برع رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو في السنوات السابقة في تفاعله المدروس بعناية مع الفلسطينيين، وبقيامه بذلك منع انتفاضة ثالثة. فما الذي يدفعه الآن، في هذا الوقت بالذات، قبل الإنتخابات، إلى اتخاذ قرارات تتسبب بتصعيد التوتر.

هل من الممكن أنه يحاول، قبل 3 أسابيع فقط من الإنتخابات للكنيست، تهييج الأجواء في الضفة الغربية؟

السؤال، الذي يبدو للوهلة الأولى نظرية مؤامرة غريبة، هو سؤال يطرحه عدد متزايد من الأشخاص على أنفسهم في المجتمع الدولي والسلطة الفلسطينية، وحتى بين أعضاء الحكومة الإسرائيلية نفسها. السبب وراء هذه الشكوك هو سلسلة من القرارات التي اتخذها مسؤولون إسرائيليون في الأسابيع الأخيرة والتي تزيد من احتمال اندلاع أعمال عنف في الضفة الغربية.

القرار الذي أعلنت عنه شركة الكهرباء الإسرئيلية عن قطع التيار الكهربائي لمدة ساعة يوميا عن مدينتي جنين ونابلس الفلسطينيتين بسبب الديون الهائلة المتراكمة على السلطة الفلسطينية هو فقط الحلقة الأخيرة في هذه السلسلة. قبل ذلك قررت الحكومة تجميد تحويل عائدات الضرائب التي تقوم إسرائيل بجمعها من الفلسطينيين إلى السلطة الفلسطينية، وقرر وزير المياه سيلفان شالوم منع إمداد مدينة روابي الفلسطينية بشبكة المياه.

هذه الخطوات، والتي تم اتخاذ جميعها على الرغم من التحذيرات الواضحة من المؤسسة الأمنية، تخلق، بالنسبة لمن يراقب الوضع من الخارج، الشعور بأن “شخصا ما في إسرائيل يتوسل تقريبا لإنتفاضة”.

هناك سببين رئيسيين منعا اندلاع العنف في شوارع الضفة الغربية في السنوات الأخيرة.

السبب الأول هو السلطة الفلسطينية، التي أثبتت في أكثر من مناسبة في هذه الفترة، أن لديها القدرة على السيطرة على ما يحدث في الأراضي الفلسطينية. حتى خلال أيام عملية “الجرف الصامد” في 2014 وعملية “عمود السحاب” في 2012 بقيت الضفة الغربية واحدة من أكثر المناطق هدوءا في المنطقة، إن لم تكن الأهدأ.

قامت السلطة الفلسطينية بتنفيذ موجة من الإعتقالات الجماعية لنشطاء في حماس والجهاد الإسلامي، وأحبطت عددا من الهجمات وحافظت بشكل منتظم على التنسيق الأمني مع الجيش الإسرائيلي على الرغم من التوترات على المستوى الدبلوماسي بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

صورة توضيحية لفلسطيني خلال اشتباكات مع قوات حرس الحدود الإسرائيلية في الضفة الغربية (Issam Rimawi/Flash90)

صورة توضيحية لفلسطيني خلال اشتباكات مع قوات حرس الحدود الإسرائيلية في الضفة الغربية (Issam Rimawi/Flash90)

القرار الإسرائيلي بتأخير تحويل عائدات الضرائب، ونتيجة لذلك الدفع الجزئي لرواتب موظفي السلطة الفلسطينية – بما في ذلك رواتب أعضاء كبار في الأجهزة الأمنية – هو ضربة موجعة لقدرة السلطة الفلسطينية على العمل، وبكل تأكيد على فعالية ومعنويات قوات الأمن الفلسطينية.

في كل فرصة تشدد السلطة الفلسطينية على أنها ضد الإنتفاضة، ولكن قد تصبح السلطة الفلسطينية من دون أهمية إذا استمر تجميد الضرائب. في أقل السيناريوهات سوءا، قد يتم حث أعضاء فتح على النزول إلى الشوارع. في أسوأ السيناريوهات، قد تنهار السلطة الفلسطينية، وكان وزير الخارجية الأمريكي جون كيري قد حذر من حدوث ذلك في الأسبوع الماضي، وقد يملأ الفراغ الذي ستتركه السلطة عناصر عنيفة من حماس والجهاد الإسلامي أو حتى قوى أكثر تطرفا.

