نشر ارشيف دولة إسرائيل يوم الاثنين بيانا استخباراتيا رفعت عنه السرية كان قد حذر البلاد في 5 أكتوبر/تشرين الأول 1973 من هجوم مفاجئ وشيك خططت له مصر وسوريا في اليوم التالي – العيد اليهودي يوم كيبور (يوم الغفران).

“الجيش المصري والجيش السوري مستعدان لشن هجوم على إسرائيل يوم السبت 6.10.1973 عند الغسق”، ينص السطر الأول من الوثيقة، التي تم إرسالها من رئيس الموساد آنذاك، تسفي زمير، إلى زعيم الجيش تحت قيادة رئيسة الوزراء غولدا مئير.

في خطابه، أشار رئيس الموساد أيضا إلى إمكانية تجنب الحرب إذا أعلنت إسرائيل عن خطة للهجوم.

حقيقة أن زمير قد أرسل تحذيرا قبل يوم من إعلان الحرب معروفة لسنوات، كذلك هوية مصدره: أشرف مروان، المقرب من الرئيس المصري آنذاك أنور السادات، صهر الرئيس السابق جمال عبد الناصر، وموضوع فيلم الذي سيتم إصداره قريبا على نيتفلكس، يدعى “الملاك”.

تسفي زمير يتحدث في حفل تأبيني بمناسبة مرور 21 سنة على اغتيال رئيس الوزراء إسحاق رابين، الذي أقيم في مقبرة جبل هرتسل في القدس في 4 نوفمبر / تشرين الثاني 2016. (Yonatan Sindel/Flash90)

ومع ذلك، تتضمن الوثيقة تفاصيل حول المعلومات التي قدمها مروان لزمير والتي لم يتم نشرها من قبل، مثل اقتراحه لكيفية منع الحرب بالكامل.

إن نشر بيان للموساد هو أمر نادر الحدوث نسبيا، حيث أن وثائق وكالة التجسس تظل عادة سرية حتى بعد عقود عديدة من كتابتها.

على عكس ذلك، لا يعتبر نادرا قرار وزارة الدفاع الإثنين بإصدار نسخ من اجتماع هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي قبل يوم من الحرب.

تُظهر هذه النصوص جنرالات الجيش الإسرائيلي الذين أشاروا إلى أن المصريين والسوريين، الذين رأتهم إسرائيل يحركون القوات قرب الحدود، كانوا “قادرين على الهجوم في وقت قصير جدا”.

رئيس الاستخبارات السابق للجيش الإسرائيلي الميجر إيلي زيرا، 20 أبريل / نيسان 2005 (photo: Flash90)

ومع ذلك، أصر رئيس الاستخبارات العسكرية آنذاك، إيلي زيرا، على أن فرص مصر وسوريا في شن هجوم منسق كانت “أقل من منخفضة”، وفقا للوثيقة.

تلقى زيرا في وقت لاحق نصيب الأسد من اللوم لأن الجيش فوجئ في الهجوم.

التحذير الملائكي

في الستينيات، اتصل مروان بالموساد وقدم خدماته كمساعد. قبلت وكالة التجسس بسهولة، وأعطته الاسم الرمزي “الملاك”. على مدى عقود، خدم كواحد من أهم العملاء لدى الموساد، على الرغم من أن البعض في مصر وإسرائيل – بما في ذلك زيرا – ادعوا أنه قد يكون عميلا مزدوجا، يغذي ذكاء القدس بأهمية عملية قليلة.

قبل يومين من اندلاع الحرب، اتصل مروان بمديره في الموساد وطلب عقد اجتماع مع زمير من أجل تحذيره من الهجوم المصري الوشيك وتقديم معلومات حول كيفية شن هذا الهجوم.

الجاسوس المصري أشرف مروان (photo photo: Raafat / Wikimedia Commons)

“يقيّم المصدر أن هناك فرصة ’بنسبة 99% لإطلاق الهجوم في 6.10.1973. واحد في المائة يتركها لنفسه، حيث قال ان الرئيس (المصري) لا يزال يستطيع تغيير رأيه، حتى عندما يكون ’اصبعه على الزر‘”، كتب زمير.

وأخبر مروان رئيس الموساد أن مصر ستحد على الأرجح من هجومها على شبه جزيرة سيناء، التي استولت عليها إسرائيل في حرب الأيام الستة عام 1967. كما أخبر الجاسوس الرئيسي أن إسرائيل ليس لديها ما تخشاه من الصواريخ أرض-أرض المصرية التي لم تكن تعمل بكامل طاقتها بعد.

كما عرض الجاسوس المصري اقتراحا حول كيفية تجنب الحرب تمامًا.

“وفقا للمصدر، قد يكون من الممكن منع اندلاع الحرب بنشر معلومات حولها على الراديو وفي الصحف، والتي ستُظهر للمصريين، بما في ذلك القيادة العسكرية، أن الإسرائيليين مدركون للخطة ومستعدون لها”، كتب زمير. “رئيس الموساد يقترح التفكير في النشر في وكالات الأنباء الإسرائيلية”.

