على طول الطريق المغبر إلى الطيرة، وهي بلدة عربية إسرائيلية يبلغ عدد سكانها 26,000 نسمة ، استثمرت أحزاب اليسار والوسط في إسرائيل في لوحات إعلانية لماعة باللغة العربية.

على لافتة ضخمة لحزب “المعسكر الديمقراطي”  كُتب “هاي المرة، شركاء في الحكومة”، ويظهر عليها الوجه المبتسم لعيساوي فريج، وهو عضو كنيست عربي إسرائيلي من كفر قاسم ورقم 6 على قائمة مرشحي الحزب للكنيست.

وتعد لافتة أخرى وُضعت عليها صورة عمير بيرتس، زعيم تحالف “العمل-غيشر”، ب”برنامج مساواة ودمج المواطنين العرب” و”مناطق صناعية بكل البلدات العربية والدرزية”.

وعلى لافتة إعلانية أخرى حملت صورة بيني غانتس، زعيم حزب “أزرق أبيض” الوسطي، كُتب “التزم بالعمل باسمكم”.

إلا أن أحزاب اليمين لم تكلف نفسها عناء تعليق لافتات على على الشارع الرئيسي للطيرة، حيث حصل حزب “الليكود” في الانتخابات الأخيرة على 44 صوتا فقط، وحزب “كولانو” الأكثر وسطية إلى حد ما فاز ب149 صوتا.

أعضاء في أحزاب الجبهة والحركة العربية للتغيير والقائمة الموحدة في صورة مشتركة خلال مؤتمر صحفي عُقد في الناصرة للإعلان عن إعادة تشكيل ’القائمة المشتركة’، 17 يوليو، 2019. (Flash90)

“القائمة المشتركة”، وهي تحالف يضم أكبر أربع أحزاب ذات أغلبية عربية، هي الكتلة السياسية التي وضعت أكبر عدد من اللافتات في البلدة، معظمها تضمنت صورا لمرشحيها، وكُتب على إحداها “مشتركة أكثر، يمين أقل”، وعلى لافتة أخرى “مشتركة أكثر، مكانة أعلى”.

في الانتخابات العامة الأخيرة التي أجريت في 9 أبريل، أدلى أقل من نصف الناخبين العرب بأصواتهم، بحسب تقرير للمعهد الإسرائيلي للديمقراطية، الذي قدّر أن نسبة إقبال العرب على صناديق الاقتراع وصلت إلى 49.2%، مقابل نحو 63.5% من العرب الإسرائيليين الذين أدلوا بأصواتهم في انتخابات مارس 2015، وفقا للتقرير.

يزعم عدد كبير من السياسيين والناشطين اليساريين أن مشاركة الناخبين العرب بأعداد كبيرة في الإنتخابات قد تلعب دورا رئيسيا في منع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من تشكيل حكومة يمينية جديدة.

وقالت عايدة توما سليمان، عضو الكنيست ومرشحة القائمة المشتركة، لتايمز أوف إسرائيل: “إذا كان لدينا نفس الإقبال على التصويت لعام 2015 – 63٪ – فسيكون ذلك رائعا”.

وأضاف “إن الإقبال الكبير للناخبين العرب واليهود [غير اليمينيين] قد يضمن عدم دخول حزب ’عوتسما يهوديت’ للكنيست”، في إشارة منها إلى حزب أتباع كهانا المتطرف. مثل هذا السيناريو، كما قالت، قد يجعل من مهمة نتنياهو في تشكيل إئتلاف يمين مهمة مستحيلة.

وأظهرت استطلاع الرأي اقتراب عوتسما يهوديت من نسبة الحسم اللازمة لدخول البرلمان. اذا دخل الحزب الكنيست، فإن مقاعده قد تعزز بشكل كبير فرص نتنياهو في تشكيل حكومة.

يقول أريك رودنيتسكي ، وهو خبير في سياسات العرب في إسرائيل، إن عدد أقل من مواطني إسرائيل العرب صوتوا في انتخابات أبريل للتعبير عن اعتراضهم على حل القائمة المشتركة، التي كانت في الكنيست السابقة، وكذلك للاحتجاج على السياسات الإسرائيلية مثل “قانون الدولة القومية”. قبل الانتخابات العامة الأخيرة، انقسمت القائمة المشتركة إلى تحالفين – “الجبهة-العربية للتغيير” و”الموحدة-التجمع”، لكن هذه الأحزاب عادة وتوحدت في تحالف واحد في أواخر يوليو بعد أن حلت الكنيست نفسها وأجبرت الإسرائيليين على التوجه الى انتخابات جديدة.

