وزيرة الخارجية النمساوية كارين كنيسل قالت إنها ليست في عجلة من أمرها في إنتظار إلغاء الحكومة الإسرائيلية لمقاطعتها.

ومع ذلك، فلديها ذكريات كثيرة من فترة العيش والعمل في الدولة اليهودية قبل ثلاثة عقود، عندما درست دورات المحاضر المشهور يشعياهو ليبوفيتز في الجامعة العبرية وقدمت ترجمة فورية لرئيس الوزراء آنذاك يتسحاق شمير.

كنيسل (54 عاما) تشعر بالحنين أيضا تجاه الماضي القريب، عندما كانت صحفية وأكاديمية محترمة وصاحبة معرفة عميقة بالشرق الأوسط. عندما كانت شخصا أراد دبلوماسيو إسرائيل الإلتقاء بها. لكن في أواخر ديسمبر 2017، أعلنت اسرائيل أن شخصيتها غير مرغوب بها بسبب ارتباطها بحزب الحرية اليميني المتطرف في النمسا.

في مقابلة على هامش مؤتمر الشرق الأوسط الأسبوع الماضي في وارسو، تحدثت كنيسل بشكل كبير عن تجربتها كطالبة في إسرائيل في أواخر الثمانينات، وكذلك حول موقف فيينا من الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وعلاقتها دولتها مع إيران.

“خلال الـ 14 شهرا الماضية التي كنت فيها وزيرة للخارجية، التقيت باستمرار مع الإسرائيليين الذين عرفتهم من قبل، الذين يعرفونني، يعرفون من أنا، والذين يقدرونني ويزورونني أيضا في الوزارة”، قالت كنيسل للتايمز أوف إسرائيل، جالسة على أريكة في ملعب كرة قدم “نارودوي” في وارسو.

وأضافت أن هناك الإسرائيليين الذين ما زالوا مستعدين لمقابلتها، من ضمنهم مسؤولون رفيعو المستوى سابقا.

“كل من يعرفني – والسفيرة الإسرائيلية في فيينا [تاليا لادور] أيضا تعرفني – كان معنيا قبل 14 شهرا بمقابلتي لتناول الغداء. وأنا لم أتغير”، قالت.

مراسل التايمز أوف إسرائيل رفائيل أهرين يحاور وزيرة الخارجية النمساوية كارين كنيسل على هامش مؤتمر دولي حول الشرق الأوسط في وارسو، 14 فبراير، 2019 (Angelika Lauber)

جرت المقابلة في الصباح الباكر من 14 فبراير، في حين بدأ ما يسمى بالمؤتمر الوزاري لتعزيز السلام والأمن في الشرق الأوسط. رحبت كنيسل بكاتب هذا التقرير بالعبرية، لكنه سرعان ما تحولت إلى اللغة الألمانية.

في وقت لاحق من ذلك اليوم، عندما اجتمع المندوبون لالتقاط صورة جماعية، تحدثت كنيسل لفترة قصيرة مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي إنتهك عمليا سياسة عدم الاتصال بها، والتي فرضها بنفسه عليها.

من غير الواضح من الذي بدأ المحادثة.

وفقا لمسؤول بارز في فيينا تحدث إلى التايمز أوف إسرائيل بشرط عدم الكشف عن هويته، فقد اقترب نتنياهو من كنيسل وتلا ذلك “تبادل حديث قصير وودي”.

مكتب نتنياهو نفى هذا الإدعاء. “لم تتغير سياسة إسرائيل فيما يتعلق بالحزب. فاجأت الوزيرة رئيس الوزراء وتحدثت معه بشكل غير متوقع. لم تكن هناك محادثة أو اجتماع”، وفقا لمسؤول في مكتب رئيس الوزراء، الذي تحدث أيضا شريطة عدم نشر إسمه.

نشرت صحيفة نمساوية مقطعا مختصرا للمحادثة بينهما، لكن المقطع لا يُظهر من الذي توجه إلى الآخر.

كنيسل ليست عضوا في حزب الحرية النمساوي، الذي تتجنبه إسرائيل والجالية اليهودية في النمسا بسبب علاقته مع النازيين الجديد. لكن بما أنها عُينت في منصبها الحالي من قبل الحزب، فإن القدس تشملها في سياسة عدم التواصل مع الحزب.

