لقد كان هناك بالكاد 10 رجال لإكمال نصاب تقليدي في جنازة ستيفان فايس (90 عاما) من ترانسيلفانيا، من الناجين من معكسري أوشفتيز ودكاو ومسيرة الموت الوحشية.

وقال يهودا آرونسون، مدير التنمية الخارجية في “رعوت”، وهي منظمة تقف وراء مجمع سكني مدعوم بقوة للناجين من المحرقة، حيث عاش فايس لأكثر من 40 عاما، إن “الأشخاص الوحيدين الذي شاركوا في الجنازة هما شخصان من أقارب عائلته البعيدين، من أبناء عمومته البعيدين جدا اللذين عرفاه وربطتهما به علاقة معينة”.

“أولئك منا الذين يعملون في رعوت كانوا هنا، وإلى جانب ’حيفرا دكايشا’ [خدمات دفن الموتى] وصلنا إلى ’المينيان’ [النصاب] من الرجال هناك”.

بعد أن هدأت أجواء الجنازة، خرج ما وصفه آرنسون ب”الكيكر” (Kicker).

وقال “نحن نقف هناك في الجنازة، في مراسم الدفن، وننهي تلاوة ’إل معاليه رحاميم’ [صلاة]، وتتوقف عربة غولف مع شخص من ’حيفرا كاديشا’ تحمل عليها جثة”، وأضاف “لقد كان هذا ناج آخر من المحرقة الذي لم يكن لديه لا عائلة ولا أصدقاء، وطُلب منا البقاء للمشاركة في مراسم جنازة لهذا الشخص”.

في المقبرة، لازمت مجموعة صغيرة المكان لإجراء طقوس الدفن ليهودي مجهول الهوية، للمشاركة في جنازة رجل قالت شركة خدمات دفن الموتى إنه ناج من المحرقة، ولكن لم يُعرف عنه أي شيء آخر.

وقال “لقد وقفنا هناك في حالة صدمة… قالوا لنا، حيفرا كاديشا، إنهم يقومون بدفن ثلاثة أو أربعة أشخاص في اليوم الواحد، كل يوم، ليس لديهم أحد – ليسوا جميعهم ناجين من المحرقة بطبيعة الحال”، مضيفا أن بعضهم هو بالتأكيد كذلك.

من الصعب الحصول على معطيات أو أرقام حول الناجين من المحرقة الذين توافيهم المنية في إسرائيل من دون أن يكون لديهم أقارب أو أحفاد، ولم يتسن التواصل مع خدمات دفن الموتى في عدة مدن إسرائيلية لحصول تايمز أوف إسرائيل منهم على تعليق قبل نشر هذه السطور.

مع ذلك، في السنوات الأخيرة، تم الإعلان عن ستة جنازات على الأقل لناجين من المحرقة من دون أبناء، أو مع عدد قليل من الأقارب، على شبكات التواصل الإجتماعي وتطبيقات الرسائل الإسرائيلية، ما دفع العشرات من الإسرائيليين إلى الحضور للمشاركة في جنازة ضحايا الإضطهاد النازي وزيادة الوعي لهذه الظاهرة. في شهر فبراير، حضر نحو 200 شخص من الغرباء جنازة هيلدا ناتان، ناجية من المحرقة لا أولاد لها طلبت دفنها إلى جانب والدتها في إسرائيل.

ولكن مقابل كل تقرير ملهم في الإعلام يسلط الضوء على التضامن الإسرائيلي واليهودي، هناك ستيفان فايس – أو ناج مجهول الهوية من المحرقة – أو ربما، العشرات مثلهم.

يقول آرونسون “من المأساة أن هؤلاء الأشخاص الذين أعطوا كل شيء… أن يعيشوا لوحدهم ويموتوا لوحدهم”.

مجتمع من الناجين

لفايس كان هناك حضور بارز في المجمع السكني في جنوب تل أبيب، حيث روى كثيرا قصته للصحافيين والزوار. (تايمز أوف إسرائيل أجرى معه لقاء في عام 2015).

