فستكون القصة مختلفة”، مشيرا إلى قرار قطر بمطالبة قادة حماس سرًا بمغادرة البلاد أواخر العام الماضي عندما تعثرت محادثات الرهائن. وطلب ويتكوف لاحقًا من الدوحة استدعاء قادة الحركة، معتبرًا أن هذه هي الاستراتيجية الأفضل لإحياء المحادثات التي نجم عنها في النهاية عن وقف إطلاق نار مؤقت في يناير.
قطر غيت
إن علاقة قطر بحماس – على الرغم من استغلالها من قبل حكومات نتنياهو المتكررة – جعلت من الدوحة كبش فداء للأطراف السياسية في إسرائيل.
مع ذلك، لم يبدُ على الأنصاري أي انزعاج. “نتنياهو هو أحد الثابتين في المنطقة منذ عام 1996. كنتُ طالبًا في المدرسة عندما انتُخب رئيسًا للوزراء لأول مرة. أسلوب هذه الحكومة في إدارة الأعمال ليس أمرًا جديدًا علينا أن نتعلم كيفية التعامل معه”.
وأضاف الأنصاري “أصبح إلقاء اللوم على قطر أمرًا شائعًا في العديد من الدول. بسبب دور الوساطة الذي نلعبه، وبسبب التزامنا… نتعرض للهجوم”.
لكن في إسرائيل، يخضع اثنان من مساعدي نتنياهو للتحقيق الجنائي بزعم عملهما في شركة ضغط مؤيدة لقطر يديرها مدير حملة رئيس الوزراء السابق، بينما كانا يعملان في الوقت نفسه لدى رئيس الوزراء، بل واستمرا في عملهما لصالح قطر حتى بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول.
أصرّ الأنصاري على أن قطر كانت صريحة تماما.
وقال “لدينا خط اتصال واضح للغاية مع الجمهور الإسرائيلي والحكومة الإسرائيلية، ولسنا بحاجة إلى أي وسيلة أخرى للتأثير على الرأي العام”، مشددًا على أن مقابلته مع “تايمز أوف إسرائيل” هي الأحدث في سلسلة تواصل مستمر مع وسائل الإعلام الإسرائيلية، مخالفًا بذلك سياسة معظم الحكومات العربية الأخرى في المنطقة – حتى تلك التي، على عكس الدوحة، تحافظ على علاقات دبلوماسية كاملة مع القدس.
وعندما سُئل عن اعتراف مساعدي نتنياهو المتورطين بتلقي أموال قطرية، رفض الأنصاري التعليق، قائلاً إن هذا الأمر “يُترك للمحاكم البت فيه، ولن نؤثر على العملية القضائية بالإدلاء بأي تصريحات تُناقض أو تُثبت صحة أي شيء يُقال في المحاكم”.
الضغط الأمريكي حاسم، ولكنه ليس في إطار معزول
وقال الأنصاري إنه في حين أن علاقة قطر بإسرائيل متوترة منذ فترة طويلة، إلا أن علاقاتها مع الولايات المتحدة “في حالة ممتازة” في ظل إدارة ترامب.
وقال “لقد عملنا معًا، ليس فقط على القضية الفلسطينية، بل على قضايا عديدة حول العالم – بعضها معروف وبعضها الآخر غير معروف. نعتقد أن هذه الإدارة قادرة على إنجاز الكثير فيما يتعلق ببناء السلام على الصعيد الدولي”.
وأضاف أن “الضغط الأمريكي هو ما سيدفع الإسرائيليين إلى طاولة المفاوضات”، لتحقيق النجاح في غزة.
وتابع قائلا “في النهاية، القرار السياسي يجب اتخاذه في إسرائيل. لقد سمعنا ما قاله الجيش الإسرائيلي بشأن العملية في غزة، وما قالوه بشأن الحاجة إلى اتفاق. لذا، نعلم أنه قرار سياسي بحت… يجب أن يتخذه اللاعبون السياسيون الذين يُصعّبون التوصل إلى هذا الاتفاق”.
“من الواضح أن هذا سيتطلب ضغوطا دولية، وأهمها الضغط من الولايات المتحدة“، حسبما قال.
