بعد مسيرة التضامن الضخمة في باريس في الشهر الماضي، فإن خطة رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو إلقاء كلمة أمام جلسة مشتركة للكونغرس في شهر مارس المرة الثانية في هذا العام، والذي لا يزال في بدايته، التي يظهر فيها الزعيم الإسرائيلي في عاصمة حليف رئيسي ضد إرادة رئيس الدولة المستضيفة.

المرة الأولى انتهت بخلاف دبلوماسي كبير؛ الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند لم يرغب بحضور نتنياهو إلى المسيرة، ولكن بعد أن أصر رئيس الوزراء على الحضور، قامت باريس بدعوة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس كذلك ليكون هناك توازن.

ولكن إصرار نتنياهو على الحضور إلى واشنطن ومهاجمة السياسة الأمريكية بشأن إيران، في خطاب مقرر في 3 مارس أمام الكونغرس تم التخطيط له من وراء ظهر الإدارة الأمريكية، قد يسبب المزيد من الأضرار لعلاقات متوترة أصلا بين القدس والبيت الأبيض.

يوم الخميس، ذكرت صحيفة “هآرتس” أن عددا من القناصلة وصفوا خطاب نتنياهو المقرر إلقاءه في الكونغرس “خطأ فادحا”. حتى إيباك، اللوبي المؤيد لإسرائيل بقوة، عارض خطة رئيس الحكومة بحسب ما أوردت إذاعة الجيش والقناة الثانية، مع أن المنظمة لم تؤكد هذه التقارير.

هل يجدر بنتنياهو إلغاء الخطاب؟ حسنا، هذا أحد الخيارات. بالنظر إلى الأهمية الكبرى للعلاقات الإسرائيلية مع القوة العظمى الوحيدة في العالم، يستحسن أن يدرس رئيس الوزراء كل الخيارات المطروحة أمامه.

الخيار الأول: إلغاء الخطاب

أولا، بإمكانه ببساطة إلغاء الخطاب. ليس من الصعب صياغة سيناريو سيمكنه الخروج من وضعية الزيارة إلى واشنطن بأكملها مع الحفاظ على ماء الوجه: بإمكانه التذرع بصعوبات مفاجئة في جدول أعماله، ضرورات طبية، أو حالات طوارئ أو التزامات أخرى؛ الأوضاع الجارية هنا لا تخلو أبدا من الإثارة، بالإمكان الاعتماد على ظهور ذرائع أكثر وأقل مصداقية.

من الواضح أن الإدارة الأمريكية تفضل هذا الخيار، ولكن بالحكم على تصريحات نتنياهو الأخيرة فهو يبدو السيناريو الأقل احتمالا. قبل أسبوعين من الإنتخابات، لن يتخلى رئيس الوزراء بسهولة عن فرص لالتقاط صور تذكارية وامتيازات انتخابية محلية قد تأتي بها رحلة إلى العاصمة الأمريكية، وخاصة إذا كان تغيير المسار قد ينطوي على المخاطرة بتصويرك كضعيف وأسوأ من ذلك من قبل خصومك السياسيين.

الخيار الثاني: اجتماعات أقل علانية

خيار آخر، قد يكون مفيدا أكثر لنتنياهو هو الإعلان بأنه سيتنازل عن الجلسة المشتركة مع الكونغرس، ولكنه سيحضر إلى واشنطن لإجراء لقاءات مع نواب كبار في الكونغرس ومسؤولين في البيت الأبيض، يستطيع من خلالها أن يطرح وجهة نظره ضد الإتفاق الإيراني المتوقع بشكل أقل علانية (وأقل استفزازا بالنسبة للإدارة الأمريكية). عدد من النواب الأمريكيين من الحزبين اقترحوا تسوية كهذه.

يقول عوديد عيران، باحث بارز في معهد دراسات الأمن القومي ونائب سابق لرئيس السفارة الإسرائيلية في واشنطن أن “الإسرائيليين والأمريكيين مصرين على مواقفهم حاليا، ولكن هناك طريقة للطرفين للحفاظ على ماء الوجه. ما يحتاجون إليه هو تفكير مبدع”.

بإمكان رئيس الورزاء أن يعلن أن كل ما أراده هو توصيل رسالته بشأن قلقه من الإتقاق مع إيران وأنه لم تكن لديه أية نية في إهانة الرئيس باراك أوباما، كما يقترح عيران. لذلك، بدلا من الإصرار على إلقاء كلمة أمام الكونغرس، على نتنياهو أن يطلب الإجتماع بقادة جمهوريين وديمقراطيين في مجلس الشيوخ ومجلس النواب ورؤساء لجان الشؤون الخارجية والإستخبارات، وتوضيح وجهة نظره وراء أبواب مغلقة بدلا من القيام بذلك أمام كاميرات التلفزيون.

