عندما بدأ سري طه (28 عاما) دراسة الهندسة الميكانيكية في جامعة بير زيت في مدينة رام الله بالضفة الغربية، عرف قي قرارة نفسه أن ذلك يعني بأنه سيبحث عن عمل في السعودية أو الإمارات بعد أربع سنوات.

لم ينجح طه في الحصول على وظيفة في الخليج، وعمل بدلا من ذلك لفترة قصيرة في شركة بناء محلية قبل أن يجد عملا له لمدة ستة أشهر في نيجيريا. بعد ذلك، عاد إلى بلده، للعمل في مجال إدارة المطاعم. في النهاية، قرر العودة إلى الكلية لدراسة إدارة الأعمال في معهد التخنيون في مدينة حيفا.

المشاكل التي يواجهها سري هي جزء من تحدي أكبر يواجهه الفلسطينيين الذي يحاولون اقتحام سوق الهايتك.

تخرج الجامعات الفلسطينية حوالي 2,000 خريج من حاملي لقب تكنولوجيا المعلومات سنويا، بحسب تقرير مركز التجارة الفلسطيني (Paltrade) في عام 2014. ولكن لا يوجد هناك عدد كاف من الوظائف في الضفة الغربية، وكذلك يشير التقرير إلى أن هؤلاء الخريجين لا يملكون “المهارات الكافية” للعمل في سوق تكنولوجيا المعلومات الفلسطيني المحلي. النتيجة هي أن معظم الخريجين مضطرون للبحث عن عمل في دول الخليج، والمنافسة هناك على أشدها.

بعد مرور أربعة أعوام باع طه حصته في شركة هايتك ناشئة شارك في تأسيسها ويعمل حاليا على إنشاء أول حديقة صناعة فلسطينية للتكنولوجيا العالية، التي يأمل بأن تتحول إلى وادي السيليكون الفلسطيني في الضفة الغربية. وتم اختيار مدينة الروابي – وهي أول مدينة فلسطينية مخططة مسبقا يشار إليها كمثال على ما يمكن تحقيقه في دولة فلسطين المستقبلية – لتكون مقرا لحديقة الصناعة هذه.

حظوظ طه، تغيرت بعد مشاركته في برنامج التدريب الفلسطيني (PIP)، وهو مبادرة بتمويل من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) يتم خلاله إختيار فلسطينيين من خريجي تكنولوجيا المعلومات وإرسالهم للمشاركة في برامج تدريب في شركات متعددة عالمية وشركات ناشئة إسرائيلية.

يهدف هذا البرناج إلى إكساب المتدربين الفلسطينيين المعرفة حول كيفية إنشاء شركة هايئتك نائشة ناجحة وقادرة على التنافس، والعودة بهذه المعلومات إلى وطنهم للمساعدة في بناء قطاع هايتك فلسطيني.

ويأمل الفلسطينيون المحرومون من الموارد الطبيعية ومن السيطرة على حدودهم بأن يلعب قطاع الهايتك دورا رئيسيا في إقتصادهم المتعثر. بحسب البنك الدولي، يشهد التانج الإجمالي المحلي الفلسطيني تقلصا منذ عام 2013، والسبب الرئيسي في ذلك هو إنخفاض المساعدات الخارجية.

’خبرة لا يمكن أن تجدها في الضفة الغربية’

المؤسس لمبادرة PIP هو يادين كاوفمان، مهاجر أمريكي وصل إلى إسرائيل في عام 2011 وشارك في تأسيس شركة “صدارة”، وهي أول شركة إستثمار مالي تستهدف الشركات الناشئة الفلسطينية في مجال الهايتك.

صندوق الإستثمار الذي أسسته “صدارة” جمع مبلغ 30 مليون دولار، بدعم من مستثمرين من الصف الأول من ضمنهم جورج سوروس ومؤسس شركة AOL، ستيف كيس، والرئيس السابق لموقع eBay، جيف سكول، وكذلك شركات مثل غوغل وسيسكو وبنك الإستثمار الأوروبي، قدم حتى الآن الدعم لست شركات فلسطينية، ثلاثة منها شركات ناشئة.

ولكن مبادرة PIP التي أسسها كاوفمان وبدأت بإجراء أول برامج التدريب الخاصة بها في صيف 2014، تهدف إلى تزويد قطاع الهايتك الفلسطيني بنوع آخر من رؤوس المال: الخبرة.

