مخيم عايدة، بيت لحم – دخلنا مخيم عايدة للاجئين سيرا على الأقدام. كنا في الطرف الشمالي لمدينة بيت لحم، بالقرب من الجدار الفاصل وقبر راحيل. على أحد جدران كُتبت عبارة “دولة مخيم عايدة للاجئين”، للتأكيد على انفصالها عن بقية العالم.

على الجدران تظهر كل بضعة أمتار ملصقات تحمل صورة “الشهيد” عبد الحميد أبو سرور (19 عاما) الذي قام بتنفيذ الهجوم الانتحاري يوم الإثنين في حافلة رقم 12 في حي “تل بيوت” في القدس. في الهجوم أصيب 20 إسرائيليا، إحداهم بجروح خطيرة، وهي عيدن دادون (15 عاما). أبو سرور كان القتيل الوحيد في الانفجار.

تظهر الملصقات شابا وسيما يرتدي قميص “جورجيو أرماني” فاتح. معظم الملصقات هنا لا تحمل شعارات أية منظمة فلسطينية – كرد على ما يبدو على ملصقات اصدرتها حماس أعلنت فيها عن أن منفذ الهجوم هو أحد نشطائها.

لكن عند دخول خيمة العزاء في مركز الشبيبة في مخيم عايدة تظهر ملصقات حماس في كل مكان. أعلام حماس الخضرا أيضا إلى جانب أعلام حركة فتح الصفراء. يتم تخليد “الشهيد البطل” هنا إلى جانب “شهداء” معروفين آخرين. من بينهم صانع القنابل في حركة حماس، “المهندس”، يحيى عياش.

قوى الأمن الإسرائيلية تحقق في موقع انفجار الحافلة جنوبي القدس، 18 ابريل، 2016 (AFP PHOTO / AHMAD GHARABLI)

قوى الأمن الإسرائيلية تحقق في موقع انفجار الحافلة جنوبي القدس، 18 ابريل، 2016 (AFP PHOTO / AHMAD GHARABLI)

زيارتنا الأحد تتزامن مع نشر حركة حماس لمقطع فيديو صغير يظهر أبو سرور في زي عسكري لحماس يقرأ نصا خلال زيارة عزاء قام بها بأحد أقربائه، سرور أبو سرور، الذي قُتل هنا في المخيم قبل بضعة أشهر. نشر الفيديو متعمد. فورا بعد الإعلان عن أن عيد هو الإنتحاري، وفتح خيمة العزاء، وصل ملثمون من حماس ولكن تم طردهم من قبل أفراد الأسرة الذين اساؤوا من أن حماس تختار المشهد للادعاء بأن منفذ الهجوم تصرف باسمها.

مسلحين من حركة حماس يقبلون رأس ازهار ابو سرور، والدة عبد الحميد ابو سور (19 عاما) الذي قام بتنفيذ الهجوم الإنتحاري في 18 ابريل في حافلة في القدس (Channel 2 screenshot)

مسلحين من حركة حماس يقبلون رأس ازهار ابو سرور، والدة عبد الحميد ابو سور (19 عاما) الذي قام بتنفيذ الهجوم الإنتحاري في 18 ابريل في حافلة في القدس (Channel 2 screenshot)

في اليوم التالي عاد رجال ملثمون من حماس مرة أخرى، هذه المرة إلى المنطقة التي تجلس فيها النساء، وقبلوا رأس أزهار، والدة أبو سرور، قبل أن يخرجوا من هناك بسرعة. في الليلة نفسها تم اعتقال البعض منهم من قبل قوى الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية. مع ذلك، شددت حماس على التشديد على انتماء أبو سرور. رئيس الوزراء السابق في غزة، إسماعيل هنية، قام بالإتصال من غزة، وتم بث كلماته في بث حي على سماعات في خيمة العزاء. بالتالي، فإن شريط الفيديو لأبو سرور بزي حماس يهدف إلى توصيه رسالة في الداخل بأنه، نعم، هذا الشاب، بثيابه باهظة الثمن، من عائلة محترمة ومعروفة، كان بكل تأكيد عضوا في المنظمة الإسلامية. لمسألة “الإنتماء” أهمية كبيرة عندما يتعلق الأمر بهجمات انتحارية.