أعضاء هيئة الأركان العامة في الجيش الإسرائيلي ينظرون إلى خريطة أثناء اندلاع حرب أكتوبر في 7 أكتوبر 1973. (Bamahane/Defense Ministry Archives)

في نهاية المطاف، كان تقييم مروان بنسبة “99 في المئة” على حق، كما كانت معظم توقعاته لكيفية خوض مصر الحرب صائبة. اقتراحه بالإعلان عن الخطة المصرية السورية لم يُقبل، رغم أنه لا توجد وسيلة لمعرفة ذلك بعد مرور 45 عاما ما إذا كان سيكون له أي تأثير.

اندلعت الحرب في يوم الغفران اليهودي، في حين كان الجيش غير مستعدا، على الرغم من رسالة تحذير زمير وغيرها من الأدلة التي تشير بوضوح إلى أن الهجوم قادم.

أكثر من 2500 جندي إسرائيلي قتلوا، إلى جانب الآلاف من القوات المصرية والسورية والعراقية.

العراك القديم

إن نشر الوثيقة، بعد 45 سنة من حرب يوم، يلقي بعض الضوء الجديد على الجدل القديم – من المسؤول عن فقدان علامات التحذير للهجمات الوشيكة.

إن حرب أكتوبر وإخفاقات الاستخبارات التي حالت دون رؤية الجيش ما كان واضحا في الماضي، لا تزال موضوعا مؤلما في الخطاب العام الإسرائيلي.

على الرغم من تمكن الجيش الإسرائيلي من صد الجيوش الغازية، إلا أن الحرب دفعت الجمهور الإسرائيلي إلى فقدان الثقة في جيشه وحكومته، وأجبرت الجيش الإسرائيلي على إجراء تغييرات جذرية في هيكله وبروتوكولاته لضمان ألا يتم مفاجئته مرة أخرى على أي حال.

دبابات مدرعة إسرائيلية تتخذ مواقعها في بداية حرب أكتوبر في 10 أكتوبر 1973. (Bamahane/Defense Ministry Archives)

في أعقاب الحرب، وجدت لجنة أجرانات في التحقيق الذي أجرته أن زيرا مذنبا بتهمة “الإخفاقات الفادحة” في الحكم. حتى يومنا هذا، يحافظ زيرا البالغ من العمر تسعين عاما على براءته، لكنه اعترفت ببعض الإخفاقات.

في هذه الأثناء، يلقي زمير (93 عاما)، باللوم على زيرا والجيش الإسرائيلي في إخفاقات الاستخبارات التي تسببت في وضع إسرائيل على حين غرة في الحرب.

في عام 2013، بعد مرور 40 عاما على الحرب، تحدث رئيسا المخابرات السابقين في لجنة حول هذا الموضوع في معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب.

القوات الإسرائيلية تصطف لشراء الطعام من مطعم متنقل على الجبهة الجنوبية لحرب أكتوبر في 20 أكتوبر 1973. (Benny Hadar/Bamahane/Defense Ministry Archives)

وأشار زمير إلى أن الموساد بدأ في ربط النقاط المؤدية إلى الحرب في فبراير ومارس 1973 قبل ستة أشهر من الحرب، وشجب سلوك المخابرات العسكرية تحت قيادة زيرا. أشار رئيس الموساد السابق إلى أن السكرتير العسكري لرئيسة الوزراء تلقى بيانه ولم ينقل المعلومات إلى مئير لمدة 10 ساعات. (في ذلك الوقت، استطاعت الاستخبارات العسكرية فقط أن تقدم معلومات إلى رئيسة الوزراء مباشرة).

“إنها معلومات تحذيرية مبكرة. لا شيء أكثر قدسية من ذلك!”، صرخ زمير في المؤتمر.

زيرا، الذي تم فصله من منصبه كرئيس للمخابرات العسكرية بعد الحرب، ادعى منذ فترة طويلة أن مروان هو عميل مزدوج غير جدير بالثقة. في عام 2004، سعياً وراء ترويج هذه النظرية، أكد على اسم العميل (تم الإبلاغ عنه قبل عامين من قبل الصحفي أهارون برغمان في صفحات صحيفة يومية مصرية).

بعد ثلاث سنوات سقط مروان من شرفة في لندن ولقي حذفه. لم يكن من الواضح قط ما إذا كان قد قُتل، أو ربما انتحر.

طالب زمير بمحاكمة زيرا لكشف اسم مروان، ورغم أن المدعي العام السابق يهودا واينشتاين اعترف في عام 2012 بأن زيرا ارتكب الجريمة، قرر عدم مقاضاته، مشيرا إلى مساهمته الغنية في الأمن القومي الإسرائيلي، عمره المتقدم، والسنوات العديدة التي مرت منذ الأحداث.

ساهم ميتش غينسبرغ في هذا التقرير.