وقال كاوفمان في مقابلة أجراه معه موقع تايمز أوف إسرائيل: “لقد رأيت خلال عملي في الإستثمار في الشركات الفلسطينية بأن هناك الكثير من الخريجين الشبان الموهوبين من الجامعات الفلسطينية الذين لم يحظوا بأي فرصة للعمل واكتساب الخبرة في شركة هايتك كبيرة”. وأضاف: “هذا أمر هام في التطور المهني لهؤلاء الخريجين الشبان”.

كاوفمان، الذي كان شريكا في إزدهار مجال الهايتك في إسرائيل في سنوات الثمانين والتسعين، كمستثمر، قارن بين برامج التدريب الفلسطينية في إسرائيل بالخبرة القيمة التي جاء بها الإسرائيليين إلى البلاد مع عملهم في وادي السيليكون.

برامج التدريب في PIP هي برامج مدفوعة الثمن لمدة ثلاثة أشهر، تتبع بحلقات عمل وجولات في شركات وأحداث لتدعيم شبكة العلاقات والتوجيه. يقر كاوفمان بأن هناك حدود لما يمكن تعلمه في مثل هذه الفترة القصيرة. “ولكن”، كما يقول، “على الأقل هذا اختبار لطريقة عمل شركة كبيرة”.

نادين حنظل، من خريجي تخصص PIP من سكان القدس الشرقية والتي عملت في مجال تطوير البرمجة خلال فترة تدريبها في شركة “إنتل”، تقول إن البرنامج زودها بـ”خبرة فريدة… ليس من النوع الذي يمكن أن تجده في الضفة الغربية”.

وأضافت: “تحاول PIP أن تضعك في بيئة مع أشخاص مهنيين أصحاب خبرة عميقة في الصناعة وتعريفك على الأسواق العالمية. أنا أرغب بإكتساب هذا النوع من الخبرة”.

بعد أن أنهت البرنامج التدريبي، وظفت شركة “إنتل” الشابة من القدس الشرقية، حيث عملت هناك في السنوات الأخيرة.

بعد أن تركت وظيفتها في إسرائيل، تدرس حاليا حنظل، التي درست هندسة الكمبيوتر في الضفة الغربية، تحليل البيانات في الولايات المتحدة. هدفها هو تأسيس شركة تحليل بيانات فلسطينية خاصة بها.

وقالت: “آمل بأن أكون واحدة من هؤلاء الأشخاص الذين يجلبون هذه المعرفة الجديدة إلى مجتمعي وإلى قطاع تكنولوجيا المعلومات الفلسطيني”. وأضافت أن “بإمكان ذلك أن يوفر فرص عمل لعدد كبير من الشباب الفلسطيني الموهوب الذي يبحث عن عمل. سيتعلمون عن مجال جديد وآخذ بالنمو ويتعرفون على التطورات في مجال التكنولوجيا في العالم”.

وصلت نسبة البطالة في الأراضي الفلسطينية في نهاية عام 2016 إلى 27% (18% في الضفة الغربية و42% في غزة) وخلق فرص العمل لم يواكب النمو في سوق العمل، وفقا لمعطيات البنك الدولي.

تقول حنظل إن ندوات PIP في مجال إدارة الأعمال، التي يقوم خلالها أساتذة من الصف الأول، بما في ذلك من جامعتي هارفرد وبراون، بتدريب المشاركين في مجال تنظيم المشاريع، كانت الأكثر فائدة بالنسبة لها.

وقالت: “وجدت ذلك مفيدا جدا بالنسبة إلي، وخاصة لأنني من خلفية تقنية مع القليل من المعرفة في مجال الأعمال والإدارة”.

علاقة تجارية محضة ومربحة لجميع الأطراف

يتعمد المسؤولون عن مبادرة PIP، التي تأسست في الولايات المتحدة وتتلقى دعما ماليا من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، إبقائها بعيدا عن السياسة، وأن تكون تجارية محضة.

ولكن مؤسس PIP يقول إن النتيجة هي نتيجة سيرحب بها الفلسطينيون والإسرائيليون على حد سواء – بإسثتناء المتطرفين السياسيين من الطرفين.

وقال كاوفمان: “الجميع في إسرائيل تقريبا يوافقون على أن من مصلحة إسرائيل تحقيق نمو في الإقتصاد الفلسطيني، يكون قادرا على توظيف أشخاص وأن يكون ناجحا. معظم الناس هنا [في إسرائيل]، في اليمين كما في اليسار، يدركون أنه ليس من مصلحتها أن تكون هناك بطالة أو هجرة كفاءات”.

جيس ديفون (31 عاما)، في الأصل من إنكلترا، مكلف من قبل كاوفمان بالإشراف على برنامج PIP.

