عائلة فلسطينية تتوق للعثور على إجابات في أعقاب “هجوم إرهابي” غامض
بحث
والد خالد نوفل، الذي قُتل في مشاجرة مع مستوطنين إسرائيليين ، على سطح منزل العائلة في قرية راس كركر بالضفة الغربية في 11 فبراير، 2021.  (Judah Ari Gross/Times of Israel)
والد خالد نوفل، الذي قُتل في مشاجرة مع مستوطنين إسرائيليين ، على سطح منزل العائلة في قرية راس كركر بالضفة الغربية في 11 فبراير، 2021. (Judah Ari Gross/Times of Israel)
تحقيق

عائلة فلسطينية تتوق للعثور على إجابات في أعقاب “هجوم إرهابي” غامض

بناء على شهادة المستوطنين، اعتبرت إسرائيل مواجهة قاتلة وقعت في بؤرة استيطانية عملا إرهابيا. ولكن ما الذي دفع خالد نوفل إلى التوجه بدون سلاح في ظلمة الفجر إلى البؤرة غير القانونية بالضفة الغربية

راس كركر – بدا أن حظ خالد نوفل بدأ يتحسن أخيرا. بعد قرابة عام من الانفصال، كان يستعد للم شمله مع زوجته وابنه الصغير، اللذين تقطعت بهما السبل في الأردن منذ تفشي جائحة كورونا.

لتدشين المرحلة الجديدة في حياتهم، استأجر نوفل (34 عاما)، الذي عمل كموظف في وزارة المالية بالسلطة الفلسطينية، شقة جديدة في رام الله وبدأ في الانتقال للعيش فيها. واشترى ملابس جديدة لأول مرة منذ سنوات. وكان يستعد للسفر إلى معبر جسر اللنبي الحدودي لمقابلتهما وإعادتهما إلى الضفة الغربية – لكن عندها أغلِقت الحدود.

في 4 فبراير، الليلة التي كان من المفترض أن يتم فيها لم شمله مع زوجته سوزان وابنه يوسف البالغ من العمر 4 سنوات، جلس نوفل مع والديه في منزل العائلة في راس كركر، بلدة صغيرة هادئة تقع شمال غرب رام الله. في حوالي الساعة العاشرة مساء، ذهب والده، وهو كهربائي وعمل كعامل صيانة في إسرائيل، إلى الفراش. بعد ساعة ونصف، ذهبت والدته للنوم أيضا.

وروى والده، ماهر نوفل، لـ”تايمز أوف إسرائيل” من أمام منزل العائلة: “جلسنا في غرفة المعيشة. وضعنا خططا لليوم التالي – كان يخطط لشراء سيارة جديدة ، وأراد نقل بقية أغراضه – ثم صعدت إلى الطابق العلوي. لم تكن هناك أي مشكلة. كل شيء بدا على ما يرام، لقد كان طبيعيا جدا”.

سيارة فلسطيني خارج منزل رجل إسرائيلي في بؤرة مزرعة سديه إفرايم الاستيطانية في شمال الضفة الغربية، حيث يقول الجيش الإسرائيلي إن الفلسطيني هاجم شخصا قبل أن يُقتل بالرصاص في 5 فبراير، 2021. (Israel Defense Forces)

كانت هذه هي المرة الأخيرة التي يرى فيها ابنه على قيد الحياة. المرة التالية التي راى فيها وجهه كانت  من خلال صورة على هاتف ذكي حمله ضابط إسرائيلي طرق باب العائلة عند الفجر.

وقال ماهر: “وصل الجنود في الصباح الباكر. طرقوا الباب وسألوا عن خالد. فتحت الباب وأخبرتهم أن خالد موجود هنا. عندما فتحت الباب رأيت أن سيارته قد اختفت”.

وقال أقارب خالد لتايمز أوف إسرائيل إنه في وقت ما في جوف الليل، دون أن يعرف أي شخص آخر من عائلته، غادر خالد نوفل منزله بسيارته.