خارج الصفوف الثلاثة لشقق “رعوت”، الحدائق مشذبة بصورة جيدة والأزهار متفتحة والمقاعد الخشبية تناثرت على العشب لمن يبحث عن التأمل بهدوء.

لكن عدد سكان الشقق يعطي تذكيرا قويا بأن نسبة مجتمع الناجين من المحرقة آخذة بالتضاؤل وبسرعة. المنظمة التي تم تأسيسها في عام 1937، وتُعرف بالأساس بسبب مستشفى التأهيل القريب منها الذي يحمل نفس الإسم، ضمت مرة 750 شقة للناجين من المحرقة الذين لم تكن لديهم القدرة على دفع إيجار. اليوم، عدد الشقق هو 180 – يسكن فيها 80 من الناجين من المحرقة – في حين يقيم في بقية الشقق مسنون إسرائيليون من الطبقات الضعيفة في المجتمع.

جميع السكان قادرين على الاهتمام بأنفسهم، بحسب المبادئ التوجيهية للخدمة. الشقق بسيطة ولكن مفروشة بشكل فردي. والحياة، بين الناجين الذين يعيشون هناك، هي سلعة تُمارس بذوق وتقدير لقيمتها.

فاني كرويتور، المديرة التنفيذية والمسؤولة عن الإهتمام بالسكان في المبنى قالت إنها عندما بدأت العمل في المكان قبل أكثر من 20 عاما، معظم الناجين الذين سكنوا في المجمع السكني كانوا بلا أولاد أو لديهم عدد قليل من الأقارب. الآن، كما تقول الابنة الناطقة بالروسية لناجين من المحرقة فإن لدى معظم السكان الذين يعيشون حاليا في المجمع السكني أبناء وأحفاد في البلاد. ولكن الكثيرين منهم من دون أبناء.

مثل جاره الراحل فايس، فإن إيلي لايختنر يعيش في “رعوت” منذ أكثر من 40 عاما، ولم يكن متزوجا أبدا ولا يوجد لديه أحفاد. قريب العائلة الوحيد لهذا الناجي من المحرقة الذي وُلد في بودابست ويقيم في إسرائيل هو ابن عام يقيم في مدينة نهاريا شمالي إسرائيل.

مرتديا قميصا أحمر بأكمام قصيرة وأزرار، ووتتدلى من عنقه قلادة تحمل نجمة داوود فضية، يتحدث الرجل الثمانيني المفعم بالحيوية بفخر عن مسيرته في التمثيل المسرحي، التي بدأها عندما كان في الرابعة من عمره، وانهاها، رسميا، في سن 75 عاما.

بعد أن تلقى التدريب لمدة ثمانية أشهر في باريس عند الممثل الإيمائي المعروف مارسيل مارسو، تواصل لايختنر مع التدريب الذي حصل عليه عندما طُلب منه التقاط صورة في عرض مسرح إيمائي درامي. إنه من المحرقة الذي مثل، في مناسبة واحدة على الأقل، ضحية محرقة – قام بأداء دور بيتر فان بيلس، زميل آن فرانك في الملحق السري في نسخة مسرحية ل”يوميات آن فرانك”.

في حين أن فرانك وفان بيلس اجتمعا في القصة الحقيقية في مخبئهما في أمستردام، فإن لايختنر، عندما كان في ال14 من العمر، جلس مع ثمانية آخرين في طابق سفلي في غيتو بودابست، من دون طعام ومع بعض الحطب لمكافحة البرد القارس للشتاء المجري. على طول الطريق، تراكمت جثث اليهود في الساحة والمداهمات التي نفذها النازيون شهدت بمعظمها ترحيل لأطفال ومسنين، كما يتذكر.

كإبن وحيد، تم ترحيل والده إلى معسكر الموت في أوشفيتز حيث قُتل هناك؛ والدته نجت في منزل آمن في سويسرا وتم لم شملهما بعد الحرب عندما عاد إلى بيت طفولته. خلال الحرب، “كنت وحيدا طوال الوقت”، كما قال.