ألن يكون هذا التغيير في الموقف مهينا لنتنياهو، الذي أعلن مرارا وتكرارا بأنه سيتحدث عن إيران في كل مكان يتم دعوته إليه؟ “على العكس، سيقوم بتسجيل نقاط في إسرائيل والولايات المتحدة”، كما يقول عيران، الذي أضاف أنه إذا قام رئيس الوزراء بالمبادرة إلى حل أزمة الخطاب فسيظهر بصورة البالغ صاحب المسؤولية.

ولكن على الأمريكيين أيضا القيام ببادرة، ربما من خلال ترتيب لقاء خاص يجمع بين نتنياهو ونائب الرئيس الأمريكي جو بادين، كما يقول عيران. “سيقوم الجميع يتسجيل نقاط؛ الطرفان يقولان أنهما لا يريدان القيام بلعب سياسية في ساحة الطرف الآخر وأن الهدف فقط هو مناقشة القضايا المطروحة”.

الخيار الثالث: التأجيل

خيار آخر أمام نتنياهو وهو تاجيل خطابه أمام الكونغرس إلى ما بعد الإنتخابات الإسرائيلية.

الإنتقادات الموجهة إلى قراره في السفر إلى واشنطن تحدثت بمعظمها عن حقيقة أن الخطاب قريب من 17 مارس، وبالتي يبدو أن ذلك يخدم حملته الإنتخابية أكثر من أي شيء آخر. عللت الإدارة الأمريكية رفض إجراء اجتماع بين نتنياهو وأوباما ووزير خارجيته جون كيري بقرب موعد الزيارة من موعد الإنتخابات.

المشلكة الواضحة في هذا الخيار هي أن هدف ننتنياهو الرئيسي من إلقاء خطاب في الكونغرس هو تحذير النواب من مخاطر اتفاق ضعيف مع إيران. وزارة الخارجية الأمريكية حددت الموعد الأخير للتوصل إلى اتفاق سياسي مع إيران في نهاية مارس، بعد أيام من توجه الإسرائيليين إلى صناديق الإقتراع. ونتنياهو “يشعر بالتزام أخلاقي عميق للظهور والتحدث أمام الكونغرس بينما لا يزال هناك وقت أمامه لصنع تغيير”، كما قال السفير الإسرائيلي في واشنطن رون ديرمر.

الخيار الرابع: مساعدة صديق

إذا كان التوقيت يجعل من التأجيل مستحيلا، على نتنياهو أن بأخذ منافسه الرئيسي على رئاسة الحكومة – زعيم “المعسكر الصهيوني” يتسحاق هرتسوغ – معه إلى واشنطن، كما يقترح إيتان غلبواع، خبير في العلاقت الإسرائيلية-الأمريكية في معهد بيغين-السادات للدراسات الإستراتيجية. لتجنب الإنطباع أن الخطاب يخدم هدفا سياسيا فقط، على نتنياهو أن يحرص على أن بحظى هرتسوغ بفرصة التحدث أمام مؤتمر إيباك وكذلك في الكونغرس، كما يقول غلبواع.

ويقول، “هذه أفضل طريقة لإظهار موقف إسرائيلي موحد. هرتسوغ يشعر أيضا بالقلق إزاء إيران، بقدر نتنياهو. لكي يكون هذا الخطاب مؤثرا، فإما أن تقوم بتأجيله أو أن تأخذ هرتسوغ معك”.

من الواضح أن نتنياهو ومستشاريه ما زلوا يعتقدون أن الخطاب المقرر أمام الكونغرس قد يساعد على وقف المد وانقاذ العالم من اتفاق سيء مع إيران. يقول دوري غولد، مستشار بارز لنتنياهو في مقابلة أُجريت معه هذا الأسبوع في مجلة “فاثوم”، “رفض رئيس الوزراء لدعوة كهذه سيكون خطأ فادحا”، ويضيف، “أكثر من ذلك، القدوم إلى مجلسي الكونغرس والتحدث أمامهما ليس بأمر جائز فقط، بل هو مسؤولية وطنية، نظرا لطبيعة التهديد الإيراني الآخذة بالنمو”.

لا يوافق غلبواع مع وجهة النظر هذه على الإطلاق، ويرى أن الخطاب يحمل معه احتمال التسبب بأضرار حقيقية لإسرائيل، ويقول، “الأمر برمته كات خطأ منذ البداية”. إذا أصر نتنياهو على موقفه، فهو يجبر الديمقراطيين على الوقوف إلى جانب الرئيس وضد الزعيم الإسرائيلي. “هذه ليست مجرد أزمة أخرى بين نتنياهو والبيت الأبيض – فهي تتحول إلى أزمة مع الكونغرس، المؤيد رقم واحد لإسرائيل في الولايات المتحدة. الذهاب إلى الكونغرس وتدمير تأييد الحزبين سيكون خطأ كبيرا بالنسبة لإسرائيل”.