وفقا لرواية الجيش الإسرائيلي، المستندة بشكل شبه كامل على شهادة المستوطنين الإسرائيليين المتورطين في الحادث، في حوالي الساعة 3:45 من فجر يوم الجمعة، قاد نوفل سيارته على بعد بضع مئات الأمتار، عبر واد موحل صعودا إلى تلال تُعرف محليا باسم ريسان ودخل البؤرة الاستيطانية مزرعة سديه افرايم المطلة على راس كركر، بمفرده ودون أن يحمل سلاح.

وفقا للجيش الإسرائيلي، ركض نوفل إلى منزل مالك المزرعة، إيتان زئيف، وطرق الباب المغلق في محاولة لاقتحامه، مما أثار انتباه الحراس الذين يقومون بدوريات في البؤرة الاستيطانية. وقال الجيش إنه اشتبك مع أحد الحراس، الذي لم يكن مسلحا، قبل أن يقوم زئيف وحارس ثان – يحمل كلاهما أسلحة – بفتح النار على نوفل وقتله.

سرعان ما اعتبر الجيش الإسرائيلي الحادث “محاولة هجوم إرهابي”، على الرغم من قلة الأدلة التي تشير إلى وجود دافع قومي – أو شخصي – وعلى الرغم من السؤال العالق حول كيف كان خالد ينوي تنفيذ هجوم بدون سلاح. مثل معظم سكان راس كركر، عرف خالد على الأرجح أن أولئك الذين يعيشون في مزرعة سديه إفرايم لديهم أسلحة وكانوا على استعداد لاستخدامها.

ولم يجر الجيش أو الشرطة أي تحقيق آخر. وقال متحدث بإسم الشرطة الإسرائيلية في منطقة الضفة الغربية لتايمز أوف إسرائيل يوم الثلاثاء إن “هذا لم يكن حدثا إجراميا، لقد كان هجوما إرهابيا، وعلى هذا النحو، لا توجد هنا قضية”.

لكن بالنسبة لعائلة نوفل، أدى إطلاق النار على الفور إلى رفع الرايات الحمراء، وتحديدا بسبب تورط زئيف، الذي يعرفونه، في محاكمة بتهمة الاعتداء الخطير لإطلاقه النار على فلسطيني آخر وإصابته خلال مشاجرة وقعت في يوليو خارج بلدة بديا في شمال الضفة الغربية.

خالد نوفل يجلس مع ابنه يوسف نوفل. (courtesy: Nofal Family)

علاوة على ذلك، لم يتضح  لماذ كان زئيف يحمل السلاح أصلا، حيث تمت مصادرة مسدسه بسبب لائحة الاتهام الموجهة ضده.

قالت الأسرة إنها على معرفة بزئيف – من خلال السمعة والتجربة – قبل إطلاق النار بوقت طويل. بصرف النظر عن إطلاق النار في بديا، زعموا أنه كان يميل إلى تهديد الفلسطينيين الذين يقتربون من مزرعته.

على الرغم من مصادرة مسدس زئيف رسميا بعد تقديم لائحة الاتهام ضده، قال فلسطينيون محليون – بمن فيهم عائلة نوفل – إنهم رأوه يسير عبر التلال وهو يحمل مسدسا على حزامه.

وقال أحد أفراد عائلة نوفل: “نزل من التلة ومسدسه مربوط بفخذه، محاولا إظهار أنه سيد الأرض. يهدد بإطلاق النار على كل من يقترب منه. أريد أن أضربه. ليس لدي مشكلة في ذلك”.

اندلعت التوترات بين البؤرة الاستيطانية غير القانونية، التي يقيم بها زئيف، وسكان راس كركر منذ إنشائها في عام 2018. اعتاد سكان راس كركر زراعة أجزاء من جبل الريسان – التي تم تسجيلها من قبل إسرائيل كأراضي دولة للاستخدام العام – لكنهم يقولون إن القيام بذلك أصبح أكثر صعوبة الآن. وقد تظاهر سكان راس كركر بشكل متقطع ضد المزرعة منذ بنائها، ودخلوا في اشتباكات عنيفة مع الجنود الإسرائيليين.

