رفض رئيس الوزراء البولندي ماتيوش مورافيتسكي يوم السبت الغضب الإسرائيلي على مشروع قانون يجرّم تحميل البولنديين مسؤولية جرائم الهولوكوست التي ارتُكبت على أراض بولندية، وقال إن الاسم “أوشفتيس” وعبارة “اربيت ماخت فراي”، اللذان يُعتبران من أبرز رموز المحرقة، ليست بكلمات بولندية،

وجاءت هذه التصريحات بعد أن دعا رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو إلى عقد اجتماع طارئ بين الدبلوماسيين الإسرائيليين في بولندا ومورافيتسكي للتعبير عن “معارضته الشديدة” لمشروع القانون الذي تم تمريره يوم الجمعة في مجلس النواب في البرلمان البولندي والذي يجرّم تصريحات تحمل البولنديين مسؤولية الفظائع التي ارتُكبت على أراضيهم خلال الهولوكوست.

وقال مورافيتسكي في تغريدة له على تويتر ليلة السبت إن “أوشفيتس هو الدرس الأكثر مرارة حول كيف يمكن أن تؤدي أيديولوجيات شريرة إلى جحيم على الأرض. على اليهود والبولنديين وجميع الضحايا أن يكونوا أوصياء على ذكرى كل من قُتل بأيدي النازيين”، وأضاف أن “أشوفيتس-بيكيناوا” هو ليس اسما بولنديا وإن عبارة “اربيت ماخت فراي” ليس عبارة بولندية.

أوشفيتس كان إسما لأحد معسكرات الموت النازية الأسوأ سمعة على الأراضي البولندية، حيث قُتل أكثر من مليون شخص، معظمهم من اليهود. على بوابة المعسكر كُتبت عبارة “أربيت ماخت فري”، وهي تعني بالألمانية “العمل يحرركم”.

وأشار مورافيتسكي أيضا على “تويتر” إلى أن إسرائيل وبولندا وقعتا على بيان مشترك في عام 2016 يعارض استخدام عبارة “معسكرات الموت البولندية”.

مشروع القانون الجديد ينص على اتخاذ إجراءات جنائية ضد أفراد أو منظمات يُتهمون بتشويه سمعة “الأمة البولندية” من خلال تحميل البولنديين المسؤولية عن جرائم ارتكبت على الأراضي البولندية خلال الهولوكسوت أو التواطؤ فيها. وقد تصل عقوبة نشر عبارات مثل “معسكرات الموت البولندية” للإشارة إلى مخيمات القتل النازية التي قام الألمان بتشغيلها خلال احتلالهم لبولندا في الحرب العالمية الثانية إلى عقوبة أقصاها ثلاث سنوات في السجن أو دفع غرامة مالية، بحسب القانون. مشروع القانون جاء في جزء منه ردا على حالات في السنوات الأخيرة استعملت فيها وسائل إعلام أجنبية عبارة “معسكرات الموت البولندية” لوصف أوشفيتس ومعسكرات أخرى أدارها النازيون.

مشروع القانون يجرّم أيضا “التقليل عمدا من مسؤولية ’الجناة الحقيقيين’ لهذه الجرائم”، في إشارة إلى قتل حوالي 100,000 بولندي من قبل وحدات في جيش المتمردين الأوكراني خلال الحرب العالمية الثانية.

رئيس الوزراء البولندي ماتيوش مورافيتسكي يتحدث في بودابست في 26 يناير، 2018. (AFP /Attila KISBENEDEK)

في خطاب ألقاه في وقت سابق من اليوم لإحياء الذكرى ال73 للمعسكر، شدد مورافيتسكي على مسؤولية الألمان عن الفظائع واعتبر أن البولنديين كانوا من بين ضحاياهم، بحسب بيان صادر عن مكتبه.

وقال “قامت قوة ساحقة ووحشيه بتدمير الأمة اليهودية وجزء من الأمة البولندية. لقد كانت هذه قوة ألمانية، وعلينا وصف الحقيقة كما هي: النعم بنعم واللا بلا”.

وجاءت هذه التصريحات بعد ردود الفعل الإسرائيلية الغاضبة على القانون البولندي، ما أثار أزمة دبلوماسية بين البلدين.

في بيان أصدره مساء السبت، قال نتنياهو إن مشروع القانون البولندي “لا يستند إلى أي أساس” وأضاف أنه “لا يمكن إعادة كتابة التاريخ”.

وكتب نتنياهو “لا يمكن إنكار الهولوكوست”، مضيفا أنه أصدر تعليماته للسفارة الإسرائيلية في بولندا “للاجتماع هذا المساء مع رئيس الوزراء البولندي لنقل موقفي الواضح ضد مشروع القانون هذا”.

وتم استدعاء القائم بأعمال السفير البولندي في إسرائيل إلى وزارة الخارجية الإسرائيلية لإجراء محادثات يوم الأحد، بحسب ما قالته الوزارة. ولا يتواجد السفير البولندي حاليا في البلاد.

