كنت أشاهد التلفاز بعد ظهر يوم الإثنين في أمريكا عندما اهتز الصوت بشكل مغاير، ساعات قليلة بعد أن هددت بلطجة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” بضرب الولايات المتحدة كإستمرارية لإعتداءات باريس الجمعة. وكما أفعل دائما عندما أكون بعيدا عن المنزل، أفكر كثيرا بدولتي إسرائيل النابضة بالحياة، بلد المعارك والتجريح.

حيث تُظهر شاشة CNN، “تشدد مدن الولايات المتحدة الإجراءات الأمنية بعد هجوم باريس. يشمل تهديد جديد لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) هجمات على واشنطن”. وعرضت الشبكة مقابلات مع سياسيين وقادة عسكريين وخبراء أمن. يقولون للمشاهدين أن حماية كل مقهى وقاعة حفلات من هجوم ارهابي محتمل هو أمر ببساطة مستحيل. إنهم يصفون تنظيم الدولة كأسوأ آفة إرهابية يمكن ذكرها. يجادلون حول ما إذا كان الرئيس باراك أوباما محق في إصراره على عدم ارسالة قوات مشاة لمحاربة التظيم في سوريا والعراق.

المتحدثون، من الرئيس نزولا، يبدون لي ضائعين بعض الشيء. دايان فاينشتاين، وهي عضو في مجلس الشيوخ منذ أكثر من 20 عاما والتي كانت قد جلست في لجان قوية مثل لجنة الشؤون الخارجية والإستخبارات، تمتمت شيئا غير مترابط حول الحاجة إلى “تماسك العالم الغربي معا لتوفير بعض العناصر الأمنية”. مجموعة من الجمهوريون الذين قد يشغلون منصب الرئيس، حثوا على ما تدمير الصعب ولكن المعمم بدقة للدولة الإسلامية على الأرض بكلمات بدت كلمات قوية ولكنها معممة تماما. “علينا تدميرهم”، أعلن جيب بوش. “أريد مقاتلتهم في عقر دارهم، كي لا نضطر لمقاتلتهم على أرضنا”، صرخت ليندسي غراهام. لقد هاجم الرئيس مؤخرا منتقديه في مؤتمر صحفي، نافيا اقتراحاتهم بنفس الطريقة التي استخدمها لتهوين اعتراضات بنيامين نتنياهو على الصفقة الإيرانية وتمكين الاتفاق النووي: “يريد الجميع التكلم والتعبير عن آراءهم حول ما يعتقدون بانهم سيفعلون؟ قدموا خطة محددة”، ينفجر الرئيس. (لقد فعل نتنياهو ذلك بالضبط بموضوع إيران، لكن بطبيعة الحال، لم يساعده ذلك).

الجمهور والمعلقين وصفوا سفك الدماء الذي وقع في 13 نوفمبر ب”11/09 الفرنسي”. في طرق متعددة، على الرغم من أنه كان يوما تعرضت به باريس لإعتداء إرهابية شبيها لما اعتدنا أن نرى هنا، لكن أصغر منه في الواقع، لقد تحملت إسرائيل نفس النوع من الهجمات لسنوات. ولا حتى أثناء الإنتفاضة الثانية، خلال الهجمات الإستراتيجية لإنتحاريي حماس وفتح التي ضربت إسرائيل في السنوات الأولى من هذا القرن، لم يتمكن أعدائنا الإرهابيين من قتل 129 منا في ليلة واحدة. استغرقهم الأمر فترة أطول قليلا: في مارس 2002 وحده، قتل نحو 120 مدنيا إسرائيليا على يد فلسطينيين.

كما استهدفت التفجيرات وهجمات المسلحين حافلاتنا ومراكز التسوق لدينا وفنادقنا وكلياتنا ومطاعمنا، قمنا بشيئين، اللذان سيتوجب على فرنسا، الولايات المتحدة وبقية العالم الحر القيام بهما إذا أرادوا هزيمة إرهاب المتطرفين الحقير هذا: لقد تعلمنا كيفية الحد من ضعفنا أمام الإرهاب، وهاجمنا القتلة في مراكز عملهم. بشكل قصير النظر، ومنافق ومستمر، لم يفهم المجتمع الدولي، بما في ذلك معظم العالم الغربي، الحاجة للإستراتيجية السابقة، وانتقدنا للتصرف بموجبها.

جعلنا من الصعب على الإرهابيين قتلنا عن طريق القيام بما يدعي خبراء الـ CNN هؤلاء أن يكون مستحيلا: نعم، قمنا بحماية جميع المقاهي، والمطاعم، ومراكز التسوق، ومداخل الفنادق، والحافلات، وكل مكان عام آخر حيث يتجمع مواطنينا، مع وضع حواجز وأجهزة كشف عن المعادن وحراس أمن في كل مكان؛ بعد كل هذه السنوات، مازال لا يستطيع المهاجمون الإنتحاريون دخول مسارحنا وقاعات الحفلات الموسيقية لدينا. لقد عززنا جمع المعلومات الإستخباراتية في الأراضي الفلسطينية المعادية لوجودنا بشراسة، ولا سيما في مدن الضفة الغربية التي انسحبنا منها قبل سنوات في السعي دون جدوى لهدف التعايش السلمي. وأمام الغضب المستمر للنقاد المضللين في كل مكان، قمنا ببناء حاجز أمني – مزيج من الأسوار ومقاطع جدار – بحيث لا يمكن للإنتحاريين الفلسطينيين الدخول ببساطة بالسيارة إلى إسرائيل ومهاجمتنا. أصبحنا أمة من محللي الأمن الداخلي، نبحث اين نتسوق وهل نستقل الحافلات أم لا بينما سعينا للحد من التعرض للمهاجمين. وقمنا بتعليم ذلك.