مزرعة سديه افرايم ، أعلى التلال على يمين الطريق، في صورة التُقطت من قرية راس كركر في الضفة الغربية، 11 فبراير، 2021. (Judah Ari Gross / Times of Israel)

بالنسبة لعائلة نوفل، مثل باقي سكان راس كركر، كانت معارضة المزرعة جزءا من النضال الأكبر ضد سيطرة إسرائيل على الضفة الغربية. لكن موت خالد حولها من قضية قومية إلى قضية شخصية للغاية.

تقع المزرعة على تل يطل على منزل العائلة، وهي اليوم تلوح في الأفق كتذكير يومي بما فقدوه.

قال عم خالد، مراد نوفل: “لقد قتل أحد أبنائنا. عليه أن يرحل”.

لا توجد وسائل، ولكن ربما هناك دافع

وُلد خالد ماهر نوفل في عام 1987 ودرس إدارة الأعمال في جامعة بير زيت القريبة من رام الله.

عندما حان وقت الزواج، تزوج خالد من ابنة عمه: سوزان، مهندسة معمارية أردنية فلسطينية، وعاش الاثنان معا في منزل ماهر في راس كركر، مع شقيقي خالد الأصغر منه سنا، خلدون ومحمد، وأنجبا ولد اسماه يوسف. نظرة خاطفة على حساب خالد على وسائل التواصل الاجتماعي تظهر مجموعة لا تنتهي من الصور للطفل الأشقر ذي العينين الزرقاوين.

ويروي شقيقه محمد، “ابنه يوسف. لقد كان ابنه كل حياته”. وفقا لمحمد، لا تزال الأسرة في حيرة من أمرها بشأن كيفية إخبار يوسف بما حدث لوالده قبل أسبوعين فقط.

كان لدى نوفل وظيفة ثابتة، حيث عمل كمقيّم ضرائب في وزارة المالية في السلطة الفلسطينية، وخطط لبدء عمل جانبي لمساعدة عمه مراد في إنشاء شركة توصيل. في الليلة التي سبقت صعوده إلى سديه إفرايم، تحدث إلى والده عن خطته لشراء سيارة جديدة تلائم بشكل أفضل الحياة في رام الله، بحسب عمه مراد.

يعيش مراد في أوهايو لكنه حصل على إذن خاص للعودة إلى راس كركر بعد وفاة ابن اخيه، وقال إنه كان على اتصال دائم بكل من خالد وسوزان، وهي أيضا ابنة أخيه. (رفضت سوزان، التي لا تزال في الأردن ، التعليق على هذا التقرير).

يقول ماهر إنه لا يوجد لابنه تاريخ من العنف أو صلات بفصائل فلسطينية مسلحة. اشتبك سكان قريته مع مستوطنين محليين في الماضي، لكن لم يحدث له شيء شخصيا ولم تقع أي حوادث في الأيام السابقة، بحسب عائلته والجيش.

وقال ماهر لتايمز أوف إسرائيل “لا أعرف ما الذي قد يكون حدث. طلبت مني الشرطة رواية بديلة، لكنني أخبرتهم أنه لا توجد لدي رواية أخرى. لدي فقط الرواية الإسرائيلية، وهي غير منطقية”.

وقال محمد، شقيق خالد، الذي يبلغ من العمر 25 عاما: “كان هادئا وصبورا للغاية، ولم يكن شخصا عنيفا أو عدوانيا أو يسعى لافتعال شجارات”.

محمد نوفل ، الذي قُتل شقيقه خالد في مشاجرة مع مستوطنين إسرائيليين، خارج منزل العائلة في قرية راس كركر بالضفة الغربية، 11 فبراير، 2021. (Judah Ari Gross / Times of Israel)

لكن مراد قال إن خالد كان كئيبا في اليوم الذي سبق إطلاق النار عليه. بعد شهور من انتظار إعادة افتتاح جسر اللنبي، توقع المحاسب الشاب وصول زوجته وابنه الصغير من الأردن يوم الخميس.

في نفس اليوم، أغلِقت الحدود مرة أخرى بسبب إعادة فرض قيود كورونا في جميع أنحاء البلاد. وقال مسؤول دفاعي إسرائيلي إن جسر اللنبي، مثل مطار بن غوريون الدولي، لا يزال مغلقا بعد ثلاثة أسابيع، مع السماح بمرور حالات استثنائية فقط.

