شتاء آخر في مخيم بلاطة. يبدو أنه لم يكن هناك تحسن عبر السنين هنا، بالعكس ربما. الأوضاع تتدهور فقط. ذات البنية التحتية الهشة، الإكتظاظ والفقر. عشرات الأشخاص يملؤون الشوارع بالرغم من أنه ليس يوم عيد. يوم كباقي الأيام. نسبة البطالة المرتفعة عند الشباب، 56% وفقا لمعطيات السلطة الفلسطينية، يمكن ان يفسر لماذا أعداد كهذه من الشباب، فوق جيل 18، يتجولون في أزقة المخيم بدون هدف. مخيم بلاطة، بدون أي شك من “أشهر” المخيمات، يقع بعض الكيلومترات عن مركز نابلس. ولكن يبدو أن الفرق والبعد بين سكان المخيم و”هؤلاء” من المدينة كبير جدا. بكل مرة التي تواجدت فيها في المخيم في 14 الأعوام الأخيرة، سمعت ملاحظات قاسية ضد إسرائيل، ضد “الإحتلال”، ولكن في هذه المرة انتقادات معظم السكان كانت ضد السلطة الفلسطينية ورئيسها، محمود عباس. في هذه الأيام الصعبة، حتى “الإحتلال” الإسرائيلي المكروه يفقد اولويته مقابل السلطة الفلسطينية في سلم الكره المتخيل لدى أهالي المخيم.

أحمد (30 عاما)، من سكان المخيم، يؤشر على بياع الخضار أما دكانه. “ترى صناديق الخضار هذه؟ انها موجودة هنا منذ أيام. هو يتركها هنا في الليل ويبيع ما يتبقى في النهار. هذه الخضار غير لائقة لأكل البشر، ولكن مع هذا لا يوجد لدى الأشخاص المال لشراء غيرها. لا يوجد لدى اي أحد هنا تصريح عمل في إسرائيل والسلطة لا تساعدنا. حاول الحصول على قرض من المصرف. لا يعطونها لسكان المخيمات. وأنا ألوم أبو مازن على هذا الوضع. يوجد هنا مخدرات بكثرة. لماذا لا تتعامل السلطة مع هذا؟” سأل بغضب. صديقهم سمير ينضم للمحادثة: “لا يوجد هنا شرطة ولا قانون. الناس تتجول مع مسدسات لخوفهم على أنفسهم، ليس من الإسرائيليين. وانا اسأل، أين الدعم المادي الذي تتلقاه السلطة الفلسطينية؟ لماذا لا تعطيه لسكان المخيمات؟ لماذا لا تستثمر بهم؟ ان تبقى الأوضاع على هذه الحال، ان تستمر السلطة بتجاهلنا، هذا سيؤدي بنهاية الأمر إلى إنفجار”.

يتكلم الجميع هنا عن مؤامرة ضد المخيمات. مؤامرة لإسرائيل والسلطة الفلسطينية في هدف إضعاف المخيمات. علاء (43 عاما)، يقول ان المخيم يقع تحت مسؤولية الأونروا. “وعندما قلصوا نشاطاتهم في المخيم كثيرا. لا يساعدون السكان مثل قبل، وهذا محسوس. من الجهة الثانية، السلطة ترفض الإستثمار هنا، لأنها تدعي ان هذا مسؤولية الأونروا والأمم المتحدة. وهكذا يتجاهلونا وأوضاعنا تسوء. السلطة تدعم سكان المدن والقرى، ولكن تتجاهلنا. لنقول هذا: ان كان هنالك شاب واحد الذي يعمل، فإنه يعين على الأقل خمس أو ست عائلات. وهذا سيؤدي إلى إنفجار. الغضب ضد السلطة كبير جدا، والناس لا يوجد لديها ما تخسره. الإجرام متفشي، تجار المخدرات ظهروا هنا في كل زاوية. وكل من يريد إستغلال الأوضاع يتوجه للشباب ويعرض عليهم الإنضمام إليه. إن كان هذا حماس والجهاد وحركات أخرى التي تريد تنفيذ الهجمات او مجرمين الذين يريدون تجنيد تجار مخدرات”.

التوترات ومشاعر الظلم ليست جديدة في المخيم. على عبر عشرات السنين طور السكان هنا هوية خاصة، منفصلة، “المظلومين” في المجتمع الفلسطيني. في الماضي كانت إسرائيل هي التي تلاحقهم، والآن السلطة حلت مكانها. من جهة هم يتحدثون عن عدم تواجد السلطة في المخيم كسلطة تنفيذية، ولكنهم من جهة اخرى يقولون ان لا يمكنها العمل هنا وان تفعل ما تريد. محمود ابو جمعة يقول ان الأوضاع هنا اسوء ما كانت عليه. “لا يمكن العيش، الموت أفضل. انا اعدك انه ان تعطي أجر 3,000 شيكل في الشهر للناس هنا، لن تكون مشاكل هنا. ولكن انظر لما يحدث هنا الآن نتيجة اهمال السلطة. يمكنك ان تجد جميع انواع المخدرات التي تعرفها في المخيم: هيدرا، اكستازي، كوكائين، حشيش. السباب تتعاطى كل ما يعرضون عليهم”.

