قال المفوض العام لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) إنه يأمل في مساهمات مالية عربية وأوروبية لحل ما وصفه بالأزمة المالية “الأسوأ” في تاريخ الوكالة بعد القرار الأمريكي بوقف تمويلها.

وأكد بيير كرينبول في مؤتمر صحافي في القاهرة الاثنين أن “الوكالة مرت بالعديد من الأزمات (…) وقد تعتبر هذه الأزمة هي الأسوأ من الناحية المالية” بعد قرار واشنطن وقف مساعدات بقيمة 300 مليون دولار كانت تقدمها للوكالة سنويا.

وتابع أن بعض دول الخليج “أعلنت تقديم دعم للوكالة مثل السعودية والامارات وقطر” التي تعهدت كل منها بتقديم مساعدات قدرها 50 مليون دولار، وأشار إلى زيادة الدعم المقدم من بعض الدول الآسيوية مثل الهند واليابان والصين بعد القرار الأمريكي.

وفي نهاية الشهر الماضي، أعلنت الولايات المتحدة، التي طالما شكلت المساهم الأول في ميزانية الأونروا، وقف تمويل للمنظمة متهمة إياها بأنها “منحازة بشكل لا يمكن إصلاحه”.

وأثار القرار استياء وغضباً في الشارع الفلسطيني كونه يهدد مشاريع حيوية من التعليم إلى الصحة يستفيد منها ملايين اللاجئين الفلسطينيين.

وكانت الولايات المتحدة خفضت أساساً بداية العام الحالي من مساهمتها للأونروا، ولم تقدم سوى 60 مليون دولار مقابل 370 مليون دولار في العام 2017.

ومن المقرر أن يحضر كرينبول الاجتماع الدوري نصف السنوي لوزراء خارجية الدول الاعضاء في الجامعة العربية الذي يعقد الثلاثاء في القاهرة ويتضمن بندا على جدول الاعمال حول “حشد الدعم لوكالة” الأونروا.

ومن جهته قال الامين العام للجامعة العربية أحمد ابو الغيط في بيان الاثنين عقب لقائه كرينبول، إن الدول العربية “لن تسمح بتفكيك الأونروا أو الاستعاضة عنها بكيانات بديلة كما تسعى إلى ذلك إسرائيل والولايات المتحدة خلال الفترة الحالية”.

الأمين العام لجامعة الدول العريية أحمد أبو الغيط (من اليمين) يستقبل بيرر كرينبول، المفوض العام لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، في مقر جامعة الدول العربية في القاهرة، 10 سبتبمر، 2018. (AFP PHOTO / MOHAMED EL-SHAHED)

وأوضح كرينبول أن الوكالة التي تساعد ما يزيد عن خمسة ملايين لاجئ فلسطيني، “لا زالت تحتاج إلى نحو 200 مليون دولار لسد العجز هذا العام”.

وبالرغم من صعوبة تعويض الولايات المتحدة كأحد المانحين الكبار للوكالة، أكد كرينبول أن الأونروا تمكنت حتى الآن من الحصول على تعهدات بتأمين “أكثر من نصف الموارد المطلوبة”.

وأضاف أن المساهمات الخاصة ايضا “مرحب بها” وأن الفترة الماضية شهدت تفاعلا مع حملة الوكالة على مواقع التواصل الاجتماعي تحت اسم “الكرامة ليس لها ثمن”. وقال المفوض الأممي إن “الأمر لا يتعلق بالأونروا وانما بـ 526 الف صبي وفتاة من اللاجئين الفلسطينيين في مدارسنا وأكثر من ثلاثة ملايين مريض في عياداتنا”.

وعلّق بكل الأسى “لا يمكن أن أتخيل أنني ابلغ الأطفال انهم لا يستطيعون استكمال الدراسة بسبب نقص التمويل”.

ولاقى القرار الأمريكي بوقف التمويل للوكالة ترحيبا في إسرائيل، لكن حنان عشراوي، العضو في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وصفته بـ”الوحشي وغير المسؤول”.

إلا أن مسؤولين أمنيين إسرائيليين حضوا الحكومة على ايجاد مصدر بديل لتمويل المساعدات للفلسطينيين في غزة.

على الرغم من أن القرار لاقى إشادة من قبل الساسة الإسرائيليين، ومن ضمنهم رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو، إلا أنها= لاقى معارضة من مسؤولين دفاعيين، الذين يخشون من أن تؤدي هذه الخطوة إلى تأجيج الاضطرابات الفلسطينية، وبالتالي أن تهدد أمن إسرائيل.

في الأيام الأخيرة، أخبر مسؤولون أمنيون إسرائيليون القيادة الإسرائيلية بأنهم يخشون من أن يؤدي سحب هذه المساعدات – فضلا عن الجهود الأمريكية للحد من مساهمات دول أخرى للوكالة الأممية – إلى انهيار انساني في غزة، وفي نهاية المطاف إلى حرب في الوقت الذي تتطلع فيه حركة “حماس” الحاكمة للقطاع إلى إلقاء اللوم في حالة غزة المحاصرة على الأعداء الخارجيين، بحسب ما نقلته صحيفة “هآرتس” الجمعة.

وتخضع غزة لحصار إسرائيلي-مصري تقول الدولتان إنه يهدف إلى منع حماس من توسيع قدراتها العسكرية وتهديد جيرانها. لكن مسؤولين إسرائيليين سعوا على مر السنين إلى ضمان احتواء حماس من خلال الحصار دون التسبب بانهيار انساني قد يؤدي إلى إراقة الدماء.

