رئيس الوزراء الإسرائيلي يلعب بالنار في الحرم القدسي
بحث
مقال رأي

رئيس الوزراء الإسرائيلي يلعب بالنار في الحرم القدسي

رئيس الوزراء أشاد "بحرية العبادة اليهودية" في الموقع الديني الحساس، بعد يوم من بث لقطات تلفزيونية يظهر فيها يهود وهم يؤدون الصلاة هناك. قبل أن يتراجع، بحسب مصادر مجهولة. هذه ليست طريقة للحكم

دافيد هوروفيتس

دافيد هوروفيتس هو المحرر المؤسس لتايمز أوف اسرائيل. وقد كان رئيس هيئة التحرير في جروزالم بوست (2004-2011) والجروزالم ريبورت (1998-2004) وهو ايضا المؤلف لكتاب "الحياة الساكنة مع مفجرين" (2004) "واقرب من قريب الى الله" (2000) كما وانه شارك في كتابة "وداعا صديق: حياة ووصية اسحاق رابين" (1996)

  • قوات الأمن الإسرائيلية تقوم بحراسة مجموعة من اليهود خلال زيارتهم للحرم القدسي، 18 يوليو، 2021. (AHMAD GHARABLI / AFP)
    قوات الأمن الإسرائيلية تقوم بحراسة مجموعة من اليهود خلال زيارتهم للحرم القدسي، 18 يوليو، 2021. (AHMAD GHARABLI / AFP)
  • رئيس الوزراء نفتالي بينيت يترأس الاجتماع الأسبوعي لمجلس الوزراء في القدس يوم الإثنين، 19 يوليو، 2021. (Pool Photo via AP)
    رئيس الوزراء نفتالي بينيت يترأس الاجتماع الأسبوعي لمجلس الوزراء في القدس يوم الإثنين، 19 يوليو، 2021. (Pool Photo via AP)
  • موشيه ديان في الحرم القدسي، 7 يونيو، 1967. (Ilan Bruner / GPO)
    موشيه ديان في الحرم القدسي، 7 يونيو، 1967. (Ilan Bruner / GPO)

بعد أقل من أسبوعين من إعلان قائد لواء المظليين 55، اللفتنانت جنرال مردخاي (موطا) غور، أن “جبل الهيكل في أيدينا”، في إشارة إلى الحرم القدسي،  في ذروة حرب الأيام الستة عام 1967، قرر وزير الدفاع موشيه ديان أنه في الواقع، من حيث السلطة الدينية، لم تكن الأمور كذلك.

في اجتماع مع الزعماء الدينيين المسلمين على قمة الجبل في 17 يونيو من ذلك العام، تم التوصل إلى اتفاق بشأن ما يسمى بالوضع الراهن المعاد صياغته والذي بموجبه تستمر الأوقاف الإسلامية الأردنية في تحمل المسؤولية الدينية في الحرم القدسي تحت إشراف إسرائيلي شامل؛ تكون الصلاة في الموقع للمسلمين فقط، في حين سيُسمح لليهود بالزيارة ولكن لن يكون بإمكانهم الصلاة هناك.

كان هذا قرارا جذريا لافتا للنظر. بعد استعادة السيادة أخيرا في حرب دفاعية مريرة على أقدس مكان في اليهودية، موقع الهيكلين التوراتيين، ها هو وزير دفاع الدولة اليهودية التي أعيد إحياؤها يتخلى بشكل فوري عن حق اليهود في ممارسة شعائرهم الدينية هناك.

كان ديان يسعى بشكل عملي إلى تهدئة الاحتكاكات التي أعقبت الحرب مع العالم الإسلامي، والتي يعتبر فيها المسجد الأقصى على قمة جبل الهيكل ثالث أقدس المواقع الإسلامية. وكان يستخدم الحظر الديني المفروض الذي يمنع حتى أن تطأ قدم يهودية في الحرم القدسي خشية أن تقوم عن غير قصد بتدنيس المنطقة التي تواجد فيها “قدس الأقداس” في الهيكل. كان الحرم القدسي في أيدي إسرائيل، لكن أقدس مكان لليهود للصلاة سيبقى حائط المبكى، الجدار الساند للمجمع، والذي يقع تحته.