حسين قنديل (27 عاما)، متزوج وأب لطفلين، يقول أنه حاول الحصول على عمل في السلطة مرتين على الأقل. “قالوا أنى غير ملائم. لأنني كنت في السجون الإسرائيلية ومن سكان المخيمات. نحن نعيش من رزق الله. لا يوجد لدي أجر ولا أتلقى مساعدات من السلطة. لا يوجد أي شيء. نحن نسير في طريق مسدود ولا أحد في السلطة يسمعنا. السلطة تريد الأوضاع ان تبقى على ما هي. في أيام عرفات لم تكن الأوضاع كهذه، ولكن عند أبو مازن الأوضاع مختلفة”.

الأرض المهجورة

قبل عشرة ايام فقط شهد المخيم إحدى الحوادث التي تظهر لأي درجة الأوضاع متوترة بين السلطة وسكان مخيم بلاطة. أحد سكان المخيم إختطف فلسطيني من كفر قليل المجاورة بسبب خلاف مالي بينهم. وقام بإحتجازه لبضعة ساعات وتم إبلاغ أنظمة الأمن الفلسطينية. ولكن تدخل أحد قادة فتح في المخيم، جمال طيراوي، لحل المسألة ولتجنب إقتحام الشرطة الفلسطينية لمخيم بلاطة الذي سوف يؤدي إلى مواجهات عنيفة. طيراوي عضو برلمان الذي أحتجز في السجون الإسرائيلية مدة 6 سنوات (حتى قبل نصف عام)، وصل إلى بيت المختطف، أخذ المخطوف منه بموافقته وأعاده بسلام إلى عائلته. ولكن محافظ نابلس (من قبل السلطة) أكرم رجوب لم يقبل تخطي الحادث بهدوء. وأمر أنظمة الأمن الفلسطينية بإعتقال المختطف. “حاولت اقناع المحافظ بأن لا يقوم بهذا”، قال لي جمال طيراوي في مكتبه في نابلس هذا الأسبوع. “ولكنه أصر”. كالمتوقع، دخول الشرطة الفلسطينية إلى المخيم أدت الى مواجهات عنيفة مع السكان، التي تضمنت إلقاء صخور ضخمة نحو الشرطة الفلسطينية.

“الأوضاع في المخيم صعبة جدا”، وفسر طيراوي: “نشاطات الأونروا في الأراضي الفلسطينية تقلصت بنسبة 80%. وإضافة على ذلك، الحكومة لا تعتني بسكان المخيمات. نحن ليسوا قسم من برامج الحكومة الفلسطينية أو البلديات. لماذا؟ أنت تنتقل هنا الى مسألة سياسية. من سيعتني بمخيمات اللاجئين، الحكومة والسلطة أم الأمم المتحدة. الدول المتبرعة تحول الأموال إلى الحكومة، ولكنها لا تعتني بالمخيمات ونحن ضحايا هذه السياسة”.

من المعروف أن جمال طيراوي يعتبر معارض للتيار المركزي في فتح ولربما أيضا لأبو مازن بذاته. هو طبعا ينفي هذا. “انا لا أعارض أبو مازن ولا فتح، أنا قسم من الحركة، أنا أتقبل وأحترم قيادته وشرعيته. هو قائدنا، نحن نحب الرئيس ونحن جنوده. أنا أوصل بينه وبين مخيمات اللاجئين وأريده ان يقود الشعب الفلسطيني. أنا قمت بتنظيم إجتماع لجميع ممثلي المخيمات الذين قاموا بتقديم طلباتهم لأبو مازن. انا أريد تحسين العلاقات بين ’المسؤولين’ والمواطنين فقط. كان هنالك أخطاء في الماضي، بالأخص من الجهات التنفيذية ونحن نريد أن تتحد السلطة مع الشعب، في نفس المكان، كي لا نشهد ما شهدنا في غزة مرة أخرى (الإنقلاب في يونيو 2007). إذا أن أراد أحد تعريفي كمعارض، فاليكن”.

إذاً ماذا حدث مع الشرطة الفلسطينية قبل عشرة أيام؟ لماذا تهجموا عليهم؟

“أنا قلتها في الماضي وسوف أقولها مجددا. يجب تحسين العلاقات بين الأنظمة والمواطنين. بالأخص في المخيمات. يتوجب على الأنظمة خدمتنا، الشعب، ولهذا يجب بناء علاقات أفضل”.

أنت تدرك أنه بالنسبة للإسرائيليين، أزمة اللاجئين وحق العودة هم إثبات على أنه لن يتم تحقيق السلام؟

“مسألة اللاجئين هي قسم من حل أوسع بين إسرائيل والفلسطينيين”، قال طيراوي. بشكل مفاجئ هو لا يكرر الشعارات المعروفة حول العودة الى يافا والرملة، ولا لحيفا أو اللد. “مسألة حق العودة تحولت إلى حجة عند إسرائيل لتجنب الإتفاق. أن نصل إلى إتفاقية سلام على أساس حدود 1967، أنا أعدك، حق العودة لن يعرقل الإتفاقية. هذا لن يكون سبب فشله. حتى الآن، المفاوضات التي جرت بين إسرائيل والفلسطينيين، كانت ’مسخرة’، ولكن أن نصل إلى وضع الذي فيه نحل النزاع بدلا عن ’إدارة النزاع’، حق العودة لن يعرقل الإتفاق. هذا موقف العديد هنا، ولكن أن تتوقع مني أن أتخلى عن هذا الحق قبل أن نبدأ التفاوض أصلا، أنت مخطئ”.