ومن المتوقع أن يشارك مسؤولون إسرائيليون كبار، من ضمنهم وزير التعاون الإقليمي تساحي هنغبي، ومنسق أنشطة الحكومة في الأراضي، الميجر جنرال كميل أبو ركن، في مؤتمر الأونروا للدول المانحة في أواخر شهر سبتمبر في نيويورك. وفقا لهآرتس، يخطط المسؤولون للحث على إنشاء قناة موازية للمساعدات الخارجية لغزة تسمح بمواصلة تمويل المساعدات الغذائية، وعمل مدارس الأونروا في القطاع، ودفع الرواتب لموظفي المنظمة المقدر عددهم بـ 30,000 مع الاستمرار في تهميش المنظمة في الوقت نفسه.

وقال مسؤولون أمنيون إن تمويل الأونروا لبرامجها الرئيسية في غزة، بما في ذلك توصيل الغذاء والمدارس، مضمون حتى نهاية عام 2018، ولكن قد يلي ذلك انهيار واسع اذا لم يتم ايجاد تمويل لهذه الأنشطة لعام 2019.

طلاب فلسطينيون يقفون أمام أحد الصفوف في انتظار المشاركة في مراسم للاحتفال بالعودة إلى المدارس مع بداية العام الدراسي الجديدة في إحدى مدارس الأونروا، في العاصمة اللبنانية بيروت، 3 سبتمبر، 2018. (Hussein Malla/AP)

وجاء في بيان الخارجية الأمريكية الذي أعلنت فيه عن وقف تمويلها للوكالة “إن نموذج العمل الأساسي والممارسات المالية التي ميزت الأونروا على مدى سنوات – المرتبط بمجتمع المستفيدين المستحقين في أونروا بشكل مطرد وإلى ما لا نهاية – هو ببساطة غير قابل للاستمرار وفي حالة أزمة منذ سنوات”، في إشارة إلى حقيقة أن الوكالة تمنح مكانة اللاجئ لنسل اللاجئين الفلسطينيين الإصليين، وهي مكانة لا تمنحها الأمم المتحدة للاجئين في مناطق أخرى.

في محادثة هاتفية أجراها يوم الخميس مع قادة يهود بمناسبة عيد رأس السنة العبرية، بدا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عازما على تصعيد الموقف، حيث قال أنه لن يستأنف المساعدات للفلسطينيين إلا إذا وافقوا على اتفاق مع إسرائيل.

وقال خلال المحادثة: “لقد أوقف مبالغ هائلة من الأموال التي ندفعها للفلسطينيين والقادة الفلسطينيين. لقد كنا – نحن الولايات المتحدة – ندفع مبالغ هائلة من المال لهم. سأقول، ستحصلون على المال، ولكننا لن ندفع لكم حتى نتوصل إلى اتفاق. إذا لم نقم بإبرام اتفاق، لن ندفع. وسيكون لذلك بعض التأثير”.

وأضاف الرئيس الأمريكي أنه لا يعتقد بأن استخدام المساعدات الأمريكية كورقة ضغط هو أسلوب “غير محترم. ما هو غير محترم أن لا يأتي الناس إلى الطاولة”.

وتقاطع السلطة الفلسطينية إدارة ترامب وترفض جهودها للسلام منذ اعتراف الرئيس الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل في ديسمبر من العام الماضي. ويعتبر الفلسطينيون القدس الشرقية – التي استولت عليها إسرائيل من الأردن في حرب “الأيام الستة” في عام 1967 وقامت بضمها إليها بعد ذلك – عاصمة لدولتهم المستقبلية.

الرئيس الأمريكي رونالد ترامب يجيب على أسئلة الصحافيين في حدث مع قادة شرطة في ’الغرفة الشرقية’ للبيت الأبيض في واشنطن العاصمة، 5 سبتمبر، 2018. (AP Photo/Susan Walsh)

يوم الجمعة، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية عن تقليص آخر في المساعدات، حيث قالت إنها ستقوم بتجميد 25 مليون دولار من المساعدات للمستشفيات في القدس الشرقية، ما أثار تحذيرات من “انهيار” المراكز الطبية التي تقدم عناية بالغة الأهمية للفلسطينيين.

وهذا هو الأسبوع الثالث على التوالي الذي تعلن فيه الولايات المتحدة عن تقليصات مالية في دعمها للفلسطينيين.

ولطالما اعتبرت إسرائيل الأونروا حبة مرة ولكن ضرورية، ومصدر حيوي للمساعدات الدولية للفلسطينيين الذي يساهم في الاستقرار، ولكن في الوقت نفسه تعكس الوكالة وتعزز أحد الأسباب الجذرية للصراع مع الفلسطينيين. وفي حين أنها تدعم المساهمة الانسانية التي تقدمها الأونروا، إلا أن إسرائيل تقول إن تعريف الوكالة لوضعية اللاجئ تشكل عمليا اعترافا دوليا، على الأقل في نظر الفلسطينيين، بالتطلعات إلى قلب نتائج تلك الحرب – وبالتحديد، تأسيس إسرائيل.

وتعترف الأونرا بأكثر من 5 ملايين فلسطيني كلاجئين، على الرغم من أن عدد اللاجئين الأصليين الفلسطينيين الذين لا يزالون على قيد الحياة لا يتعدى بضع عشرات الآلاف. ويطالب القادة الفلسطينيون ب”حق العودة” لما هي اليوم إسرائيل لكل هؤلاء الملايين – وهو مطلب تعتبره إسرائيل محاولة لتدميرها كدولة ذات غالبية يهودية. ولأن الأونروا تمنح، على نحو فريد، مكانة اللاجئ لنسل اللاجئين الأصليين، تتهم إسرائيل الوكالة بإدامة المطالبة ب”عودة” الملايين. بموجب المعايير الدولية للأمم المتحدة، تشير التقديرات إلى أنه لن يكون هناك سوى نصف مليون من اللاجئين الفلسطينيين المعترف بهم.