مردخاي غور (جالس في الصورة، بشعر أسود مجعد) وقواته يقومون بمسح المدينة القديمة قبل شن هجومهم في حرب الأيام الستة عام 1967. (photo credit: Wikimedia Commons CC BY-SA/Mazel123)

على مدى عقود، غالبا ما انقلب صبر إسرائيل البراغماتي ضدها. فلقد استغل أعداؤها حقيقة أن الدولة اليهودية لم تصر على تأكيد السيادة الكاملة على الحرم القدسي بشكل قاطع، بما في ذلك الحقوق الدينية، للإدعاء بأنه من الواضح أن المنطقة ليست ذات أهمية قصوى بالنسبة لليهود، وبالتالي فإن اليهود ليسوا مرتبطين ارتباطا حقيقيا بهذه الأرض على الإطلاق. في حين أن تاريخ الهيكلين اليهوديين كان بديهيا في الإسلام قبل قرن من الزمان – فقد تم بناء المساجد على قمة الجبل بدقة لإثبات تفوق الإسلام المزعوم على اليهودية – الآن يتم إنكاره بشكل متزايد، وحتى السخرية منه، بما في ذلك وعلى وجه الخصوص من قبل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الذي أعلن أن المشروع الصهيوني بأكمله هو مشروع استعماري لا علاقة له باليهودية.

يشعر الكثيرون في إسرائيل بخيبة أمل متزايدة ضد الحظر المفروض على صلاة اليهود في الحرم القدسي في السنوات الأخيرة. المعارضة الحاخامية بدأت تتفتت تدريجيا ولقد حارب النشطاء القوميون المتدينون المتشددون هذا التقييد. تفاقمت هذه المرارة بسبب حوادث التدنيس الأثري من جانب دائرة الأوقاف الإسلامية.

لكن الحكومات الإسرائيلية، على جميع أشكالها السياسية، أعلنت مع ذلك التزامها بالوضع الراهن، وخلصت إلى أن توازن القوى الهش في هذه المنطقة يتطلب الحفاظ عليه. والجدير بالذكر أنه في عام 2015، وسط إحدى جولات الاشتباكات العنيفة التي لا حصر لها حول الموقع، طمأن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الأردن على وجه التحديد – البلد الذي استولت إسرائيل منه على المدينة القديمة في عام 1967، والآن أصبح شريك سلام تشاركه إسرائيل أطول حدود – أن إسرائيل لن تسمح لليهود بالصلاة في الموقع. وقال نتنياهو متعهدا “ستواصل إسرائيل تطبيق سياستها التي تعمل بها منذ فترة طويلة: المسلمون يصلون في الحرم القدسي؛ غير المسلمين يزورون الحرم القدسي”.

يهود يصّلون في الحرم القدسي، كما ورد في اخبار القناة 12، 17 يوليو، 2021. (Channel 12 screenshot)

لكن في الأشهر الأخيرة، قادت السلطات الإسرائيلية بهدوء “ثورة، تنكشف تحت الرادار”، التي تم التسامح من خلالها مع بعض الصلوات اليهودية في الموقع، بحسب ما أظهره تقرير للقناة 12 ليلة السبت. في حين أنه في الماضي، كانت الشرطة تقوم بإخراج الزوار اليهود من المجمع لمجرد تمتمة بضع كلمات عبادة، وطُلب من مرشدين سياحيين مغادرة المكان لمجرد اقتباسهم من الليتورجيا اليهودية في سياق تفسيراتهم، فإن “منيان” (نصاب صلاة يضم عشرة أشخاص على الأقل)، بحسب ما كشف عنه التقرير التلفزيوني، يقوم منذ شهور بأداء صلاة الفجر في الحرم القدسي، ليس بعيدا عن قبة الصخرة الذهبية، تحت أنظار الشرطة الإسرائيلية، كما سُمح أيضا بإجراء فصول دراسية يهودية طويلة.

يوم الأحد، “تيشعاه بآف”، يوم الصوم الذي يخلد ذكرى دمار الهيكلين وسلسلة من اللحظات الحالكة الاخرى في التاريخ اليهودي، سُمح لنحو 1700 زائر يهودي بدخول الحرم القدسي، في أجواء متوترة كالعادة شهدت اشتباكات صباحية بين محتجين فلسطينيين في الأقصى والشرطة، تبعتها إدانات لأي زيارة يهودية إلى الموقع صدرت عن الأردن ومصر وتركيا والشريك العربي في الحكومة الإسرائيلية، حزب “القائمة العربية الموحدة”.

رئيس الوزراء نفتالي بينيت يترأس الاجتماع الأسبوعي لمجلس الوزراء في القدس يوم الإثنين، 19 يوليو، 2021. (Pool Photo via AP)

بعد ظهر الأحد أصدر رئيس الوزراء نفتالي بينيت، الذي كان سعيدا بمرور الزيارات شديدة التوتر في هذا اليوم بهدوء نسبي، بيانا، باللغتين الانجليزية والعبرية، شكر فيه سلطات الأمن “على إدارة الأحداث في جبل الهيكل بمسؤولية واهتمام، مع الحفاظ على حرية العبادة لليهود على الجبل. كما أكد رئيس الوزراء على أن حرية العبادة في جبل الهيكل سيتم الحفاظ عليها بالكامل للمسلمين أيضا، الذين سيحتفلون قريبا بصوم يوم عرفة وعيد الأضحى”.

