واشنطن – لقد مر نحو 40 عاما منذ بادر الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر للمفاوضات التي أدت إلى معاهدة السلام بين إسرائيل ومصر. لإحياء ذكرى هذا الانجاز التاريخي، قام معهد التعليم الإسرائيلي بإصدار مذكرات حساسة من أرشيف إدارة كارتر تعرض تفاصيل تلك المفاوضات.

في الآونة الأخيرة، كشفت المنظمة غير الربحية التربوية عن اجتماع عُقد في مارس 1978 في العاصمة واشنطن بين وفدي كارتر ورئيس الوزراء مناحيم بيغين، في وقت حذرت فيه الولايات المتحدة من وجود خطر بفقدان الزخم الذي تحقق بعد أن قام الزعيم المصري أنور السادات بزيارة غير متوقعة إلى القدس لإلقاء كلمة أمام الكنيست.

وأظهرت المحادثة وجود نية للرئيس الأمريكي لضمان اتفاقية سلام أوسع بين إسرائيل والعالم العربي، تقوم بموجبها إسرائيل بالتخلي ليس عن سيناء فقط، بل أيضا عن معظم أجزاء الضفة الغربية وغزة وهضبة الجولان أيضا.

وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك، موشيه ديان، اعترض بشدة على الخطة، وقال إن وقوع الضفة الغربية تحت سيطرة عربية من شأنها أن تعرض إسرائيل للخطر – واقترح بدلا من ذلك أن لا تفرض إسرائيل سيادتها على المنطقة، ولكن من دون قيامها بسحب جيشها من هناك.

وقال “ستبقى القوات الإسرائيلية هناك للدفاع عن إسرائيل، ولكن ليس لحكم الفلسطينيين”، وأضاف “هذا يعادل الانسحاب، ليس بمعنى الأراضي، ولكن من حيث الجوهر”.

وأظهرت المذكرة كيف أن إدارة كارتر أرادت انسحابا إسرائيليا من أجل إقامة دولة فلسطينية، ولكن أيضا كيف أن دبلوماسييها أكدوا على أن انسحابا كاملا إلى حدود ما قبل عام 1967 ليس شرطا أساسيا لاتفاق سلام.

الإسرائيليون أكدوا على أن الانسحاب من الضفة الغربية ليس ضروريا لتنفيذ قرار الأمم المتحدة رقم 242، والذي تم تمريره في أعقاب حرب “الأيام الستة” في عام 1967 بدعم إسرائيل. القرار دعا الدول العربية إلى قبول حق إسرائيل في “العيش بسلام داخل حدود آمنة ومعترف بها بعيدا عن التهديدات أو استخدام القوة”.

الفلسطينيون اعترضوا على القرار لأنه لم يشر إليهم صراحة، وهي نقطة أكد عليها وفد بيغين في لقائه مع كارتر عند رفضه لاقتراح إدارته.

وقال بيغين إن السادات تنازل عن إصراره في البداية بضرورة تخلي إسرائيل عن الأراضي الفلسطينية مقابل اتفاقية سلام مع بلاده.

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق “قدم لنا المصريون في البداية اقتراحا يدعو إلى الانسحاب من سيناء والضفة الغربية وغزة والجولان. قلنا لهم إن ذلك مستحيل”، وأضاف “قلنا أن 242 لا يدعو إلى انسحاب كامل، ووافق السادات على التخلي عن هذا المطلب”.

(فيما بعد في المذكرة، يقول بيغين أيضا إن السادات طالب بانسحاب إسرائيلي كامل من جميع المناطق التي استولت عليها في الحرب – ونشوء دولة فلسطينية).

ومع ذلك، كان زبغنيو بريجينسكي، مستشار الأمن القومي للرئيس كارتر، هو الذي وجه التحذير الأكثر جدية بشأن حفاظ إسرائيل على وجودها في الضفة الغربية، واصفا ذلك بأنها محاولة محتملة من قبل إسرائيل ل”إدامة سيطرتها على المنطقة”، وليس مجرد حماية شعبها.

وقال بريجينسكي للإسرائيليين “لو كانت إسرائيل تتحدث عن سحب قواتها من السيطرة على الضفة الغربية وغزة إلى مواقع متفق عليها، وإذا كان سيتم نقل السلطة من إسرائيل والأردن، عندئذ قد تكون خطتكم هي الأساس لحل وقد تفتح طريقا للسلام”.

مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق زبيغنيو بريجنسكي (من اليسار) خلال منتدى نقاش في كلية الدراسات الدولية المتقدمة في جامعة ’جون هوبكينز’ في العاصمة الأمريكية واشنطن، 22 أكتوبر، 2013. (AFP/Brendan Smialowski/File)

وتابع قائلا “بدلا من ذلك، قد تكون هناك شكوك قوية بأنكم تنوون إبقاء سيطرتكم، وأنكم تنوون التعامل بصورة مختلفة تماما مع سيناء ومع الضفة الغربية. إننا بحاجة إلى حل يوضح أن خطتكم هي الأساس للسلام. عندها سيكون بإمكان مصر والأردن والفلسطينيين المعتدلين الذين يرغبون بالتعايش مع إسرائيل المضي قدما”.

الاجتماع انتهى بطلب وجهه كارتر لبيغين بأن يظهر “مرونة” بشأن المسارات المحتملة للمضي قدما في المفاوضات، وقال له “وصلنا إلى نقطة نجاح محتمل. ولكننا على وشك رؤية ذلك يضيع”.

وأصر كارتر على أن مصر والأردن لا تطالبان إسرائيل بالتنازل كليا عن الأراضي التي استولت عليها. وقال أيضا إن السعودية ستقبل باقتراح لا يشمل إقامة دولة فلسطينية. “علامة الاستفهام” الأكبر هي، كمال قال، كيف سيكون رد سوريا.

واختتم بيغين الاجتماع بقوله لكارتر بأنه سوف يفكر أكثر في اقتراحاته، وبأنه سيتحدث معه مرة أخرى في وقت لاحق من ذلك المساء.

وقال مركز التعليم الإسرائيلي إن هذه المذكرة كانت الرابعة ضمن سلسلة تضم 10 مذكرات ستسلط الضوء على محاولات إدارة كارتر لحل الصراع العربي-الإسرائيلي.

رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغين (من اليمين) والرئيس المصري أنور السادات يتبادلان الضحكات في فندق ’الملك داوود’ في 19 نوفمبر، 1977. (Ya’akov Sa’ar/GPO archive)

وأدت المفاوضات بوساطة كارتر بين إسرائيل ومصر إلى التوقيع على اتفاقية كامب ديفيد في سبتمبر من عام 1978، بعد 12 يوما من المحادثات السرية في كامب ديفيد، وهو المنتجع الرئاسي الواقع في منطقة كاتوكتين ماونتن في بلدة ثورومونت في ولاية ماريلاند الأمريكية.

وتم التوقيع على معاهدة السلام الإسرائيلية-الفلسطينية في مارس 1979، ومُنح بيغين والسادات جائزة نوبل للسلام لتوصلهما إلى هذا الاتفاق.