كان خالد قد استعد بجهد جهيد لوصول عائلته. عندما وردت الأنباء عن الإغلاق المفاجئ، شعر بالإحباط، وفقا لمراد.

وقال مراد “كان في انتظار هذه اللحظة، ذاك الخميس، للتوجه إلى الأردن لاصطحابهما – وعندها قامو بإغلاق [الحدود]. فما الذي كان يفكر فيه؟ ربما كان يعتقد أنكم كنتم جزءا من السبب”، وأضاف “لا أعرف. ربما عندما أغلقت الحدود، توقف عقله عن العمل”.

لكن والد خالد أشار إلى أنه إذا كان يريد التسبب بأذى، فقد كان أعزلا ليلة إطلاق النار عليه.

وقال ماهر بصراحة وهو يقف في شقة خالد نصف الخالية “حتى لو أراد طعن شخص ما، لا قدر الله، هناك سكاكين في المطبخ”.

سكان آخرون في راس كركر قالوا إن هناك أسلحة في البلدة وهناك فصائل مسلحة – “ليس مع السلطة الفلسطينية”، كما قال أحدهم عن علم – كانت على استعداد لارتكاب أعمال ضد إسرائيل. لكنهم أضافوا أن خالد لم يكن واحدا منهم.

وقال مراد “خالد ليس أحد هؤلاء الرجال. ليس الأمر أنه لم يكن يهتم بشعبه أو بأرضه، ولكن هذه لم تكن طريقته لاستعادتها. إذا سأله الناس عما إذا كان سيأتي لرشق الجنود الإسرائيليين بالحجارة ، فما كان سيذهب. لم يكن هذا العنف في داخله”.

لافتات تحمل صورة خالد ماهر نوفل ، الذي قُتل في مشاجرة مع مستوطنين إسرائيليين، في منزل العائلة في قرية راس كركر بالضفة الغربية، 11 فبراير، 2021. (Judah Ari Gross / Times of Israel)

لكن ماذا لو كان خالد لا يحاول قتل إسرائيلي عندما وصل إلى البؤرة الاستيطانية يوم الأحد؟ هل يمكن أن تدفعه الضربة المفاجئة المتمثلة في الانفصال عن زوجته وابنه لفترة غير معروفة إلى محاولة قتل نفسه؟

مشيرا إلى وجهة نظره بصفته شخص يأتي من الخارج ويعيش في الولايات المتحدة، قال مراد إن “نصف هؤلاء الأشخاص يعانون من الاكتئاب”.

وأضاف “أنا متأكد من أنه في إسرائيل توجد أماكن حيث تقدم الحكومة المساعدة بواسطة بالمال. هنا، من الذي سيساعد في علاج الاكتئاب؟ إنهم لا يعانقون بعضهم البعض. لا يعرفون قول ’ستكون الأمور على ما يرام. فأنت على قيد الحياة’”.

لكن ماهر ومحمد يرفضان الإيحاء بأنه كانت لدى خالد رغبة في الموت، وقال ماهر عن ابنه “لم تكن لخالد رغبة في الانتحار. هو لم يكن كذلك. لقد كان يتصرف بشكل طبيعي تماما في ذلك اليوم، في اليوم الأخير”.

مزرعة المشاكل

بالنظر إلى الجنوب من سطح منزل عائلة نوفل، يمكنك بسهولة رؤية مزرعة سديه إفرايم، التي تم بناؤها بشكل غير قانوني في عام 2018: مجموعة من الكرفانات والمباني الزراعية.

وصف شبتاي بنديت، الباحث في حركة “سلام الآن” المناهضة للاستيطان، مزرعة سديه إفرايم بأنها “بؤرة استيطانية غير قانونية كلاسيكية” ، بدأت دون موافقة ودون تخطيط ودون تنسيق مع السلطات الإسرائيلية.