قانون الدولة القومية المثير للجدل، الذي مررته الكنيست في شهر يوليو، ينص على أن إسرائيل هي “الوطن القومي للشعب اليهودي”، ويعترف بالأعياد اليهودية وأيام الذكرى، وعلى عكس “وثيقة الاستقلال” الإسرائيلية، فهو لا يتضمن أي إشارة إلى المساواة لجميع المواطنين. شعر الكثيرون أن القانون يقلل من مكانة الأقليات غير اليهودية في البلاد ويجعل من أفرادها مواطنين من الدرجة الثانية.

يوم الخميس الماضي، ذكرت أخبار القناة 12 إن لافتات إعلانية ظهرت في المدن والبلدات العربية في الانتخابات التي أجريت في الربيع الماضي دعت المواطنين العرب إلى مقاطعة الإنتخابات. وبدا أن مصدر هذه الحملة الإعلانية كان من داخل المجتمع العربي، لكن تبين للقناة أنها حملة مولها يهود من اليمين في محاولة لقمع توجه الناخبين العرب إلى صناديق الاقتراع.

ولكن في 15 سبتمبر، قبل يومين من الإنتخابات المقررة هذا الأسبوع، لم تحمل اللافتات الإعلانية على الطريق الرئيسي للطيرة وفي ميدان البلدة مثل هذه الملصقات. على النقيض من ذلك، في الميدان ظهرت لافتات كبيرة برعاية إئتلاف مؤسسات لرفع نسبة التصويت لتشجيع الناخبين على التصويت وحملت شعار “هاي المرة مصوتين”.

لافتة في الطيرة تدعو مواطني إسرائيل العرب الى التصويت في الانتخابات العامة المقبلة. (Simona Weinglass/Times of Israel)

’الشرطة لا تفعل شيئا’

عدد قليل من الأشخاص تواجدوا في الخارج صباح الأحد في وسط مدينة الطيرة، بينما نفثت نافورة متواضعة الماء بصعوبة في الهواء.

في مقهى قريب، قام هشام سلطان (53 عاما) بتدخين نرجيلة معطرة بينما قرأ صحيفة باللغة العبرية.

وقال “بالطبع أعتزم التصويت. لكل شخص الحق في التصويت”.

وأضاف “اذا قمنا نحن [مواطنو إسرائيل العرب] بالتصويت، سنكون قادرين على منع نتنياهو من تشكيل حكومة”.

وقال سلطان، وهو صاحب مصلحة تجارية تقوم بأعمال إصلاح في محطات الوقود، إن الكثير من الإسرائيليين يشعرون بالإحباط.

وأضاف متساءلا “من الصعب جدا المضي قدما، التطور، وهناك الكثير من التمييز. لماذا عندما يُقتل إثيوبي تُغلق الدولة بالكامل، ولكن عندما يحدث الشيء نفسه لنا، لا يهتم أحد؟”

ويرى سلطان أن المشكلة الكبرى الوحيدة التي تواجهها الطيرة هي الجريمة وانعدام القانون.

وأضاف “هناك إطلاق نار يومي والشرطة لا تفعل شيئا. لا يمكن العثور عليهم. كل ما يهمهم هو توزيع مخالفات سير”.

في السنوات الأخيرة، شارك عرب إسرائيليون في عدد أكبر بكثير من اليهود في حوادث إطلاق نار. بحسب تقرير مراقب الدولة لعام 2018، اترتكب العرب الإسرائيليون مخالفات متعلقة بإطلاق النار أكثر ب17.5 مرة من اليهود بين 2014 و2016.

في حين أن العديد من السياسيين والناشطين العرب الإسرائيليين يتهمون الشرطة الإسرائيلية في التقصير في مكافحة العنف في بلداتهم، إلا أن مسؤولي أمن يقولون إنهم يواجهون تحديات في اكتساب ثقة مواطني إسرائيل العرب للمساعدة في تحقيقاتهم.