وقال إن “PIP تقوم بوضع كل الأسس للشركات المضيفة – التجنيد، الإختبار، التصاريح، السكن بالقرب من الشركة، توقيع الإتفاقيات، وما إلى ذلك. ما يتبقى على الشركات المضيفة فعله هو إجراء مقابلات مع المرشحين الذين تقترحهم PIP وإذا كانوا ملائمين البدء بالعمل”.

ويقول ديفون أنه في حين أن الخدمات اللوجستية لجلب الفلسطينيين من الضفة الغربية إلى إسرائيل ليست واضحة، فإن الإدارة المدينة الإسرائيلية، وهي الهيئة العسكرية المسؤولة عن الشؤون المدنية الفلسطينية، أبدت “تعاونا” في إصدار التصاريح للمتدربين لفترة بقائهم في إسرائيل.

عملية إختيار المشاركين في برنامج PIP “إنتقائية للغاية”، وفقا لديفون. فقط أولئك الذين يظهرون قدرة حقيقية في تحقيق هدف PIP – تنشيط قطاع الهايتك الفلسطيني – يتم قبولهم في البرنامج. حتى الآن كان هناك 30 متدربا في PIP. في الجولة الأخيرة من البرامج التدريبية، التي بدأت في أوائل عام 2017، يقدر ديفون إنه سيتم قبول ما بين 10-15% فقط من مقدمي الطلبات للتدرب في شركة مضيفة.

حتى الآن، أكثر من ثلث المتدربين استمروا في العمل في الشركة المضيفة بعد إنتهاء فترة التدريب، وهي كما يقول ديفون نسبة “مرتفعة بشكل خاص بالنظر إلى العقبات اللوجستية”.

وأضاف ديفون: “من جانب الشركة، تكون هناك عادة مفاجأة من مدى إستفادتهم من المشاركة في البرنامج. غالبا ما يفوق المتدربون التوقعات إلى حد كبير، في حين أن الشركات تقّدر هي أيضا أهمية تنوع الموظفين والمشاركة في مسؤولية الشركات”.

قطاع الهايتك الفلسطيني يتألف بشكل كبير من شركات تعهيد، أو تقليد لشركات قائمة يتم ملائمتها مع سوق اللغة العربية. على سبيل المثال، شركة “يا مسافر” الناشئة الفلسطينية البارزة، هي في الأساس موقع booking.com للعالم العربي.

حتى اليوم، لم يتم شراء شركة هايتك فلسطينية من قبل شركة أكبر أو شركة عالمية. إذا تم شراء شركة فلسطينية واحدة فقط، كما يقول كاوفمان، سيحفز ذلك مبادرين فلسطينيين آخرين لتجربة طريق الشركات النائشة أو إعطائه بعض الزخم.

’اللغة العالمية’ للتكنولوجيا

طه، المهندس الميكانيكي الذي لم يتمكن من الحصول على وظيفة مناسبة بعد تخرجه من الجامعة، تم توظيفه في شهر أغسطس للعمل كمطور من قبل مؤسس مدينة روابي، رجل الأعمال الفلسطيني بشار المصري، للإنضمام إلى فريق سيعمل على تطوير مجمع لتكنولوجيا المعلومات والإتصالات في المدينة الفلسطينية الجديدة. المجمع الجديد، الذي لا يزال في مراحل التخطيط الأولى، قد يكون محوريا لقطاع الهايتك الفلسطيني، وإذا سارت الأمور بحسب الخطة، وفقا لطه، قد يكون مفيدة لقطاع الهايتك الإسرائيلي أيضا.

وقال طه إن “قطاع الهايتك/تكنولوجيا المعلومات هو أحد الخيارات القليلة التي نملكها من أجل خلق فرص عمل وتنمية الإقتصاد إلى حجم يسمح للدولة بأن لا تعتمد على المساعدات الخارجية كما هو الحال اليوم”.

في عام 2005، شكل قطاع الهايتك أقل من 1% من الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني. في 2008، بعد أن استثمرت شركة “سيسكو” 15 مليون دولار لإنشاء ثلاث شركات تعهيد كبيرة في الضفة الغربية، شهد هذا القطاع نموا ليصل إلى حوالي 7% من الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني، حيث يوفر وظائف لحوالي 5,000 شخص، بحسب تقرير لمركز التجارة الفلسطيني.

وأضاف طه: “ما نأمل أن نفعله في مجمع روابي لتكنولوجيا المعلومات والإتصالات هو نقل شركات الهايتك الفلسطينية، ومحاولة جلب شركات صغيرة متعددة الجنسيات للعمل في فلسطين. سيؤدي ذلك إلى زيادة الجودة والقدرة التنافسية عند المواهب المحلية”.