متظاهرون فلسطينيون يشتبكون مع القوات الإسرائيلية خلال احتجاج على إنشاء بؤرة استيطانية إسرائيلية غير قانونية بالقرب من قرية رلس كركر في وسط الضفة الغربية، 30 أغسطس، 2018. (Flash90)

أقتحم مستوطنون الأرض في البؤرة الاستيطانية في أغسطس 2018، مما أثار احتجاجات من قبل سكان راس كركر، الذين يؤكدون أن الأرض الواقعة على التلال مملوكة لعدة عائلات في القرية، التي كانت تزرع الأرض هناك منذ أجيال.

وبحسب بنديت، فقد تم تصنيف المنطقة كأراضي دولة من قبل إسرائيل لأن ملكية العقار لم يتم توثيقها في سجل الأراضي الأردني خلال فترة سيطرة عمان على المنطقة من عام 1948 إلى عام 1967، على الرغم من امتلاك سكان راس كركر الأوراق اللازمة لإثبات ملكيتهم للأرض، فضلا عن سجل تاريخي لاستخدامها.

أوقفت الاشتباكات العمل في البؤرة الاستيطانية، ولكن بعد وقت قصير أعلن الجيش عنها منطقة عسكرية مغلقة، وهو ما منع الفلسطينيين من الاقتراب منها. خلال ذلك الوقت، أنهى زئيف وآخرون، الذي كان يُحظر عليهم  هم أيضا من الناحية التقنية دخول الأرض بموجب الأمر العسكري، أعمال البناء في البؤرة الاستيطانية.

على الرغم من أن المستوطنات الإسرائيلية تعتبر بشكل عام غير قانونية بموجب القانون الدولي، فإن البؤر الاستيطانية مثل مزرعة سديه إفرايم تعتبر أيضا غير قانونية بموجب القانون الإسرائيلي المحلي لأنها تفتقر إلى التصاريح اللازمة من الحكومة.

كانت هناك خطط لهدم البؤرة الاستيطانية بعد وقت قصير من بنائها – يمكن للسلطات أن تهدم بسهولة مثل هذه المستوطنات العشوائية في غضون 60 يوما – لكن الحكومة تدخلت ومنعت الإخلاء السريع، مما يضمن أن أي محاولات مستقبلية لإزالة البؤرة الاستيطانية ستتطلب معركة قانونية طويلة .

حفارات وجرافات الجيش الإسرائيلي تشق طريقا بالقرب من قرية راس كركر في الضفة الغربية، بالقرب من رام الله، 28 أغسطس، 2018. (AP / Nasser Nasser)

على مدى العامين الماضيين ، تم توسيع البؤرة الاستيطانية وتحديثها مع تحسين البنية التحتية.

ووفقا لحركة السلام الآن، فإن حوالي 40 مزرعة استيطانية غير قانونية قد انتشرت في أنحاء الضفة الغربية في السنوات الأخيرة، ومعظمها تحت حراسة شركات أمن خاصة. على الرغم من وضعها القانوني المشكوك فيه، إلا أنها تعمل أيضا تحت حماية الجيش الإسرائيلي.

العديد من هذه البؤر أنشأتها منظمة “أمانا” الاستيطانية، التي تتلقى تمويلا عاما. أمانا لا تمتلك مزرعة سديه إفرايم، لكنها دفعت تكاليف إنشاء طريق يصل إلى البؤرة الاستيطانية. في وقت لاحق خلصت محكمة إلى أن الطريق يمر عبر أرض فلسطينية خاصة، لكنه اعتُبر أمرا واقعا وسُمح بالإبقاء عليه.

وفقا لأمانا، فإن بناء البؤر الاستيطانية يوفر لحركة الاستيطان طريقة بسيطة لمنع الفلسطينيين من استخدام الأراضي العامة وتوسيع بصمة الحركة الاستيطانية في الضفة الغربية. يوسع بناء المنازل المستوطنات واحدة تلو الأخرى، ولكن وضع كرفان وترسيم فدادين من الأرض من حوله كجزء من اهتمام زراعي يمكن أن يقوم بنفس العمل بسرعة أكبر وبتكلفة أقل.

