تخيلوا المعضلة التي واجهها منظمو مؤتمر “هآرتس”. إنهم صحيفة، وليسوا بمكتب حكومي. لم تكن لديهم خطط لوضع علم إسرائيلي على المنصة في مؤتمرهم الذي استمر ليوم واحد في نيويورك الأحد.

ولكن عندها الرئيس رؤوفين ريفلين، الذي يمنح حضوره في البرنامج إضفاء شرعية على كل ما يفعلونه، أصر على وضع العلم الإسرائيلي على المنصة خلال إلقائه لكلمته. لم يكن بإمكانهم رفض طلبه. فليكن.

ولكن صائب عريقات، المسؤول في منظمة التحرير الفلسطينية، والذي هو أيضا حضوره ضروري في مؤتمر يركز على نقاش الصراع الفلسطيني، قال لهم عندها بأنه لن يتحدث مع علم إسرائيلي على المنصة. فتم الإسراع بإزالة الرمز الوطني.

هل كان المنظمون في “هآرتس” على معرفة مسبقة وقبل وقت كاف بهذين الطلبين المتضاربين؟ هل درسوا قرارهم بالإذعان لمطالب شخصيتان لهما وزنهما؟ أو أنهم اتخذوا قرارهم بسرعة ومن دون الكثير من التفكير؟ لا أعرف.

ما نعرفه هو أن العلم الإسرائيلي لم يكن في الواقع على المنصة خلال خطاب ريفلين فقط. لقد كان هناك خلال خطابات متحدثين آخرين، من بينهم وزيرة الخارجية السابقة تسيبي ليفني، ودانييل سوكاتش وطاليا ساسون من “الصندوق الجديد لإسرائيل”، والمتحدثين من “هآرتس”، كما يظهر بوضوح في أشرطة الفيديو الخاصة بصحيفة “هآرتس” بنفسها للحدث. ولا يظهر في خطابي النائب العربي في الكنيست أيمن عودة ومندوبة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة سمانثا باور.

هل يهم أي من ذلك كله؟ أعتقد أن الإجابة نعم.

بإمكاني تفهم إبتعاد “هآرتس” عن الدخول في مسألة الرموز الوطنية. ولكن سواء أحببتم ذلك أم كرهتموه، من خلال دعوة المتحدثين الذين دعتهم الصحيفة إلى مؤتمرها، مع المطالب التي جاء بها هؤلاء المتحدثين معهم، فهي قد تورطت في ذلك.

وعندما يتم توريطك في مسألة الرموز الوطنية، فلا يمكنك أن تتغاضى عنها بسهولة.

لذلك أنا أتساءل، هل اقترح أحدهم على عريقات بأنه قد يوافق على التحدث أمام العلمين – الإسرائيلي والفلسطيني؟ هناك طبعا سوابق لذلك، على مر السنين، في إحتفالات إتفاقيات سلام وجميع أشكال الإجتماعات الأخرى. أحد الأمثلة الصارخة على ذلك كان في 31 يوليو، 2013، عندما إستضاف تجمع عضو الكنيست حيليك بار لحل الصراع العربي-الإسرائيلي سياسيين من السلطة الفلسطينية في البرلمان الإسرائيلي. الإجتماع، الذي شارك فيه 33 نائبا في الكنيست من أحزاب تمثل 77 من أصل 120 عضو كنيست، تم عقده في غرفة تم فيها وضع الإعلام الإسرائيلية والفلسطينية بحذر- وهي سابقة ذات بأسلوب صاخب في الكنيست.