وقال مسؤول في وزارة الخارجية لوكالة “فرانس برس” إن مشروع القانون البولندي هو “محاولة لإعاد كتابة التاريخ وتزويره، وهو شيء لن يقبله الشعب اليهودي وإسرائيل على الإطلاق”.

المتحدث باسم وزارة الخارجية عمانويل نحشون قال إن خيار استدعاء السفيرة الإسرائيلية من بولندا للتشاور ليس بخيار “غير مطروح”.

تصريحات نتنياهو جاءت على خلفية نقاش محتدم حول مشروع القانون بين رئيس حزب “يش عتيد”، يائير لابيد، وهو عضو في المعارضة الإسرائيلية، والسفارة البولندية في إسرائيل.

يائير لابيد، رئيس حزب ’يش عتيد’. (Yonatan Sindel/Flash90)

لابيد، وهو نجل ناج من المحرقة، استخدم “تويتر” يوم السبت لمهاجمة مشروع القانون، واصفا إياه بمحاولة لإعادة كتابة التاريخ.

وكتب لابيد في تغريدة له باللغة العبرية “إنني أدين بشدة القانون الجديد الذي تم تمريره في بولندا، والذي يحاول إنكار الدور الذي لعبه الكثير من المواطنين البولنديين في الهولوكوست”.

وأضاف “لن يقدر أي قانون بولندي على تغيير التاريخ، بولندا كانت متواطئة في الهولوكوست. مئات الآلاف من اليهود قُتلوا على أراضيها من دون أن يلتقوا بأي ضابط ألماني”.

وغرد أيضا باللغة الإنجليزية:

وردت السفارة البولندية على لابيد بتغريدة قالت فيها إن “مزاعمه الغير مسندة تظهر الحاجة الماسة إلى تدريس الهولوكوست، حتى هنا في إسرائيل”. وأضافت السفارة إن الهدف من التشريع البولندي هو “ليس ’تبييض’ الماضي، ولكن حماية الحقيقة ضد افتراء كهذا”.

وهو ما رد عليه لابيد بغضب مطالبا باعتذار: “أنا ابن ناج من المحرقة. جدتي قُتلت في بولندا بيد ألمان وبولنديين. لست بحاجة إلى تعلم الهولوكوست منكم. إننا نعيش مع العواقب كل يوم في ذاكرتنا الجماعية. على سفارتكم تقديم اعتذار فوري”.

وأثار مشروع القانون البولندي ردود فعل غاضبة من قبل مجموعة من السياسيين الإسرائيليين من ضمنهم وزير الأمن العام غلعاد إردان ووزير المخابرات يسرائيل كاتس ورئيس “القائمة (العربية) المشتركة”، عضو الكنيست أيمن عودة، الذي قال إن التشريع “مخجل وخطير”.

رئيس الدولة رؤوفين ريفلين، اسشتهد بكلمات رئيس بولندي أسبق قال فيها إنه لا يمكن تزييف التاريخ وإخفاء الحقيقة، مشيرا إلى مرور 73 عاما بالضبط على تحرير معسكر الموت “أوشفيتس” على الأراضي البولندية.

وقال ريفلين إن “على الشعب اليهودي ودولة إسرائيل والعالم بأسره أن يضمن الاعتراف بالمحرقة بسبب أهوالها وفظائعها”، وأضاف “في صفوف الشعب البولندي، كان هناك من ساعد النازيين في جرائمهم. كل جريمة، كل مخالفة، يجب أن تلقى تنديدا. لا بد من فحصها وإدانتها”.

وقد حظرت بعد المؤسسات الإخبارية الكبرى استخدام لغة تشير إلى معسكرات الموت البولندية.

وهي عبارة استخدمها الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما في عام 2012، مثيرا الغضب في بولندا. أوباما أدلى بالتصريح خلال منحه “وسام الحرية” ليان كارسكي، مقاتل في صفوف المقاومة ضد الإحتلال النازي في بولندا خلال الحرب العالمية الثانية. كارسكي توفي في عام 2000.

خلال مراسم أقيمت في “الغرفة الشرقية” في البيت الأبيض لتكريم 13 من الحاصلين على “وسام الحرية”، قال أوباما إن كارسكي “كان بمثابة رسول للمقاومة البولندية خلال أحلك أيام الحرب العالمية الثانية. قبل إحدى الرحلات إلى ما وراء خطوط العدو، أبلغه مقاتلو المقاومة أن اليهود يتعرضون للقتل على نطاق واسع وتم تهريبه إلى غيتو وارسو ومعسكر موت بولندي ليرى بنفسه. أخذ يان هذه المعلومات للرئيس فرانكلين روزفيلت، حيث قدم واحدة من أولى الروايات حول المحرقة وناشد العالم للتحرك”.

بعد تلقيه شكاوى، قال البيت الأبيض أن أوباما أخطأ في حديثه.