وعندما سئلت عما إذا كانت ستقابل نتنياهو أو المدير العام لوزارة الخارجية يوفال روتم، الذي كان في وارسو أيضا على هامش المؤتمر، أجابت أنه لم يتم تحديد موعد لعقد أي اجتماع.

“لديهم الكثير من المشاغل الأخرى التي لا تشمل مقابلتي. لديهم حقا مشاكل مختلفة تماما”، قالت.

وعندما سئلت عما إذا كانت تتفهم قرار الحكومة الإسرائيلية بمقاطعتها، أجابت: “لا يتعلق الأمر بالفهم أو العواطف. أنا ببساطة أتذكر مجرى الأمور. أنا شخص براغماتي نسبيا، لا أشكك في أي شيء. إنه قرار داخلي إسرائيلي تماما. لديهم أسبابهم لذلك”.

وزيرة الخارجية النمساوية كارين كنيسل، إلى اليسار، مخاطبة المندوبين في قمة وارسو للشرق الأوسط، 14 فبراير 2019 (Angelika Lauber)

وبما أن كنيسل ليست عضوا رسميا في حزب الحرية وتدير ملف وزارة الخارجية، فقد شاع منذ فترة طويلة أن إسرائيل ستلغي في نهاية المطاف سياسة عدم الاتصال معها.

كان لقاءها الأسبوع الماضي مع نتنياهو “علامة إضافية على أن المقاطعة ضد السيدة كنيسل قد تنتهي قريبا”، وفقا لما قاله المسؤول رفيع المستوى في فيينا.

وأكدت كنيسل نفسها أنها لا تريد الضغط على إسرائيل لإنهاء المقاطعة، قائلة: “إنها عملية صنع قرار داخلية حصرية داخل إسرائيل، وإسرائيل لديها كل الوقت في العالم لاتخاذ هذا القرار”.

على الرغم من عدم المبالاة التي تتحدث بها عن رفض إسرائيل لها، تذكرت كنيسل باعتزاز بعض الأشخاص الذين قابلتهم وتجاربها التي مرت بها في إسرائيل منذ 30 عاما.

“أنا أعرف إسرائيل جيدا نسبيا. لقد درست في الجامعة العبرية، ولدي ذكريات رائعة من ذلك الوقت”، قالت.

جاءت كنيسل، التي قضت جزءا من طفولتها في الأردن، إلى القدس في عام 1988 لإجراء بحث في إطار أطروحة الدكتوراه في القانون الدولي، والتي تناولت مفهوم الحدود في الشرق الأوسط.

وكان بعض أساتذتها من بينهم يهوشفات هركابي، الرئيس السابق للمخابرات العسكرية الإسرائيلية، وإتسحاق هانز كلنغوفر، وهو باحث دستوري رائد.

يشعياهو ليبوفيتز (Moshe Shai/Flash90)

كما درست مع السيد يشعياهو ليبوفيتز، الذي كان معروفا بآرائه المناهضة لإسرائيل، وفي مرة من المرات أجرت معه مقابلة لعدة ساعات. آراء ليبوفيتز شملت إدانته للاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وازدراؤه من حائط المبكى.

“عندما كنت أقوم ببحث لأطروحتي، كان لي الحظ الكبير بأن سُمح لي بالبحث في أرشيف مكتب رئيس الوزراء. يتسحاق شمير كان رئيس الوزراء في ذلك الوقت. لقد ترجمت له مرة في مؤتمر، من الفرنسية إلى العبرية”، تذكرت.

إذا كان هناك شيء واحد تعلمته من الشخصيات المذكورة أعلاه هو “الرد على ضربات القدر مع القليل من السخرية”، قالت. “هؤلاء الرجال كانوا من المفكرين الأحرار، وأعتبر نفسي شخصا حرا في التفكير، وقد أعجبتني أفكارهم وأفعالهم الشجاعة، الناقدة، الواثقة، والمحفوفة بالمخاطر”.

في ذلك الوقت، تمكنت كنيسل من الحصول على راتب صغير لدراستها، ولكنها عملت بدوام جزئي في دار رعاية العجزة الفرنسي لتغطية نفقاتها.

