آخر الأخبار من قطاع غزة الثلاثاء تحدثت عن أن تزويد التيار الكهرباء لسكان غزة انخفض إلى ثلاث ساعات فقط.

هذا الإنخفاض الأخير أثار شائعات في القطاع حول أن إسرائيل بدأت بتقليص تزويد غزة بالكهرباء، إستجابة لطلب السلطة الفلسطينية، التي لم تعد على إستعداد لدفع فواتير غزة التي تسيطر عليها حماس. لكن الواقع هو أن السبب في ذلك يعود لإحدى المشاكل التقنية المتكررة في تزويد الكهرباء من مصر، التي تزود هي أيضا غزة بالكهرباء.

يجسد ذلك الواقع اليومي لنحو 2 مليون فلسطيني في غزة على مدار العقد المنصرم. 10 سنوات مرت منذ إستيلاء حماس على السلطة في قطاع غزة في إنقلاب عنيف وسريع تم القضاء فيه على 160 عضوا من حركة فتح، الخصم السياسي لحماس، والتي يرأسها رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس. في غضون ثلاثة أيام ونصف، هزم الجناح العسكري لحركة حماس الوحدات العسكرية التابعة للسلطة الفلسطينية التي تسيطر عليها فتح، على الرغم من أن أعداد المؤيدين لعباس كانت أكبر بأربعة أضعاف. (أقوى شخصية في السلطة الفلسطينية في غزة حينذاك كانت محمد دحلان، ولكن صادف وجوده في ألمانيا في ذلك الوقت لتلقي علاج طبيعي لظهره).

وصلت نسبة البطالة في نهاية عقد من حكم حماس إلى نحو 40% والفقر منتشر وثلثي سكان غزة بحاجة للمساعدة من منظمات الإغاثة الدولية. المياه في القطاع غير صالحة للشرب، والآن إنقطاع التيار الكهرباء آخذ بالإزدياد.

إذا كان هناك من يأمل في أن تقوم حماس بإعادة النظر في سياساتها والبدء بالإستثمار في مواطني القطاع بدلا من البنى التحتية العسكرية، فعليه أن ينسى الموضوع. لا تزال حماس هي نفسها المنظمة الساخرة التي تستغل محنة سكان غزة لمكاسبها السياسية، سواء محليأ أو عالميا. تارة ضد إسرائيل، وتارة أخرى ضد السلطة الفلسطينية.

أزمة الكهرباء الأخيرة هي مجرد مثال آخر على ذلك. بإمكان حماس، إذا كانت ترغب بذلك، دفع ما يكفي من المال مقابل الكهرباء لتحسين إمدادات الكهرباء بصورة كبيرة. لكنها تفضّل إنفاق عشرات الملايين من الشواقل في كل شهر في حفر أنفاق هجومية إلى داخل إسرائيل وتصنيع الصواريخ.

وفقا لتقديرات مختلفة من السلطة الفلسطينية وإسرائيل، تجمع حماس مبلغ 100 مليون شيكل (28 مليون دولار) في كل شهر من الضرائب من سكان غزة. جزء كبير من هذه الأموال يغطي رواتب أعضائها. لكن يتم توجيه قسم كبير منه لأغراض عسكرية. التقديرات تشير إلى أن حماس تنفق نحو 130 دولار سنويا على جناحها العسكري والإستعدادات للحرب.

يمكن لحماس وبسهولة دفع مستحقات الكهرباء من إسرائيل التي لم يعد عباس على إستعداد لتغيطتها. ولكنها ترفض رفضا قاطعا القيام بذلك، وتصر بعناد على أن تقوم السلطة الفلسطينية بدفع تكلفة الكهرباء بالكامل من دون توضيح سبب ذلك.

بعد عشر سنوات من الثورة التي أدت إلى طردها من غزة، قررت السلطة الفلسطينية قطع علاقاتها الإقتصادية مع القطاع الساحلي, وهي تقوم بذلك على مراحل، ولكن هذا هو هدفها: الإنفصال الإقتصادي. أو، بكلمات أخرى، جعل حماس تدفع ثمن الإنقلاب.