في مؤتمر افتراضي عقدته المنظمة غير الربحية في الأسبوع الماضي، قال مدير أمانا زئيف حيفر، بحسب ما نقلته صحيفة “هآرتس”: “بإمكان مزرعة واحدة حماية أرض تمتد على آلاف الدونمات”.

يصف المنتقدون انتشار البؤر الاستيطانية الزراعية بأنه واجهة لتوسيع المستوطنات ومنع الفلسطينيين من الوصول إلى أراض عامة مفتوحة.

وقالت حاغيت أفران، التي تدير مشروع مراقبة المستوطنات في سلام الآن، “هذا هو الاتجاه الجديد في الضفة الغربية خلال السنوات القليلة الماضية. يقومون بإنشاء مزرعة ويحضرون الأبقار والأغنام ويضمنون عدم اقتراب الفلسطينيين من أراضي الدولة. عندما يقترب الفلسطينيون، يتصلون على الفور بالجيش في محاولة لطردهم”.

سيارة فلسطينية خارج منزل رجل إسرائيلي في بؤرة مزرعة سديه إفرايم الاستيطانية في شمال الضفة الغربية، حيث يقول الجيش الإسرائيلي إن الرجل الفلسطيني هاجم شخصا قبل أن يُقتل بالرصاص في 5 فبراير 2021. (Israel Defense Forces)

إيتان زئيف (27 عاما)، يمتلك سديه إفرايم ويدير مجموعة صغيرة من المزارع المماثلة من خلال منظمة أسسها. تقول المنظمة غير الربحية ، المسماة”استيقظي يا أرضي الحبيبة” ، إن مزارعها تهدف إلى إنشاء إطار تعليمي للشباب المعرضين للخطر من خلال الزراعة والعلاج.

“تشجع ’استيقظي يا أرضي الحبيبة’ الاستيطان في المنطقة من خلال أنشطة التوعية ومناطق الجذب السياحي والمزيد… وتقدم المساعدة للمزارعين وتحمي حقوقهم من خلال الزراعة والتطوع”، وفقا للمنظمة.

انتقل زئيف إلى مزرعة سديه إفرايم، حيث يعيش مع مجموعة صغيرة من الأشخاص الآخرين، بمن فيهم حراس، في مجموعة من المنازل المتداعية المحاطة بالدفيئات وحظائر الحيوانات. العلاقة السيئة بين المستوطنين والفلسطينيين المحليين استمرت بالتدهور، حيث يرى السكان المحليون أن وجود زئيف يشكل خطرا عليهم.

وقال ماهر نوفل من على سطح منزله في راس كركر: “إيتان هذا هو رجل عصابات. أنا أعرف المستوطنين، في بيت إيل، على سبيل المثال”، مشيرا إلى مجموعة من المباني الزراعية عند سلسلة التلال القريبة. “هذا الرجل ورفاقه مختلفون. لقد أتوا إلى هنا ويتصرفون وكأنهم يمتلكون المكان. لماذا سمحت له إسرائيل بوضع مزرعته هناك؟”

لكن العائلة قالت أيضا إنه لم يكن هناك أي تواصل شخصي بين خالد وزئيف، ولا يُعرف عن خالد أنه منشغل بشكل خاص بمعارضة البؤرة الاستيطانية.

أصبح زئيف معروفا لأول مرة للجمهور الإسرائيلي الأوسع من خلال اشتباك وقع في مزرعة غير قانونية مماثلة بالقرب من بلدة بديا الفلسطينية، بالقرب من نابلس، في يوليو الماضي. هناك نزاع على ملكية المنطقة، ويدعي الفلسطينيون أن سكان بديا عملوا تاريخيا في هذه الأرض.

في 5 تموز، وصل زئيف الى المنطقة مع عدد من المستوطنين الآخرين للعمل في الارض. من هناك، تباينت الروايات: يزعم فلسطينيون محليون أن فلسطينيين تصديا للمستوطنين وتعرضا لإطلاق النار، مما تسبب في وصول حشد كبير من السكان المحليين إلى مكان الحادث. المستوطنون من جهتهم يقولون إنهم تعرضوا لهجوم من قبل مائة فلسطيني قاموا برشقهم بالحجارة، مما دفع زئيف إلى إطلاق النار في محاولة لإبعادهم.