اثنان على الأقل من سكان هذا المخيم، معتقلان ينتميان لحماس، كانا من بين 1,027 أسير فلسطيني أطلقت إسرائيل سراحهم في عام 2011 مقابل إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط بعد أن كان رهينة لدى حماس لمدة 5 أعوام. تم ترحيل الرجلين إلى غزة. من القطاع، يدير الجناح العسكري لحركة حماس “وحدة الضفة الغربية”، وتسعى بلا هوادة لتجنيد نشطاء وبناء بنى تحتية في الضفة الغربية. عندما أعلنت حماس عن أن أبو سرور كان واحدا من رجال، أقام المئات من الشبان مسيرات احتفالية في هذا المخيم، معلنين عن دعمهم للحركة، في حين قامت نساء مسنات بإلقاء قطع الحلوى في كل اتجاه.

راحيل دادون تتحدث مع الصحافة في مستشفى هداسا عير كارم، حيث تتعالج مع ابنتها بعد اصابتهما في عملية تفجير في حافلة في القدس، 19 ابريل 2016 (Hadas Parush/Flash90)

راحيل دادون تتحدث مع الصحافة في مستشفى هداسا عير كارم، حيث تتعالج مع ابنتها بعد اصابتهما في عملية تفجير في حافلة في القدس، 19 ابريل 2016 (Hadas Parush/Flash90)

لو كنت أعرف ما الذي كان ينوي القيام به…

يوم الأحد جلس حمد، والد “الشهيد” ليرتاح في منزل قريب من خيمة العزاء. جلست معه بناته وزوجته أزهار.

تقول أزهار أبو سرور، “في اليوم الذي حدث فيه ذلك، لم أفكر للحظة بأنه كان المسؤول. لم أتخيل لثانية بأنه ابنى: هو بعيد عن ذلك تماما”.

وتضيف أزهار، ” لقد كان يحكي قصة كاملة وينهيها وأقتنع بها، بعد ذلك أكتشف بأنه يمزح معي. كان ذلك يحدثا كثيرا (…) حتى أنني كنت أقول له، ’أنت تصلح بأن تكون ممثلا’. حتى أن والده، قبل يومين من الحادث قال لي ’ابنك هذا، متى سينضج؟’ لقد كان طفلا. تفكيره كان بسيطا، طفوليا”.

وتابعت حديثها بالقول، “أنا مربية” – تعمل مدرسة في مدرسة في بيت لحم – “ورأيت أن تأثر كثيرا من كل ما يدور من حوله”.

ازهار ابو سرور، والدة عبد الحميد ابو سور (19 عاما) الذي قام بتنفيذ الهجوم الانتحاري في 18 ابريل في حافلة في القدس، في مخيم عايدة في الضفة الغربية، 22 ابريل 2016 (AFP PHOTO / MUSA AL SHAER)

ازهار ابو سرور، والدة عبد الحميد ابو سور (19 عاما) الذي قام بتنفيذ الهجوم الانتحاري في 18 ابريل في حافلة في القدس، في مخيم عايدة في الضفة الغربية، 22 ابريل 2016 (AFP PHOTO / MUSA AL SHAER)

خلال حديثها، تحمل والدة أبو سرور شقيقته التي تبلغ من العمر عامين وتجلس إلى جانب زوجها وأقرباء آخرين من حولهم، الكثيرون منهم يرتدون قمصانا عليها صورة “الشهيد”. أزهار أبو سرور مختلفة قليلا عما قد تتوقعه في مخيم لاجئين كهذا المخيم – تجلس في نفس الغرفة التي يجلس فيها الرجل وترتدي ثيابا عصرية ولا تضع غطاء للرأس. والدها قُتل في غارة إسرائيلية في عام 1981 على موقع للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في لبنان. هي بنفسها وُلدت في سوريا وانتقلت للعيش في بيت لحم في بداية سنوات التسعينات.

