عندما لا يعرف سياسي ما إذا كان يساريا أو يمينيا، فيكون عادة يساريا، كما قال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مؤخرا في إشارة إلى رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق والنجم الصاعد كما يبدو في موسم الإنتخابات الحالي بيني غانتس.

ما زال الجمهور لا يعرف الكثير عن مواقف غانتس السياسية، ولكن يوم الإثنين قدم لمحة أولية، لا تتعلق كثيرا بآرائه في قضايا مختلفة، ولكن على الأقل بالطريقة التي يريد أن ينظر إليه الجمهور من خلالها: كشخص في البيت في قلب الإجماع الإسرائيلي.

في تضامن مع متظاهرين دروز وصلوا إلى منزله في روش هعاين للاحتجاج على “قانون الدولة القومية اليهودية”، تعهد غانتس بأنه سيحاول “إصلاح” التشريع المثير للجدل.

التدخل الذي تعهد به من أجل مجتمع يخدم أفراده في الجيش الإسرائيلي، والذين يرون أن القانون يجعل منهم مواطنين من الدرجة الثانية لأنه لا ينص على المساواة الكاملة لجميع المواطنين الإسرائيليين، أثار طوفانا من الإنتقادات من حزب نتنياهو، “الليكود”، والوزيرين من حزب “اليمين الجديد”، نفتالي بينيت وأييليت شاكيد.

يجادل المنتقدون أن التشريع لا يحتاج إلى الإصلاح. (المدافعون عن القانون يشيرون إلى أن الالتزام بمساواة كاملة لجميع الإسرائيليين منصوص عليه في تشريعات أخرى). تعهد غانتس بتغيير القانون، كما يقولون، يؤكد على ما اشتبهوا به منذ فترة طويلة: رئيس هيئة الأركان الأسبق هو رجل يساري.

حزب الليكود لم يدخر في الكلمات. “عندما يهاجم غانتس قانون الدولة القومية وتقوم تسيبي ليفني بتهنئته على ذلك، يعرف الجميع ما هو واضح: غانتس هو يسار، تماما مثل [رئيسي حزب “يش عتيد” يائير] لابيد”، كما جاء في بيان لحزب نتنياهو.

أمير أوحانا، أحد أعضاء الكنيست عن حزب “الليكود”، ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك وكتب (في تغريدة باللغة العبرية) أن غانتس انضم إلى معسكر النائب العربي المخضرم أحمد الطيبي.

ولكن اليسار الإسرائيلي لم يكن هو أيضا راضيا عن غزوة غانتس الأولى في الساحة السياسية. رئيسة حزب ميرتس، تمار زاندبيرغ، قالت إن “قانون الدولة القومية لا يحتاج إلى الإصلاح”، مضيفة أن مجرد اقتراح ادخال تغييرات على صيغة القانون يشكل “انتصارا حقيقيا لليمين”.

الإطراء جاء من وسط-اليسار، حيث رحب رئيس حزب “العمل”، آفي غباي، ورئيسة حزب “هتنوعاه”، ليفني، بتصريحات القائد الأسبق للجيش. ورحب قائد حزب الوسط “يش عتيد”، لابيد، هو أيضا بتصريحات غانتس، وأضاف أن حزبه وعد منذ مدة طويلة بتعديل القانون في استجابة لانتقادات الدروز وغيرهم من القطاعات.

رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق بيني غانتس مع أفراد ونشطاء من الطائفة الدرزية خارج منزله في روش هعاين خلال مظاهرة ضد قانون الدولة القومية، 14 يناير، 2019. (Flash90)

هجوم غانتس على قانون الدولة القومية – الذي احتفى به اليمين الإسرائيلي عند تمريره في شهر يوليو باعتباره انجازا تاريخيا للصهيونية الحديثة – حوله إلى هدف سهل لخصومه السياسيين.

المحلل السياسي لشبكة “حداشوت” الإخبارية، عميت سيغال، كتب في تغريدة له إن “جميع استطلاعات الرأي” تشير إلى أن غالبية كبيرة من الجمهور الإسرائيلي، “من ضمنهم وسطيين” يدعمون التشريع، والتصريح السياسي الأول لغانتس قد يكون “أول خطأ سياسي” له.