أصيب زئيف وبعض زملائه بجروح طفيفة خلال الاشتباكات وتلقوا الإسعافات الأولية، وتلقى الفلسطينيان العلاج، أحدهما جراء إصابته بجروح متوسطة بعد أن أطلق زئيف النار عليه.

إيتان زئيف، على يمين الصورة، يتلقى جائزة من رئيس المجلس الإقليمي السامرة، يوسي دغان، في 2 سبتمبر، 2020، على دوره في اشتباك مع فلسطينيين على قطعة أرض زراعية في فصل الصيف الأخير. (Roi Hadi)

سلطات تطبيق القانون تنظر إلى القضية من منظور مختلف. طبقا لملفات المحكمة – التي لا تشير إلى رشق مكثف للحجارة – وصل “عشرات الفلسطينيين” إلى مكان الحادث قبل المواجهة، وسدوا الطريق الوحيد إلى المنطقة. مع تصاعد التوتر حاول زئيف تفريق الفلسطينيين من خلال التلويح بمسدسه، وقام بدفع أحد الفلسطينيين، الذي “أبعد يده”.

في هذه المرحلة، بحسب ممثلي الإدعاء، أنزل زئيف مسدسه واطلق النار بالقرب من إذن الفلسطيني الذي وقف أمامه. أصابت الرصاصة فلسطينيا آخر وقف خلفه.

“أصابت الرصاصة إصبع الضحية واخترقت حوضه من فخذه الأيسر، قبل أن يسقط على الأرض”، وفقا لممثلي الإدعاء.

توضيحية: متظاهرون فلسطينيون يلوحون بالأعلام الفلسطينية خلال مظاهرة في بلدة بديا الفلسطينية بالضفة الغربية، 6 يوليو، 2020. (JAAFAR ASHTIYEH / AFP)

تصدرت المواجهة الدامية بين المستوطنين والفلسطينيين عناوين الأخبار في الإعلام الإسرائيلي والفلسطيني، ومنحت زئيف بضع دقائق من الشهرة في الحركة الاستيطانية بصفته “المزارع الذي كاد ان يتعرض للاعتداء من قبل جماعة غوغاء ودافع عن نفسه”، كما وصفته إحدى الصحف.

في وقت لاحق، تم القبض على زئيف وتقديم لائحة اتهام ضده في سبتمبر بتهمة الاعتداء الشديد في ظروف خطيرة. بسبب تقديم لائحة الاتهام، تم مصادرة سلاحه. زئيف دافع عن تصرفه بدعوى الدفاع عن النفس: وهو ما كان سيفعله أي عاقل في وضعه.

وقال زئيف في مقطع فيديو نُشر بعد تقديم توجيه التهم له في سبتمبر: “إنه موقف يكون فيه الشيء الوحيد الذي يدور في ذهنك هو حياة أصدقائك. تفكر في زوجتك وأطفالك، وترى الموت أمام عينيك، وتحاول التفكير حول كيفية العودة إلى المنزل بأمان”.

وقد أدان اليمين المتدين قرار اتهامه بشدة، حيث ناقش البرلمانيون المؤيدون للمستوطنين قضيته من على منصة الكنيست.

وقال رئيس مجلس السامرة الإقليمي يوسي دغان في احتفال أقيم في سبتمبر، حيث منح زئيف جائزة لسلوكه خلال الواقعة، “ليس من المفترض أن يصبح ضحايا الإرهاب مدعى عليهم في المحكمة”.

من غير الواضح كيف حصل زئيف – الذي صادرت السلطات مسدسه في سبتمبر بسبب لائحة الاتهام – على سلاح مرة أخرى.

لكن يفتاح نوركين، قائد اللواء المحلي للجيش الإسرائيلي، جادل لصالح إعادة السلاح لزئيف في العام الماضي، بدعوى أن الرجل “تجنب هو وموظفيه، من خلال تفاعلاتي معهم، الخلافات مع جيرانهم الفلسطينيين”.