في يوم وقوع الإنفجار، كما تقول، “مرت ساعات واتصلت بها مرة تلو الاخرى. هاتفة كان مقفلا، ولكن حد ذلك مرات كثيرة من قبل”. عندما تحدث الإعلام الإسرائيلي عن أن الشخص الذي أصيب بالجروح الأكثر خطورة لم يتم تحديد هويته وبأنه يُشتبه بأنه منفذ الهجوم، بدأ الشك يدخل إلى قلب والده.

يكمل حمد الحديث. “في اليوم التالي، ذهبت من تلقاء نفسي إلى مكاتب جهاز الأمن لدينا، وقدمت وثيقة تقول بأن ابني مفقود. لقد أبلغت بنفسي عن اختفائه. لم يعرف الإسرائيليون ذلك. كانوا مرتبكين. وفرت المعلومات بأنه كان مفقودا. بعد ذلك، تعرفت على الجثة”.

ويؤكد والد أبو سرور على “أن هناك شيء ما في هذه القصة لا يبدو منطقيا؟ ابنى؟ عبد؟ أن يقوم بذلك؟ لقد عاش معي. حياتنا كانت منفتحة. لم يكن فيه عدوانية أو عنف. جميع من حوله أحبوه. كنت أراقبه طوال الوقت. كنت أسأله دائما، ’إلى أين أنت ذاهب، متى ستعود إلى المنزل؟’ ما زلت لا أصدق حدوث ذلك. هذا لا يمثل شخصية عبد. لا أصدق أنه قادر على القيام بأمر كهذا. أنا غير قادر على استيعاب ذلك”.

يحيى عياش (Wikipedia)

يحيى عياش (Wikipedia)

لكن أزهار أبو سرور قالت بأن ابنها كان دائما معجبا بيحيى عياش، صانع القنابل من غزة، الذي قتلته إسرائيل في 1996. وقالت أبو سرور لشبكة NPR، “لكل شاب هناك قدوة وابني رأى يحيى عياش كقدوه لأنه أذى الإسرائيليين الذين تسببوا لنا بالأذى في كل يوم”، وأضافت أنه “شعر دائما أن عليه الإنتقام من وفاة جده”.

وعلى سؤال حول إعلان حماس عن أن ابنه كان واحدا من أعضائها، حاول حمد تجنب الحديث عن الموضوع وقال “اسأل حماس عن ذلك”، وأضاف، “لكن لو كنت أعرف أنه كان ينوي القيام بذلك لقمت بتكبيل يديه” – يقوم برفع يديه للتعبير عن تكبيل اليدين – “ولأخفيته تحت الأرض… لم أربي ابني على القيام بذلك. ولكن أتعرف من المسؤول عن ذلك؟ أنتم الإسرائيليون. لقد قدتم جيلا كاملا إلى ذلك. أنتم وحكومتكم”.

هل يخشى الان ان تقوم اسرائيل بهدم منزل العائلة، كرادع لهجمات مستقبلية؟ “دعهم يأتون”، يقول. “سوف نبني 10 منزلا خلال شهرين. انا فقد شيء اغلى بكثير من مزل. انا فقدت ابني. ما يهمني المنزل الان؟ عليكم انتم اليهود الادراك. عبد الحميد لم يأتي من عائلة فقيرة. انه اتى من عائلة مرتاحة. كان لديه سيارة خاصة. عائلة مع املاك واموال. كل بيت فلسطيني سوف يستقبلنا اليوم. إن يقوموا بهدم منزلنا، سوف نبني بيت اكبر بكثير. هذه عائلة مثقفة، مع زوق، مع كرامة. مع تعليم يعارض العنف. انا شجعته على الذهاب للدراسة في اي مكان يريد، في اوروبا، في العالم العربي. ولكن جيل الشباب اليوم مختلف. لو قال والدي شيئا، لكنا جميعنا اخفضنا رأسنا وفعلنا ما قال. شباب اليوم يفعلون ما يشاؤون.