البوابة الرئيسية لمعسكر الإبادة ’أوشفيتس’ في بلدة أوشفيتشيم البولندية، مع لافتة كُتب عليها ’العمل يحرركم’. (Christopher Furlong/Getty Images/via JTA)

وقال نائب وزير الدفاع البولندي باتريك ياكي في خطاب أمام مجلس النواب يوم الجمعة إن “منظمات غير حكومية تشير في كل يوم إلى استخدام عبارة ’معسكرات الموت البولندية’ حول العالم. بكلمات أخرى، يتم نسب الجرائم النازية الألمانية للبولنديين”.

وأضاف في دعمه للمشروع القانون “وحتى الآن لم تتمكن الدولة البولندية من محاربة هذا النوع من الإهانات للأمة البولندية بفعالية”.

وشبّه ياكي الخطوة بتمرير إسرائيل في عام 2016 “مشروع قانون المنظمات غير الحكومية” المثير للجدل الذي يلزم المنظمات غير الحكومية الممولة بتمويل أجنبي، وهي منظمات منتقدة لإسرائيل بمعظمها، بمزيد من الشفافية. منتقدو القانون وصفوه بغير ديمقراطي وبهجوم على حرية التعبير.

وقال للبرلمان “لا أعرف لماذا يجب أن تجد بولندا صعوبة في العمل بصورة فعالة مثل إسرائيل، لماذا ينبغي أن يكون لديها وسائل أقل فعالية من إسرائيل؟”

منتقدو القانون قال إن تطبيقه خارج بولندا سيكون مستحيلا، وبأنه داخل البلاد سيكون له تأثير مخيف على مناقشة التاريخ، وسيمس بحرية التعبير.

في حين أن القانون يتضمن بندا يستثني الدراسات العلمية والأكاديمية، لكن معارضيه لا يزالون يرون خطرا فيه.

وما يخشونه على وجه الخصوص هو أن يكون بالإمكان استخدامه لتشديد الخناق على البحث والنقاش حول مواضيع تبغضها السلطات القومية في بولندا، وخاصة الموضوع المؤلم حول قيام بولنديين بابتزاز اليهود أو إبلاغ النازيين عنهم خلال الحرب.

ويثير طرح قصص حول معاناة الشعب البولندي وبطولته مشاعر البولنديين اليوم. ويرد الكثير منهم غريزيا عند مواجهة المجموعة المتزايدة من المنح الدراسية الممنوحة لدراسة تواطؤ البولنديين في قتل اليهود.

لعقود من الزمن تجنب المجتمع البولندي مناقشة قتل اليهود بيد مواطنين أو نفى أن تكون معاداة السامية قد شكلت دافعا للقتل، محملا مسؤولية جميع الفظائع التي تم ارتكابها للألمان.

نقطة التحول جاءت بعد إصدار كتاب “جيران” في عام 2000 لباحث علم الاجتماع البولندي-الأمريكي يان توماش غروس، الذي استشكف فيه جرائم قتل اليهود بيد جيرانهم البولنديين في قرية يدوافني. وأثار الكتاب محاسبة للنفس على نطاق واسع وتقديم اعتذارات رسمية من قبل الدولة.

ولكن منذ صعود حزب “القانون والعدل” المحافظ والقومي إلى السلطة في عام 2015، سعت السلطات إلى القضاء على المناقشات والبحث حول الموضوع وقامت بشيطنة غروس وحققت فيما إذا كان قام بالتشهير ببولندا من خلال تأكيده على أن عدد اليهود الذين قُتلوا بيد بولنديين كان أكبر من العدد الذي قُتل بيد ألمان خلال الحرب.

وقد قام باحثو الهولوكوست بجمع أدلة وافرة عن قرويين بولنديين قاموا بقتل يهود فروا من النازيين. بحسب أحد الباحثين في مؤسسة “ياد فاشيم” لإحياء ذكرى الهولوكسوت، من بين اليهود الذين فروا طلبا للمساعدة من البولنديين، والذين يُقدر عددهم ب160,000-250,000، نجا ما بين 10-20% منهم، أما البقية فرُفض استقبالهم أو تم الإبلاغ عنهم أو قُتلوا بيد بولنديين في المناطق الريفية، بحسب الباحث في جامعة تل ابيب، حافي درايفوس.

وأصدر “ياد فاشيم” بيانا ليلة السبت أعرب فيه عن معارضته للتشريع البولندي وحاول وضع “الحقيقة المعقدة” فيما يتعلق بموقف البولنديين تجاه اليهود في سياق تاريخي.

وقال “ياد فاشيم” في البيان “لا مجال للشك بأن عبارة ’معسكرات الموت البولندية’ هي تحريف تاريخي. ولكن فرض قيود على تصريحات من قبل أكاديميين وغيرهم فيما يتعلق بالتواطؤ المباشر أو غير المباشر للشعب البولندي مع الجرائم التي ارتُكبت على أراضيهم خلال الهولوكوست يشكل تحريفا خطيرا”.

ساهمت في هذا التقرير وكالة أسوشيتد برس.