هذه العملية، تثير إحتمال نشوب حرب أخرى بين إسرائيل وحماس. يرى البعض أن موافقة المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي المصغر (الكابينت) على طلب السلطة الفلسطينية بتقليص إمدادات الكهرباء كخطوة يمكن أن تمهد الطريق لجولة أخرى من العنف.

لكن لم يكن أمام إسرائيل الكثير من الخيارات. فهي لا يمكنها أن تقرر بنفسها تقليص تكلفة كهرباء غزة من عائدات الضرائب التي تقوم بجمعها نيابة عن السلطة الفلسطينية. والتمويل الإسرائيلي للكهرباء في غزة لا يُعتبر خيارا واقعيا أيضا.

في غضون ذلك، كل طرف يحمّل الأطراف الأخرى المسؤولية. حماس توجّه أصبع الإتهام في أزمة الكهرباء إلى السلطة الفلسطينية (وإسرائيل)؛ السلطة الفلسطينية تضع اللوم على حماس؛ وفي وسط كل ذلك، يظهر دحلان.

في الأيام القليلة الماضية، سرب مقربون من دحلان تفاصيل لقاءات أجراها مؤخرا في القاهرة مع وفد من حماس بقيادة رئيس الحركة الجديد في غزة يحيى السنوار. معكسر دحلان يحاول تسويق راوية أنه نجح في التوصل إلى تسوية مع مصر وحماس على صيغة لحل الأزمة – من دون إستعادة حكم السلطة الفلسطينية في غزة.

مصادر مصرية نفت هذه التقارير نفيا تاما، ولكن يبدو أن دحلان وحماس يقومان بكل ما هو ممكن لإعطاء سكان غزة الشعور بأن السبب في كل ما يعانوه هو عباس. بحسب المقربين منه، بإمكان دحلان، الخصم المرير لرئيس السلطة الفلسطينية، حل الأزمة، في حين أن عباس، الذي يصرح بأنه يسعى إلى الوحدة الفلسطينية، يسعى إلى إيذاء سكان غزة من خلال مفاقمة الأزمة.

لكن كونوا أكيدين من أن السلطة الفلسطينية وحماس يقومان بمناورة على حساب سكان غزة – وهو ما يرقى إلى عقاب جماعي حقيقي. ومع ذلك، فإن خلاصة الأمر واضحة: أولئك الذين استولوا على السلطة في غزة في إنقلاب عسكري ومنذ ذلك الحين إستثمروا أكثر من مليار دولار في بناهم التحتية العسكرية، بإمكانهم بسهولة توجيه مورادهم لحل مشاكل غزة. ولكن ما هي قيمة ساعات قليلة أخرى من الكهرباء لسكان غزة مقارنة ببضعة أنفاق وصواريخ أخرى؟

إستمرار العبثية

إليكم مادة أخرى للتفكير حول السلطة الفلسطينية، هذه المرة في ما يتعلق بأنشطتها في الضفة الغربية.

تبذل أجهزة الأمن الفلسطينية جهودا جدية ومتواصلة لمنع الهجمات ضد أهداف إسرائيلية.

التنسيق الأمني مع إسرائيل ممتاز، ربما غير مسبوق أيضا، ويعود ذلك جزئيا إلى أنه بعيد عن أنظار الرأي العام الإسرائيلي والفلسطيني.

تم إعتقال المئات من عناصر حماس والجهاد الإسلامي وداعش وفصائل أخرى من قبل أجهزة الأمن الفلسطينية لمنع هجمات ضد إسرائيليين.

العبثية هي أنه إذا نجح أحد أعضاء هذه الحركات من الإفلات من رادار جهاز الأمن التابع للسلطة الفلسطينية وأجهزة الأمن الإسرائيلية وتنفيذ هجوم، ستقوم السلطة الفلسطينية بدفع راتب شهري لمنفذ الهجوم ولأفراد عائلته في حال تم إعتقاله من قبل إسرائيل – متحدية بذلك الولايات المتحدة وإسرائيل، والجزء الأكبر من المجتمع الدولي.