لقد اعتمدنا أيضا الهجوم، لا سيما بعد مارس 2002 الأسود، عندما أطلقنا عملية عسكرية رئيسية لتدمير “البنية التحتية” للإرهاب في الضفة الغربية – مصانع لصنع القنابل وخطوط إنتاج تلقين الإنتحاريين. جزء كبير من المجتمع الدولي، مضللين من قبل بعض الصحافة البائسة بشكل خاص، حرفت العملية، ورددت الإدعاءات الفلسطينية الكاذبة حول عدد القتلى، – ولا سيما تلك التي قادها الرئيس السابق جورج بوش – حيث أصر على ايقاف العملية والخروج. لكننا لم نفعل. ولهذا السبب، في عام 2015، عندما تقوم القيادة السياسية والروحية لوسائل الإعلام الفلسطينية الحالية، بإثارة الناس لقتل اليهود مرة أخرى، نقوم بوقف القتلة والسيارات بالخرسانة الموزعة في الطرقات، بدلا من الإنتحاريين. على الأقل حتى الآن.

تتصارع فرنسا والولايات المتحدة وبقية الغرب الآن مع العديد من المعضلات المضنية التي عشناها لسنوات. كيف يمكنك الحفاظ على حريتك الخاصة، يسأل الغرب نفسه، في حين تعالج مشكلة الأعداء الذين يسيئون استخدام جميع الحريات؟ أي نوع من القوانين بحاجة إلى سنها؟ لمن تسمح بعبور حدودك؟ تحت اي من الظروف ينبغي القيام بإعتقالات وقائية، واحتجاز المشتبه بهم دون محاكمة، ومراقبة الإنترنت، وتقييد التحريض؟ ليس ذلك سهلا، أليس كذلك؟

كيف يمكنكم التقليل من التهديد بالقتل لمواطنيكم دون موت عدد كبير جدا من جنودكم؟ ودون قتل الكثير من المدنيين (الداعمين للإرهاب في كثير من الأحيان) منهم حيث يعيش بينهم عدوكم؟ هذه معضلة أخرى تصارعنا معها طويلا. خرجنا من غزة عام 2005، استولت حماس على السلطة في عام 2007، ودخلنا ثلاث مرات منذ ذلك الحين في صراع لإحباط هجمات الإسلاميين اللا هوادة فيها على إسرائيل. لكننا نعلم أنه لا يمكننا القضاء على الفكر المتطرف بالقوة. ونحن لا نريد الانجرار من جديد الى مستنقع غزة. قال رجل لي ذات مرة: “يمكننا استعادة الأراضي. وطالما نترك قواتنا هناك، يمكننا الإحتفاظ بها، ولكن لن يحل هذا المشكلة الأساسية وهي القضاء على الديناميات المنتج لهذه الجماعات المتطرفة العنيفة”. كان هذا الرجل الرئيس أوباما، الذي تحدث يوم الاثنين، حول سوريا والعراق. قد تريد أن تؤمن الآن، انه يفهم اكثر قليلا التحديات التي نواجهها.

كنت سترغب في الإعتقاد، الآن، أنه وغيره من زعماء العالم أصحاب النوايا الحسنة الذين يقولون لنا تحملوا المخاطر من أجل السلام، والذين يقولون أننا يمكن التخلي بشكل آمن عن الأراضي المجاورة حتى في منطقتنا الغادرة من الشرق الأوسط، والذين يقولون أننا لا نعرف أين تكمن مصلحتنا، قد يقومون بإستيعاب أنه ربما، ربما فقط، الأمر ليس بهذه البساطة. ربما نحن الإسرائيليين، نقاوم بعناد السياسات المنصوص عليها دوليا والتي نخشى أن تشكل انتحارا وطنيا، لسنا حمقى في النهاية.

إنني لا أحبس أنفاسي.

في الواقع، إنني انتظر رؤية كم من الشخصيات البارزة، الذين تتوقع منهم أن يعوا أفضل من ذلك، ستحذو حذو وزيرة الخارجية السويدية وينجحون بطريقة أو بأخرى بتوريط إسرائيل جزئيا بمنكرات عباد الموت الذين أقنعوا أتباعهم بالقتل والموت باسم الله. ان هذه الحجة مثيرة للسخرية لدرجة انه يمكن نصها: إذا وفقط قمنا بما أوصانا به المجتمع الدولي، كما يلمح الإدعاء على ما يبدو، والتخلي عن الضفة الغربية مثل ما تخلينا عن غزة (واضعين بلدنا بأكمله عرضة لخطر كبير في فعلنا ذلك)، ربما لم كان تنظيم “الدولة الإسلامية” سيقوم بذبح 129 شخصا في باريس، ولكا كان سيهدد الآن الولايات المتحدة.

بصراحة، هنا تفشل الكلمات.

على الأقل، مع ذلك، أنا أوصي قادة ورؤساء الأجهزة الأمنية في فرنسا وبقية أوروبا وأمريكا الشمالية اللجوء إلى نظرائهم الإسرائيليين والذين كثيرا ما انتقدوهم وحكموا عليهم سلبا، للإستفادة من خبرتنا المريرة المتراكمة في محاربة الإرهاب.

ليس هناك دفاع مطلق ضد الإرهاب. وليس هناك علاج شامل له أيضا. ولكن هناك استراتيجيات فعالة.

إسرائيل لما كانت نجحت في الصمود من دون هذه الإستراتيجيات. الجمعة في باريس بين أن باقي العالم الحر بحاجة إلى تبني الكثير منها أيضا.