الكولونيل يفتاح نوركين، في الوسط، قائد لواء إفرايم الإقليمي، يزور بؤرة سديه إفرايم الاستيطانية في شمال الضفة الغربية، حيث يقول الجيش الإسرائيلي إن رجلا فلسطينيا هاجم شخصا قبل أن يُقتل بالرصاص في 5 فبراير، 2021. (Israel Defense Forces)

ولم تؤكد الشرطة ولا الجيش إعادة مسدس زئيف إليه. وأشار متحدث باسم الشرطة إلى أن المسدس الذي استُخدم صباح الجمعة ربما كان ملكا لزوجة زئيف، وأن لكل فرد الحق في استخدام السلاح للدفاع عن النفس.

لم يتحدث زئيف ولا حراس الأمن، الذين لم يتم الكشف عن أسمائهم، علنا عن إطلاق النار على نوفل.

وقد سعى مراسلو تايمز أوف إسرائيل للوصول إلى زئيف من خلال عدة قنوات، لكن قيل لهم مرارا من خلال المحاورين إنه لا يرغب في التحدث إلى الصحافة.

التداعيات

يتذكر ماهر أنه قبل إطلاق النار على ابنه، عمل في إسرائيل لأكثر من عقدين من الزمن. في أواخر التسعينيات، أسس شركة صغيرة في اللد مع شريك إسرائيلي يهودي يعمل كهربائيا أيضا.

لكن بعد أن اعتُبر خالد “إرهابيا”، تم إلغاء تصريح عمل ماهر في إسرائيل. كقاعدة عامة ، لا تسمح السلطات الإسرائيلية للفلسطينيين الذين يرتكب أحد أفراد عائلتهم هجوما بالعمل في إسرائيل.

وقال ماهر: “توجهت إلى الحاجز وقام الشرطيون بالتحقق من تفاصيلي. ختموا على جواز سفري ’مرفوض’”.

كما لم تعد الحكومة الإسرائيلية جثة خالد حتى يتم دفنها بطريقة لائقة، حيث تنتهج إسرائيل سياسة احتجاز جثث من يشتبه بتنفيذهم لعمليات كأوراق مساومة في عمليات تبادل الأسرى في المستقبل. تُعتبر هذه السياسة مثيرة للجدل حتى داخل المؤسسة الدفاعية الإسرائيلية ، والأسئلة حول شرعيتها وفعاليتها تثيرا جدلا ساخنا.

في الأسابيع التي تلت وفاة خالد ، أصبحت راس كركر ساحة معركة، واندلعت اشتباكات عدة بين السكان والجنود الإسرائيليين، حيث ألقى  كل طرف باللوم على الطرف الآخر في إثارة العنف.

جنود إسرائيليون في رأس كركر، أواسط شباط، بعد مقتل خالد نوفل. (courtesy: Ras Karkar resident)

الحادثة تركت عائلة نوفل في حيرة من أمرها. تقر العائلة بأن ما حدث لا يقبل أي تفسير بسيط، وأن كل نقطة في القصة تثير علامات استفهام شائكة. في غياب تحقيق جاد من قبل سلطات تطبيق القانون، من المرجح ألا يتضح على الإطلاق ما حدث بالفعل.

بعد النظر في الأمر، قرر ماهر تقديم شكوى رسمية إلى الهيئة العامة للشؤون المدنية. الهيئة، المسؤولة عن التنسيق مع إسرائيل، مكلفة بإحالة الشكاوى إلى السلطات الإسرائيلية. منذ ذلك الحين، لم تتلق الأسرة أي رد.

وقال محمد، شقيق خالد: “كل يوم أنام وأستيقظ وأفكر مائة ألف مرة فيما حدث لخالد. لأنني لا أفهم ما الذي حدث ولماذا. أسأل نفسي هذا السؤال ألف مرة في اليوم”.

وأضاف: “لا بد من وجود تفسير، رواية أخرى. إذا كنا سنكتشفها، فلن تكون معنا. يجب أن تأتي منهم”، في إشارة إلى السلطات الإسرائيلية.

اقرأ المزيد عن:
تعليقات على هذا المقال