“في السنة ونصف التي كنت فيها هنا تعلمت الكثير. لقد كان وقتا مثيرا للإهتمام للغاية بالنسبة لي”، قالت. “سافرت مع حقيبة ظهر: قضيت ليلة في قمة متسادا، أستحميت في عين جدي، مشيت من القدس إلى بيت لحم سيرا على الأقدام. هذه كانت فرصا التي بعد عدة سنوات، بسبب الوضع الأمني ​​وبناء الجدار، لم تعد ممكنة”، قالت مشيرة إلى الجدر الفاصل ​​في الضفة الغربية.

“أنا ببساطة ممتنة لأنني تمكنت من تجربة كل ذلك. لأنني أقول دائما أنه بدون تجربتي في الشرق الأوسط – وهذا صحيح أيضا بالنسبة لإسرائيل، دمشق، عمان، وخاصة لبنان، وبعد ذلك إيران – لم أكن لأصبح الشخص الذي أنا عليه اليوم”.

وزيرة الخارجية النمساوية كارين كنيسل في مؤتمر دولي حول الشرق الأوسط في وارسو، 14 فبراير 2019 (Angelika Lauber)

بعد دراستها وسفرها، أصبحت كنيسل دبلوماسية، وركزت في السنوات الأخيرة على كتابة الكتب وإلقاء المحاضرات حول الشرق الأوسط. في ديسمبر 2017، رشحها رئيس حزب الحرية ونائب المستشار هاينز كريستيان ستراتشي لمنصب وزيرة الخارجية.

في رسالة بعثت في يونيو 2016 إلى نتنياهو، قبل أن يتم انتخابه، وعد ستراتشي بأن يقوم بكل ما في وسعه، “سواء كان ذلك تشريعا أم تنفيذيا” لنقل سفارة النمسا إلى القدس.

“في ذلك الوقت لم يكن عضوا في الحكومة. وموقف الحكومة هو الاستمرار في دعم حل الدولتين”، قالت كنيسل. قالت إن الحكومة الائتلافية الحالية، برئاسة المستشار سيباستيان كورز، ستواصل التمسك بسياسة الاتحاد الأوروبي، التي تشمل دعم حل الدولتين، مع اعتبار القدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطينية مستقبلية.

على الرغم من الشراكة مع حزب الذي يمكن إعتباره الوطن السياسي للنازيين الجدد في النمسا، يعتبر كورز صديقا جيدا لإسرائيل، ويرجع الفضل في ذلك جزئيا إلى تعهده بالوقوف مع إسرائيل في المحافل الدولية. فأمن إسرائيل هو “سبب وجود النمسا”، كما أعلن مرارا وتكرارا.

إذا كان الأمر كذلك، فكيف لا تزال فيينا تتمتع بعلاقات جيدة مع إيران، وهي ديكتاتورية وحشية تهدد إسرائيل بالإبادة بشكل شبه يومي؟

أجابت كنيسل على هذا السؤال بحجة أنه منذ الثورة الإيرانية قبل 40 سنة، كان هناك انفصال بين الجمهورية الإسلامية والغرب، حيث لم يعرف الطرفان بما فيه الكفاية عن بعضهما البعض.

“إن جوهر كل النشاط الدبلوماسي هو إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة في جميع الظروف الممكنة. وبالنسبة لنا، كبلد صغير ليس له مصالح اقتصادية أو أمنية ضخمة في المنطقة، فإن هذا ببساطة أسهل”، قالت.

وقالت كنيسل إن نظيرها الإيراني محمد جواد ظريف هو “شريك مهني جدا، مثير للإهتمام، ولديه الرغبة في الحديث”.

وماذا عن التهديدات المستمرة ضد إسرائيل؟

هذا موضوع ثابت في المناقشات الثنائية، قالت، مشيرة إلى أن كورز أخبر الرئيس الإيراني حسن روحاني علانية في يوليو في فيينا أنه “من غير المقبول على الإطلاق” التشكيك في حق إسرائيل في الوجود أو الدعوة إلى تدمير الدولة اليهودية.

إذن كيف تصفين علاقات فيينا مع طهران؟

“صحيحة”، أجابت كنيسل.