السبب الثاني في عدم اندلاع انتفاضة ثالثة حتى الآن هو جودة الحياة في الضفة الغربية. منذ عام 2007 على الأقل (عندما استولت حماس على السلطة في قطاع غزة) تحسنت الأوضاع بشكل ملحوظ. الإقتصاد كان بمثابة “مورفين” بالنسبة لإسرائيل، دواء سحري يمنع الحشود من الخروج من منازلها خلال الأيام المضطربة وإنطلاق انتفاضة ثالثة.

ولكن، وخاصة في الآونة الأخيرة، تم اتخاذ خطوات إسرائيلية تعمل على الإضرار بظروف المعيشة الأساسية للفلسطينيين – على سبيل المثال قطع التيار الكهربائي. هل سيساعد ذلك إسرائيل وشركة الكهرباء في تسريع دفعات السلطة الفلسطينية لسداد ديونها؟ السلطة الفلسطينية في هذه المرحلة غير قادرة حتى على دفع الرواتب لموظفيها.

الخبراء يحكون رؤوسهم حيرة حيال قرار قطع الكهرباء، وأكثر من ذلك، حيال التوقيت الغريب لهذا القرار. يُحسب لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أنه خلال فترة السنوات الست له في المنصب عرف تجنب دخول أزمة حقيقية في الضفة الغربية من خلال استخدام نهج تكتيكي ومدروس، واستعداده لسماع مسؤولين أمنيين مطلعين على الأوضاع على الأرض.

لقد دعم تعزيز الأنشطة المشتركة بين الجيش الإسرائيلي وقوى الأمن الفلسطيني، وهو الأمر الذي أثبت فعاليته للجانبين.

عمليات البناء في مدينة روابي 23 فبراير 2014 (فلاش 90)

عمليات البناء في مدينة روابي 23 فبراير 2014 (فلاش 90)

عندما بدأت القدس بالإشتعال قبل عدة أشهر، سارع إلى النأي بنفسه عن أعضاء البرلمان المتشددين الذين قاموا بزيارة الحرم القدسي، وقام بتنسيق موقفه مع الملك الأردني لتهدئة الأوضاع. عندما قام مسؤول كبير في حكومته بالإجتماع مع محمد دحلان، الخصم المرير لمحمود عباس، قام هو بإرسال برقيات تهدئة للسلطة الفلسطينية عبر رئيس جهاز الشاباك.

أفضل مثال على النهج الحذر لحكومته كان عند بناء المدينة الفلسطينية الجديدة “روابي”، المشروع الذي تقدم في السنوات الأخيرة، على الرغم من خلاف دبلوماسي حقيقي بين رئيس الوزراء في القدس والسلطة الفلسطينية في رام الله. روابي، التي من المفترض أن تكون مدينة فلسطينية للطبقة الوسطى، هي تجسيد للسلام الإقتصادي الذي يحاول نتنياهو الدفع به كبديل للالإنسحاب من الضفة الغربية.

حتى وزير الدفاع موشيه يعالون، الذي لا يمكن اعتباره حمامة سلام بيضاء، أدرك أهمية مدينة الطبقة المثقفة والشابة الفلسطينية كمشروع إجتماعي-إقتصادي، وقدرتها على المساهمة في الحفاظ على السلام. لذلك، فإن التعنت الأخير للحكومة الإسرائيلية، في عدم السماح لروابي بالإرتباط بشبكة المياه، كما أوردت تايمز أوف إسرائيل في نهاية الأسبوع الماضي، يبدو كتراجع حقيقي عن النهج الحذر، ويعكس بدلا من ذلك توجها استفزازيا يهدف إلى توتير الأوضاع.

يقول مسؤول دبلوماسي أوروبي رفيع المستوى، والذي تحدث مؤخرا مع شخصيات إسرائيلية رفيعة في الحكومة الإسرائيلية حول هذه القرارات، أن “لا أحد يتوقع من إسرائيل والسلطة الفلسطينية القيام بأية خطوات دراماتيكية قبل الإنتخابات، ولكننا لا نفهم حقا ما الذي يجعل إسرائيل تصمم على الخطوات السلبية. روابي هي أكثر الأمثلة الغير منطقية، لأنه بكل تأكيد من مصلحة إسرائيل تمكين رفع مستوى المعيشة للفلسطينيين، ولكن مسألة الضرائب تثير أيضا الكثير من الأسئلة بالنسبة لنا. إذا أراد [الإسرائيليون] منع انفجار، بإمكانهم حل ذلك. ولكنهم إذا أصروا على عدم حل الأمور، فقد يكونوا يرغبون بشيء آخر”.