بعث وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف بتعازية إلى الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، يوم الجمعة في اعقاب مقتل القيادي في المنظمة الشيعية ، مصطفى بدر الدين، في انفجار في دمشق.

وقال ظريف بأن اغتيال بدر الدين سيزيد من عزيمة حزب الله في محاربة إسرائيل، التي حملتها وسائل الإعلام الإيرانية مسؤولية اغتيال القيادي الرفيع. على عكسها، حزب الله لم يحمل إسرائيل مسؤولية مقتل بدر الدين.

بداية ذكرت قناة “الميادين” الإخبارية اللبنانية، المقربة من حزب الله، بأن بدر الدين قُتل جراء غارة جوية إسرائيلية ولكنها قامت بسحب هذا التقرير في وقت لاحق. ولم يصدر عن إسرائيل رد فوري على الاغتيال.

نائب الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، قال إنه في موعد أقصاه يوم السبت ستقوم المنظمة بنشر معلومات حول الجهات التي تقف وراء اغتيال بدر الدين.

وكالة “فارس” شبه الرسمية نقلت عن ظريف قوله في رسالة وجهها إلى نصر الله بأن بدر الدين كان تجسيدا “للعشق والتفاني في الدفاع عن الأهداف السامية للإسلام، والشعب اللبناني المقاوم ضد الإرهاب”.

صباح الجمعة نعى حزب الله بدر الدين، الشخصية الأرفع التي يفقدها الحزب منذ دخوله الحرب الأهلية السورية.

بدر الدين (55 عاما) هو العقل المدبر الذي يقف وراء تدخل المنظمة في الحرب الأهلية السورية، والتي كان لها دور رئيسي في إبقاء الرئيس بشار الأسد في السلطة في حربه ضد المتمردين، لكن ذلك كلف حزب الله المدعوم من إيران ثمنا باهظا، حيث قُتل أكثر من 1000 من مقاتليه.

بحسب القناة الثانية الإسرائيلية، كان بدر الدين أيضا العقل المدبر وراء انفجار الحافلة في بورغاس والذي استهدف سياحا إسرائيليين في بلغاريا. الإنفجار الذي وقع في يوليو 2012 أسفر عن مقتل 5 إسرائيليين وسائق حافلة محلي، وأدى إلى إصابة بضعة عشرات.

اغتياله شكل ضربة موجعة لحزب الله، وحرمه من قائد صاحب عشرات السنين من الخبرة, لكن مراقبين رأوا بأن المنظمة لن تخفف من تدخلها في سوريا، حيث يحارب مقاتلوها إلى جاب جيش الأسد في عدة جبهات.

وقال ماثيو ليفيت، مدير برنامج شتاين لمكافحة الإرهاب في معهد واشنطن،”أنا حقا أعتقد بأن ذلك سيؤثر على معنوياتهم. إنه ليس بقائدهم في سوريا فحسب. إنه واحد من أكثر الشخصيات نخبوية وأصالة في حزب الله”، وأضاف: “لكنني لا أعتقد بأنهم سيتراجعون عن إلتزامهم في ذلك”، مشيرا إلى مصلحة حزب الله الشخصية في القضاء على المسلحين السنة في سوريا وإصرار إيران، أكبر داعمي حزب الله، في الإبقاء على الأسد في السلطة.

ولا يزال سبب الإنفجار الذي قتل بدر الدين ليلة الخميس مجهولا. وقال حزب الله أنه وقع بالقرب من مطار دمشق الدولي، من دون إعطاء تفاصيل إضافية.

المطار يقع على مقربة من ضريح “السيدة زينب” الشيعي، حيث للمنظمة هناك حضور قوي وعدة مواقع عسكرية. وقالت المنظمة بأنها تحقق فيما إذا كان الإنفجار، الذي أصاب عددا آخر من الأشخاص، نتج عن غارة جوية أو هجوم صاروخي أو قصف مدفعي أو عن أسباب أخرى.

عدو حزب الله التقليدي، إسرائيل، كانت قد اغتالت قياديين في المنظمة في الماضي. ولكن قد تكون قوات المعارضة السنية هي من تقف وراء الانفجار، من ضمنها تنظيمات مثل “داعش” وفرع “القاعدة” في سوريا، “جبهة النصرة”.

وقال نعيم قاسم للمشاركين في جنازة بدر الدين، “سنستمر في مواجهة إسرائيل وسنستمر في مواجهة التكفيريين”، وأضاف: “بالنسبة لنا عدونا واحد وهو لإسرائيل ومن معها. قد تختلف الصورة ويمكن تغيير المواقع ولكن جميعا في النهاية داخل المشروع الإسرائيلي”.

وتابع قاسم، “بقتلك اعطوا دفعة جديدة الى مسيرتنا التي تعطي الشهيد تلو الشهيد والقائد تلو القائد لترتفع الراية”.