لو إقترحت “هآرتس” ذلك، ولو وافق عريقات على ذلك، لكان ذلك سيشكل رمزا رائعا ومشجعا لعيش مشترك محتمل. يا لهه من تمثيل تصويري للمؤتمر الذي كانت “هآرتس” بذاتها بكل تأكيد سترغب بدعمه: العيش المشترك هذا هو ضروروي وقابل للتطبيق. يا له من عرض ملموس لرغبة عريقات المؤكدة لحل الدولتين. يا له من تأكيد لإصرار الرئيس ريفلين الشجاع على إلقاء كلمة أمام المؤتمر، في سبيل حرية التعبير والحوار المفتوح، على الرغم من الإنتقادات بأنه يشارك في منتدى مُنحت فيه منظمة “كسر الصمت” غير الحكومية شديدة الإنتقاد للجيش الإسرائيلي منصة أيضا؟ ويا له من إثبات تصويري لآفاق “هآرتس” الصهيونية – إصرارها على إن إنتقادها المفرط للإحتلال والمشروع الإستيطاني والكثير من سياسات رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو ينبع من وطنية بحتة، ووُلد من أكثر القناعات العاطفية المؤيدة لإسرائيلي ويتم نقله من قلق عميق بأن قيادتنا وموقفها المضلل بشأن المسألة الفلسطينية يسيران بهذه البلاد أقرب من أي وقت مضى نحو دمارها.

هل فكر أحدهم بإقتراح هذه الفكرة؟ هل رفض عريقات ذلك؟ أو ربما خشى المنظمون من أنه سيضطرون إلى وضع العلم الفلسطيني خلال كلمة ريفلين، وأنه كان سيرفض الفكرة. وربما لا… مرة أخرى، لا أعرف.

ولكن هذه الواقعة، والعناوين، والهستيريا المتوقعة في معسكر اليمين، والموقف الدفاعي في اليسار، وغيرها من ردود الفعل المختلفة من جهات أخرى، هي تأكيد على مدى قوة رموز الأمة ووقعها. وقضية العلم في مؤتمر “هآرتس” – في مؤتمر أُعلن بأنه مخصص لطرح الأسئلة والبحث عن سبل للمضي قدما – يعيد التأكيد بشكل رمزي على الفجوة الواسعة بين إسرائيل والفلسطينيين.

قائد فلسطيني آخر، يحل ضيفا على مؤتمر تنظمه صحيفة إسرائيلية تسعى إلى إقناع قرائها بحتمية المضي قدما نحو التعايش مع الفلسطينيين، قد لا يرى طلب “أزيلوا علمكم” مناسبا، ويقترح بدلا من ذلك، “أضيفوا علمي. أليس لهذا السبب نحن هنا اليوم؟”

من الواضح أن عريقات لم يفعل ذلك. تماما كقائده، محمود عباس، الذي استضاف زيارة لأعضاء كنيست في رام الله في اكتوبر 2013، بعد 3 أشهر من إستضافة ممثلين عنه في الكنيست برفع علمهم، وتأكد من عدم ظهور أعلام إسرائيلية في القاعة، التي سيطرت عليها أعلام فلسطينية كبيرة. بار ورئيس حزبه يتسحاق هرتسوغ لم يطالبا بإضافة علم إسرائيلي أو إزالة الأعلام الفلسطينية. لقد تجاهلا الإهانة الرمزية.

المدافعون عن عباس وعن عريقات سيزعمون من دون شك، في اليوم الذي تعترف فيه إسرائيل بالدولة الفلسطينية، بأن البروتوكول يتطلب عرض متبادل للرموز الوطنية وسيسعدون من دون شك بالوفاء بإلتزاماتهم. المنتقدون سيقولون بأن الرفض الفلسطيني بحد ذاته بعرض العلم الإسرائيلي يعكس رفضا فلسطينيا أساسيا لقبول شرعية الدولة اليهودية وبالتالي الموافقة على التنازلات الضرورية لإتفاق دولتين ملزم وقابل للتطبيق.

بصراحة، من الواضح أن الرموز الوطنية لها صداها لدى الطرفين والذي يذكرهما بالإنقسام الدامي والمشحون والمتأزم – الإنقسام ذاته الذي تم عقد مؤتمر “هآرتس” للمساعدة في بناء جسر من فوقه. والتماثل الرمزي – عدم إستعداد طرف بعرض علم الطرف الآخر؛ عدم إستعداد طرف بالظهور في منتدى إلى جانب علم الدولة الأخرى؟ حسنا، لهذا صداه أيضا.