“انتم، الإسرائيليون، عليكم ان تسألوا انفسكم، ماذا يجعل ولد كهذا – وهو كان ولدا – يريد ان ينفذ عمل كهذا؟” يتابع حمد “مرة اخرى، اقول لك، اسرائيل المذنبة. اسرائيل جعلت هذا الجيل بتصرف بهذه الطريقة. لا يوجد لدى هذا لجيل مستقبل، لا يوجد عمل. انتم تضغطون عليهم، وتؤذوهم، ولا تعطوهم الأمل. انتم صنعتم هذا الجيل على ما هو عليه، والجيل القادم، اطفال اليوم، سوف يكونوا اخطر، ولكن مع هذا انت، يهودي، هنا، ونحن نرحب بك بإحترام. إذا توقفوا عن الإعتقاد اننا الفلسطينيين العنيفين”.

ويتابع: “أنا ضد أذية أي شخص، ايّ كان. لكل طفل وكل رجل الحق بالحياة. وأنا اقول لك مرة أخرى، لو علمت انه كان يخطط لقيام بذلك، لكنت اوقفته”.

طواقم الطوارئ تصل إلى موقع إنفجار حافلة في القدس، 18 أبريل، 2016. (الشرطة الإسرائيلية)

طواقم الطوارئ تصل إلى موقع إنفجار حافلة في القدس، 18 أبريل، 2016. (الشرطة الإسرائيلية)

أنا أكره كون لدي رئيس مثل عباس

هل عائلة أبو سرور بأكملها – والد، والدة، اشقاء – لم يعلموا اي شيء حول نشاطاته في حركة حماس، كما يدعون؟ ما يقال هنا يبدو بعيدا عن الأجواء في خيمة العزاء، صرخات المديح التي تطلقها النساء عندما يدخل ناشطون مقنعون من حركة حماس ويقبلون رأس الوالدة. يوجد فجوة بين ما يقال علنا لكاميرات التلفزيون، القنوات العربية، وما يقال ويتم هنا في الغرف الخاصة بين
أفراد العائلة، هذه العائلة المرتاحة ماديا التي تمكنت من الخروج من مخيم اللاجئين والإنتقال الى بيت جالا الراقية نسبيا. وحتى يوجد اسرائيليا من بين الزوار هنا، يهودي اسرائيلي ولد في امريكا كان يعرف ابو سرور وأفراد آخرين من العائلة.

فلسطينيون يتجمعون تحت لافتة عليها صورة منفجذ التفجير الانتحاري في حافلة في القدس، عبد الحميد ابو سرور، الى جانب الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، في مخيم عايدة في الضفة الغربية، 21 ابريل 2016 (AFP PHOTO / THOMAS COEX)

فلسطينيون يتجمعون تحت لافتة عليها صورة منفجذ التفجير الانتحاري في حافلة في القدس، عبد الحميد ابو سرور، الى جانب الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، في مخيم عايدة في الضفة الغربية، 21 ابريل 2016 (AFP PHOTO / THOMAS COEX)

“لا يوجد لدي مشكلة مع اليهود”، يقول كل من الوالد والوالدة. ولكن ابنهما اصبح اول انتحاري منذ سنوات.

وبعدها تقول أزهار: “كان ذلك دفاعا عن النفس. صحيح انني، كفلسطينية، كشخص متنور، قد اكون تصرفت بصورة مختلفة، بواسطة القلم، بواسطة الكلمة المكتوبة. ولكن لكل شخص طريقته بالمقاومة.

وعندما يتم الاشارة الى ان رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، قام بإدانة العملية، تقول، “بالنسبة لي، ابو مازن لا يمثل الشعب الفلسطيني. عندما اسمعه يتحدث، هذا يجعلني اكره كوني فلسطينية لأنه لدي رئيس مثل هذا. عندما رئيس وزرائكم يدعم الجندي الذي قتل فلسطينيا بالرصاص في الخليل، ورئيسي يدين افعالنا، ماذا علي ان افكر عنه؟”

وعندها يقوم الوالد بالتمتمة بسخرية، “يالله لكلبوش” – أي إلى السجن – وكأنه يتوقع دخول قوات أمن السلطة الفلسطينية الدخول في أي لحظة واعتقالهم.