ولكن على الرغم من الإزدراء الذي عبّر عنه اليمين، فإن غانتس لم يعترض على العناصر غير الخلافية في قانون الدولة القومية، والتي، من بين بنود أخرى، تحدد أن إسرائيل هي “البيت القومي للشعب اليهودي” وشكل العلم الإسرائيلي. غانتس لم يدعو إلى إلغاء القانون بشكل قاطع.

على العكس من ذلك، في تضامنه مع شكاوى الأقلية الدرزية بشأن التشريع، أشار ضمنيا إلى معارضته للبنود الأكثر إثارة للجدل في القانون، مثل ما يبدو كخفض لمكانة اللغة العربية والبند الذي ينص على أن “ممارسة حق تقرير المصير في دولة إسرائيل حصرية للشعب اليهودي”، وربما مع فشل واضعيه في إدراج بند حول المساواة لجميع المواطنين.

في هذا الموقع، ينضم غانتس إلى كثير من الإسرائيليين، بما في ذلك البعض من أصحاب أوراق الاعتماد الحقيقية في معسكر اليمين.

عضو الكنيست بيني بيغين من الليكود، على سبيل المثال، رفض التصويت مع مشروع القانون، ورئيس جهاز الموساد السابق، تمير باردو، قال إن القانون يشكل “ظلما” للسكان غير اليهود في إسرائيل.

وصرح باردو خلال مظاهرة في تل أبيب ضد التشريع في أوائل شهر أغسطس، حضرها عدد آخر من الشخصيات الأمنية الكبيرة، إن “المسألة ليست مسألة يمين أو يسار. هذه ليست قضية تتعلق بالحزب الذي ستصوتون له. إنها مسألة قيّم”.

وفي شهر سبتمبر، قال رئيس الدولة رؤوفين ريفلين، مشرع سابق عن حزب الليكود، إن القانون “سيء لدولة إسرائيل وسيء لليهود”.

وقد عارضت أيضا العديد من المجتمعات اليهودية في الشتات، بمن فيها مظلة منظمة “اتحادات يهود أمريكا”، هي أيضا التشريع بقوة.

إسرائيليون من أبناء الطائفة الدرزية يشاركون في تظاهرة ضد قانون الدولة القومية الإسرائيلي، في تل أبيب، 4 ديسمبر، 2018. (AP Photo/Sebastian Scheiner)

على الرغم من جهود اليمين لتصوير غانتس على أنه يساري رقيق المشاعر بسبب وضع ثقله السياسي الجديد وراء الدروز، فإن دعم هذا المجتمع، وفي الواقع جميع الإسرائيليين غير اليهود الموالين والملتزمين بالقانون والذين يدفعون الضرائب ومواطني الدولة الذي يخدمون في الجيش، يمتد إلى أقصى الحدود عبر ألوان الطيف السياسي.

في رد على الهجوم الذي شنه حزب “اليمين الجديد” على تصريحاته في وقت متأخر من يوم الإثنين، شدد حزب غانتس، “الصمود من أجل إسرائيل”، على هذه الحقيقة، وأشار الحزب إلى تغريدة لنفتالي بينت من يوليو 2018، قال فيها وزير التربية والتعليم إنه أجرى مشاورات مع “إخوتنا الدروز” أدرك بعدها إن القانون في شكله الحالي “ضار جدا وخاصة لكل من ربط مصيره بمصير الدولة اليهودية”.

نفتالي بينيت في 15 نوفمبر، 2018. (Miriam Alster/Flash90)

وكتب بينيت “هذا بالطبع لم يكن قصد الحكومة الإسرائيلية”، مضيفا أن من مسؤولية الحكومة الآن ايجاد طريقة ل”تضميد الجرح”.

وفي الواقع، حتى نتنياهو أقر بأن القانون خلق مشكلة بحاجة إلى حل. وكان رئيس الوزراء قد رفض بشدة الدعوات إلى تغيير القانون، لكن عندما خرج عشرات آلاف الإسرائيليين إلى الشوارع للاحتجاج على التشريع بعد تمريره في يوليو، قرر هو أيضا أن هناك حاجة للقيام بشيء ما.