قدرة طه على أن يأخذ على عاتقه مسؤولية إنشاء مجمع روابي لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات مرتبط إرتباط وثيقا بتجربته في PIP، كما يقول.

خلال برنامج التدريب عمل في شركة “تكوين لابس”، وهي شركة إستثمار مغامر مقرها في حيفا تعمل بالتحديد مع شركات هايتك من الوسط العربي في إسرائيل. بعد إنهائه برنامج التدريب، تم توظيفه في “تكوين” بدوام جزئي.

خلال فترة تدريبه في شركة الإستثمار المغامر، أجرى أبحاث سوق، وقام بإجراءات لإرضاء المتطلبات وتطوير أعمال وميزانية مالية، بينما عمل في الوقت نفسه على شركته الناشئة الخاصة به: شركة تصنيع بطاريات تعمل بطاقة الزنك المتجددة التي يمكن أن تساعد في توفير الطاقة لدول العالم الثالث.

يرى طه بمجمع روابي لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات شريكا طبيعيا في المستقبل مع مراكز البحث والتطوير الإسرائيلية.

وقال مشيرا إلى شركات الهايتك الإسرائيلي: “سيكون من الأفضل وأقل إشكالية إذا كان بإمكانهم التعهيد للقطاع الفلسطيني”، حيث ما زالت بعض هذه الشركات تقوم بتعهيد الوظائف لدول مثل الهند وأوكرانيا. وتواجه إسرائيل نقصا في المهندسين والموظفين أصحاب المهارة وتتطلع للاستفادة من مصادر جديدة من الموظفين، بما في ذلك النساء والسكان العرب والحريديم الذين تركوا على هامش طفرة الهايتك.

وقال طه إن “فلسطين أقرب من حيث المنطقة الزمنية والثقافة. بالإمكان ترتيب لقاءات بين الطواقم. في هذا الجيل، يتحدث جمهور التكنولوجيا كله نفس اللغة. إنها عالمية”.

الشركات متعدد الجنسيات الكبيرة العاملة في إسرائيل أمثال “سيسكو” و”مايكروسوفت” وHP و”إنتل” بدأت في تعهيد وظائف لشركات فلسطينية في الضفة الغربية. شركة Mellanox Technologies الإسرائيلية تقوم بتعهيد وظائف برمجة لفلسطينيين في الضفة الغربية منذ عام 2010.

مطلوب: شاب مع جهاز كمبيوتر محمول فقط

يقول دكتور بول ريفلين، زميل بارز في مركز موشيه ديان ومحرر مجلة “إقتصادي”، وهي نشرة شهرية حول الإقتصاد في الشرق الأوسط، إن الشريحة الغير مستغلة حتى الآن من الموظفين أصحاب المهارات تبشر بإمكانيات حقيقية لسوق الهايتك الفلسطيني.

وأضاف إن “بالإستناد على حقيقة أن هناك شريحة سكانية مثقفة وذات مهارة، فيمكن أن يكون المرء متفاؤلا من إمكانيات قطاع الهايتك الفلسطيني”، لا سيما في التقنيات التي تعتمد على اللغة العربية.

وتابع قائلا إن “السوق [الفلسطيني] صغير جدا، لكن الحجم ليس كل شيء. الحقيقة هي أن هناك معدات في الهاتيك أقل من أي شيء آخر. فأنت لا تحتاج إلى مصنع. ما تحتاجه هو شاب مع جهاز كمبيوتر محمول”.

القيود التي تفرضها إسرائيل تزيد من مهمة المبادرين الفلسطينيين في السفر إلى الخارج وتوجيه دعوات للآخرين لزيارتهم، ما يعيق من قدرتهم على “بناء الثقة” مع المتبرعين المحتملين أو مع زملائهم. سوق الأعمال الفلسطيني يواجه هو أيضا صعوبة بسبب الحاجة لمعرفة “الشخص الصحيح”، كما يقول، وهو ما يجعل مع المناورة في مجال الأعمال أكثر صعوبة.

ولكن حتى مع أخذ كل ذلك في عين الإعتبار، كما يقول ريفلين، يمكن للفلسطينيين أن ينظروا إلى الإسرائيليين كمثال على سوق هايتك تغلب على الصعاب بكونه صغيرا ويواجه عراقيل بسبب الصراع.

وقال: “انظروا إلى إسرائيل. إنها ليست بالضبط النموذج الذي تصمم بحسبه دولة للنجاح، ومع ذلك ورغم الصراع المستمر، داخليا وخارجيا، نما الإقتصاد بشكل كبير”.