لكن بالطبع، في ظل الوضع الراهن، لا توجد “حرية عبادة لليهود على الجبل”.

طلب “تايمز أوف إسرائيل” على الفور توضيحا من مكتب رئيس الوزراء. بعد يوم من تصوير القناة 12 للصلاة اليهودية التي غاضت الشرطة الطرف عنها في الحرم القدسي، هل كان بينيت ، الذي يرأس حزب “يمينا” القومي المتدين، يلمح إلى أن الترتيب الذي وضعه موشيه ديان في عام 1967 قد انتهى الآن؟

يمكن القول إن الحرم القدسي هو أكثر العقارات قابلية للاشتعال في العالم. يمكن إعطاء مثالين قريبي العهد على ذلك، في عام 2000، أطلق إرهابيون فلسطينيون الانتفاضة الثانية بحجة زيارة زعيم المعارضة حينذاك أريئل شارون للموقع. أحدث صراع بين إسرائيل وغزة، في مايو، أشعلته حركة “حماس” مستفيدة بشكل جزئي من التوترات المتعلقة بالحرم القدسي. بالنظر إلى الحساسيات الشديدة، كان من الممكن توقع توضيح سريع من مكتب رئيس الوزراء يوم الأحد: نعم، الحكومة الإسرائيلية الجديدة تغير سياستها. أو لا، تمت صياغة البيان بشكل غير صحيح وسيتم تعديله وإعادة إصداره.

لم يحدث أي شيء من هذا القبيل. ردا على سؤال بشأن ما يجري، ظهر وزير الأمن العام الإسرائيلي، من حزب “العمل”، عومر بارليف، على شاشة التلفزيون مساء الأحد ليعلن أن الوضع الراهن لم يتغير، وأن الصلاة اليهودية في الموقع لا تزال غير قانونية، وأن مكتب بينيت قد “أخطأ في صياغة الكلمات” على ما يبدو في بيانه. كان مكتب رئيس الوزراء يقصد أن يقول “حرية الحركة” لليهود في الحرم القدسي، كما زعم بارليف، وليس “حرية العبادة”.

ومع ذلك، كان هناك صمت من مكتب رئيس الوزراء نفسه.

صباح الإثنين، نقلت إذاعة الجيش عن “مصادر لم تذكر اسمها” في دائرة رئيس الوزراء قولها إن البيان “صيغ بشكل غير صحيح”. على النقيض من ذلك ، التقرير نفسه أشار إلى أن بينيت “تراجع عن إعلانه عن حرية العبادة لليهود في الحرم القدسي” في أعقاب “انتقادات من داخل الإئتلاف”.

ورسميا، من مكتب رئيس الوزراء ، حتى كتابة هذه السطور –  وبالمناسبة، قبل ساعات من وصول العاهل الأردني الملك عبد الله إلى البيت الأبيض لإجراء محادثات مع الرئيس الأمريكي جو بايدن – لم يخرج شيء. لم يتم إصدار بيان مصحح. البيان الأصلي، الذي يسلط الضوء على “حرية العبادة لليهود على الجبل”، لم يتم تعديله على حسابات “تويتر” الرسمية الخاصة برئيس الوزراء بالعبرية والإنجليزية.

موشيه ديان في الحرم القدسي، 7 يونيو، 1967. (Ilan Bruner / GPO)

يمكن بالطبع مراجعة القرار الذي اتخذه موشيه ديان في 17 يونيو 1967 ومناقشته بشكل شرعي من قبل الحكومة الإسرائيلية. لكن أي تحول في السياسة سيكون له آثار بعيدة المدى. تغيير الوضع الراهن في الحرم القدسي ليس خطوة يمكن الاستخفاف بها.

إن غض الطرف رسميا عن الصلاة اليهودية في الموقع، ثم إصدار بيانات يبدو أنها تؤيدها، قبل التراجع عنها نقلا عن مصادر مجهولة مع ترك التصريحات الرسمية دون تعديل، هي حالة لعب بالنار في نقطة اشتعال فريدة من نوعها. ينبغي على بينيت توضيح موقفه – بسرعة وبشكل مسؤول.

اقرأ المزيد عن
تعليقات على هذا المقال