متظاهرون يلوحون بأعلام إسرائيلية وأعلام الطائفة الدرزية في تظاهرة في تل أبيب ضد قانون الدولة القومية في 4 أغسطس، 2018. (Luke Tress / Times of Israel staff)

وقام نتنياهو بتشكيل “لجنة وزارية خاصة” للدفع قدما ب”الصلة العميقة” بين اليهود والدروز في إسرائيل، وطلب من مساعديه الاجتماع مع رؤساء السلطات المحلية غير اليهودية والوزارات المعنية، و”تقديم خطوات مجدية للجنة لإزالة المعوقات خاصة فيما يتعلق بالسكن والعمل”.

واجتمعت ما أطلق عليها اسم “اللجنة الوزارية المعنية بشؤون الدروز والشركس وأبناء الأقليات الذين يخدمون في قوى الأمن” مرتين في شهر أغسطس، ولم يتم عقدها منذ ذلك الحين.

رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو يلتقي مع رؤساء السلطات المحلية الدرزية في مكتبه في القدس لمناقشة قانون الدولة القومية، 29 يوليو، 2018. (Kobi Gideon/GPO)

وقال وزير الاتصالات أيوب قرار (الليكود)، وهو أحد الدروز القلائل الذين أيدوا قانون الدولة القومية، يوم الإثنين، في تعليق على تصريحات غانتس، “كما وعدنا رؤساء الطائفة الدرزية، سنواصل العمل من أجل تطبيق المخطط الذي اتفقنا عليه وسنكمله في أقرب وقت ممكن”.

حيلة ذكية أو مصادفة؟

من غير الواضح ما إذا كان غانتس قد خطط بحرص لتصريحه العلني الأول كسياسي أو كان مركزا على قضية حساسة للغاية. هل كانت هذه حيلة ذكية لاستفزاز اليمين ودفعه إلى إطلاق كل ما لديه من ذخيرة عليه بسبب قانون لا يشعر العديد من الناخبين المحتملين لليكود بالراحة معه؟ أو ربما اختار هذه القضية لأنها تسمح له بتمييز نفسه عن نتنياهو من دون أن يكون مضطرا لمناقضة رئيس الوزراء في سياسات يمينية أخرى، على سبيل المثال فيما يتعلق بإيران والفلسطينيين؟

أم أنه كان من باب الصدفة أن يختار نشطاء من “المنتدى لتعديل قانون القومية” غانتس كأول سياسي يتوجهون له هذا الأسبوع؟ (في وقت لاحق من الأسبوع، تعتزم المجموعة إجراء احتجاجات مماثلة أمام منازل وزيرة العدل شاكيد ولابيد ونتنياهو وسياسيين بارزين آخرين).

لا زال من المبكر تقييم غانتس، لكن النظرة الخاطفة على مواقفه السياسية التي اتاحها للجمهور يوم الإثنين لا تقول الكثير عما إذا كان يساريا، يمينيا، أو ما بينهما.

إذا كان أي شيء، فبدلا من إثبات كونه يساريا (كما يزعم اليمين) أو يمينيا (كما يزعم اليسار)، فتصريحه يشير إلى توجه وسطي. لأن كل ما فعله الإثنين كان مجرد الإعراب عن تضامنه مع مواطنين إسرائيليين موالين ومنتجين يصادف أنهم غير يهود، وتعهد ب”إصلاح” جوانب من قانون يعتبره الكثير من الإسرائيليين، حتى في اليمين، معيبا.

في الوقت الحالي، بغض النظر عن جهود الخصوم بتصنيفه في مكان آخر، يبدو أن غانتس يسعى بحزم إلى البقاء داخل إجماع التيار السائد الإسرائيلي.

وبالتالي من يبحث عن محاولة فهم واضحة لنوعية البديل لنتنياهو الذي يحاول أن يقدمه غانتس، المبتدئ الجديد في الساحة السياسية، سيكون عليه الانتظار بعض الوقت.