وأضاف “ولكن في الغيتو، كان هناك أيضا مسرح”، ووصف كيف تم رفض إعطائه أدوار رئيسية بهد الحرب بسبب عدم إنتمائه للحزب الشيوعي.

بدا عليه الإستمتاع أيضا عندما تذكر مسرحية في مدينة حيفا بعد وقت قصير من فراره إلى إسرائيل في عام 1956، هاجم فيها ناقد مسرحي إسرائيلي لهجته المجرية في مقال نقد في صحيفة (“بأي لغة تحدث هذا الشاب؟”). وأشار لايختنر بفخر إلى أنه أدى في الأساس أدوارا كوميدية، وتحدث عن عدد من الإنتاجات التي يتم عرضها في مركز مسنين قريب، تديره “رعوت” أيضا. قام بتقبيل يد كرويتنور مرارا وبحرارة  عندما تجادل الإثنان بود حول ما يصفانه، تباعا، ب”المجري” المزعج والسمات “الروسية” (على الرغم من أن كرويتنور وُلدت في ليتوانيا).

لايختنر غير مستاء كذلك من معاملة الحكومة للناجين، على الرغم من أحقيته في الحصول على مسكن بسبب وضعه الإقتصادي. مراقب الدولة يوسف شابيرا نشر تقريرا لاذعا في الأسبوع الماضي رسم فيه صورة صادمة لإخفاق الحكومة في تقديم المساعدة للناجين من المحرقة، الذين يموتون بمعدل 1,000 في الشهر.

وأكد بحزم أن “الدولة تعطي الحد الأقصى للناجين من المحرقة”.

أنيوتا ريزنيك (85 عاما) قضت أربع سنوات في غيتو فينيستا في أوكرانيا مع والديها وشقيقتها الكبرى وزوج شقيقتها.

تقول في وصفها للمكان، الذي كان بداية تحت سيطرة الألمان قبل أن يسيطر الرومان عليه في وقت لاحق “في كل يوم، في الغيتو، كانوا يقولون إنهم سيأتون غدا لقتل الجميع”. في سن 9-10 سنوات، تم إرسال ريزنيك إلى الحقول يوميا للعمل بالسخرة. لكن والداها أعفيا من العمل بسبب سنهما ولم يجبرا على ترك شقتهما القديمة عندما تم تحويل المنطقة إلى غيتو.

بعد الحرب، انتقلت العائلة للعيش في موسكو، حيث أصبحت ريزنيك مديرة لمدرسة ثانوية. “لقد أحبني الأطفال”، كما قالت الناجية من المحرقة، التي يشير شعرها الرمادي المقصوص ونظارتها السوداء السميكة إلى ماضيها كمدرسة، والتي يعطي جسمها الضعيف فكرة خاطئة عن صوتها القوي.

انتقلت ريزنيك للعيش في إسرائيل في عام 1991، بعد انهيار الإتحاد السوفييتي سابقا. قبل نحو 10 أعوام، تنازلت عن شقتها في “رعوت” للاهتمام بشقيقتها الكبرى المريضة لمدة ثلاث سنوات حتى وفاتها. بعد ذلك، أعطتها المنظمة الشقة من جديد. لديها ابنة وابن اخت – ابنا شقيقتها الوحيدة – ولا يوجد لديها أقارب آخرون.

قبيل يوم ذكرى المحرقة، الذي انطلقت فعالياته مساء الأحد، تمنت ريزنيك “السلام، السلام، السلام، في كل العالم، وفي الأخص في إسرائيل”.

لكنها نظرت على قدميها، وقالت إنها لن تكون قادرة بسبب مرضها وجدول السيدة التي تقدم الرعاية لها من حضور المراسم الخاصة بالذكرى يوم الإثنين في المركز.

“أسال الله طوال اليوم: القليل، القليل فقط من الصحة” كما تقول بحيوية وتضيف “والحياة، الحياة، الحياة”.