اغتيال بدر الدين هو الضربة الأكبر التي تتلقاها المنظمة الشيعية منذ اغتيال سلفه وزوج شقيقته، عماد مغنية، الذي قُتل في انفجار سيارة في دمشق. بعد ذلك، أصبح بدر الدين القائد العسكري لحزب الله ومستشار الأمين العام للمنظمة، حسن نصر الله. وتم دفن بدر الدين إلى جانب مغنية عصر الجمعة في مقبرة شيعية جنوبي بيروت.

بدر الدين كان واحدا من 4 أشخاص تمت محاكتهم غيابيا في جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري. الهجوم الإنتحاري الذي وقع في 2005 وأسفر عن مقتل الحريري و22 شخصا آخر كان واحد من أكثر الاغتيالات السياسية دراماتيكية في الشرق الأوسط. ولا تزال المحاكمة مستمرة في هولندا. رجل الأعمال والميلياردير اللبناني كان واحدا من أبرز الشخصيات السياسية في لبنان بعد الحرب الأهلية في البلاد والتي استمرت لمدة 15 عاما وانتهت في عام 1990.

وينفي حزب الله تورطه في اغتيال الحريري ويقول إن دوافع سياسية تقف وراء الإتهامات الموجهة ضده.

بدر الدين، الذي كان واحدا من أكثر الشخصيات غموضا في حزب الله، كان يُعرف أيضا بالإسمين المستعارين الياس صعب وسامي عيسى. للجمهور كان معروفا فقط بصورة بيضاء وسوداء قديمة منذ عشرات السنين لرجل شاب مبتسم ويرتدي بدلة حتى نشر حزب الله صورة جديدة له بزيه العكسري. ويُشتبه أيضا بتورطه في تفجيرات السفارتين الأمريكية والفرنسية في الكويت في عام 1983 والتي راح ضحيتها 5 أشخاص.

وزارة الخزانة الأمريكية كانت قد فرضت عقوبات على بدر الدين مرتين لدوره في الحرب الأهلية، في عام 2011 وفي عام 2015. بحسب مسؤولين أمريكيين، نسق الأسد ونصر الله أنشطة حزب الله في سوريا بشكل أسبوعي، وكان بدر الدين حاضرا في الإجتماعات رفيعة المستوى في دمشق.

وعُرف عن بدر الدين أيضا خبرته في المتفجرات، وعلامته التجارية كانت إضافة الغاز لزيادة قوة المتفجرات المتطورة.

في البيان الذي أعلن فيه عن موته، قال حزب الله إن “انفجاراً كبيراً استهدف أحد مراكزنا بالقرب من مطار دمشق الدولي ما أدى إلى استشهاد مصطفى بدر الدين وإصابة آخرين بجروح”.

منذ تأسيس حزب الله في عام 1982، قتلت إسرائيل عددا من كبار القادة في المنظمة. في عام 1992، نصبت طائرات مروحية إسرائيلية كمينا لموكب سلف نصر الله، عباس موسوي، ما أدى إلى مقتله هو وزوجته وابنه ابن الـ -5 أعوام وحراسه الشخصيين الأربعة. قبل ذلك بثمانية أعوام، قُتل قيادي الحزب الشيخ راغب حرب بعد إطلاق النار عليه في جنوب لبنان.

في ديسمير، قُتل القيادي في المنظمة سمير القنطار، الذي قضى 30 عاما في السجون الإسرائيلية، إلى جانب 8 آخرين في غارة جوية على مبنى سكني في جرمانا، في محافظة ريف دمشق.

وقد دفع حزب الله ثمنا باهظا لمشاركته في الحرب الأهلية السورية. وقد تراجعت شعبية التنظيم، الذي كان محبوبا في العالم العربي كحركة مقاومة بطولية واجهت اسرائيل، حتى لدى قاعدة داعميه في لبنان، بسبب دعمه الشديد لنظام الأسد.

في شهر اعتبرت الجامعة العربية حزب الله تنظيما إرهابيا. وقبل شهر من ذلك، سحبت السعودية 4 مليار دولار من المساعدات للقوات اللبنانية بعد رفض وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل الانضمام الى مشاريع قرار الجامعة العربية التي تنتقد إيران وحزب الله.

وقد اتخذت الدول ذات الغالبية السنية، وبرأسها السعودية، اجراءات عقابية، وحذرت مواطنيها من السفر الى لبنان، بالإضافة الى حجب بث القنوات الفضائية اللبنانية، واغلقت مكانب قناة مدعومة من السعودية في لبنان. وطردت دول الخليج أيضا مواطنين لبنانيين قالت إن لديهم علاقات بحزب الله.

وقد تحالف حزب الله، الذي يملك قوة مسلحة مهيمنة في لبنان، أيضا مع المعارضين الحوثيين الشيعة في الحرب الأهلية في اليمن.

واقتبس حزب الله في بيانه قول بدر الدين في سوريا قبل بضعة أشهر: “لن أعود من سوريا إلا شهيدا أو حاملا لراية النصر”.