هشام سلطان، 53 عاما، يجلس في مقهى في وسط الطيرة، 15 سبتمبر، 2019. (Adam Rasgon/Times of Israel)

مشكلة أخرى، كما يقول سلطان، تتمثل في رداءة نوعية المدارس وندرة الأماكن الملائمة للأطفال لقضاء وقتهم فيها.

وقال “لا توجد لدينا حدائق ولا حقول للأطفال ليلعبوا فيها. اذا اردت الذهاب الى الحديقة، فعلي التوجه إلى رعنانا [بلدة يهودية قريبة]. لا يوجد هنا شيء للأطفال ويخشى الأهل من تحولهم إلى الجريمة”.

وقال سلطان أن رئيس بلدية الطيرة، مأمون عبد الحي، تجول يوم السبت في أنحاء المدينة ودعا السكان عبر مكبر الصوت للتصويت.

وأضاف “قال أن علينا التصويت وأن عدد الأشخاص الذين خرجوا للتصويت في المرة الأخيرة لم يكن كافيا”.

وأعطت الطيرة، وهي بلدة عربية تقع شمال مدينة كفار سابا، 69% من أصواتها للأحزاب ذات الأغلبية العربية في الإنتخابات الأخيرة، و24% ل”ميرتس” و2.6% لحزب “أزرق أبيض”.

في أحد المخابز المتاخمة لميدان البلدة، يقول أحمد (21 عاما) إنه لا ينوي التصويت في انتخابات يوم الثلاثاء.

وقال أحمد، الذي رفض ذكر اسمه الأخير، “الممثلون العرب لا يقومون بعمل جاد. صوتي لن يغير الواقع. لن يحدث أي فرق بطريقة أو بأخرى. إننا نعيش ونعمل ولكن من الواضح أن هذا البلد هو لليهود”.

’علينا التصويت حتى نكون أقوياء’

تتباهى الطيبة، وهي مدينة قريبة تضم 45,000 نسمة، بشريط أخضر في منتصف شارعها الرئيسي لكنها تفتقر للحدائق والأشجار. نسبة إقبال الناخبين على صناديق الاقتراع في الانتخابات الأخيرة بلغت 62% في هذه المدينة، التي منحت 88% من أصواتها للأحزاب ذات الغالبية العربية، 8% لميرتس و1% لأزرق أبيض.

في وسط الطيبة، قام محمد (45 عاما) بخدمة زبائنه في مطعم حمص مزدخم وصب صلصة الليمون والثوم الفلفل الأحمر المطحون على صحن حمص طازج.

وقال محمد، الذي امتنع عن ذكر اسمه الأخيرة، “أنا أميل إلى التصويت. ما زلت غير متأكد بنسبة 100% لمن سأصوت”.

وأضاف “في نهاية المطاف نحن بحاجة إلى ممثلين في الحكومة. إننا نفتقر لأمور كثيرة، مثل برامج بعد المدرسة للأطفال، حدائق، تعليم أفضل، بنى تحتية للرعاية الصحية وتصاريح بناء لمنازل جديدة. أشعر أحيانا أن الممثلين العرب يمثلون القضية الفلسطينية أكثر مما يمثلوننا”.

وفي حين أن الأحزاب التي تشكل القائمة المشتركة كثيرا ما تعلق وتتحدث عن الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، إلا أنها طالبت أيضا بأن تقوم الدولة بتخصيص المزيد من الميزانيات للبلدات العربية ومكافحة الجريمة فيها وتسريع الإجراءات للمصادقة على خطط البناء هناك.

يقول محمد إن المشكلة الأكبر التي تعاني منها الطيبة هي العنف.

وتساءل “لماذا قامت الشرطة بمكافحة الجريمة في نتانيا [مدينة يهودية] ولم تفعل ذلك هنا”، في إشارة إلى مدينة ساحلية تقع شمال تل أبيب.

وأضاف أن المدينة تعاني أيضا من رداءة البنى التحتية.

وقال “هناك 60 ألف نسمة في هذه البلدة. لماذا لا توجد لدينا غرفة طوارئ؟ لماذا لا توجد لدينا كلية؟ لماذا يوجد في أريئيل [مستوطة في الضغة الغربية] كلية؟ لماذا ليس في الطيبة؟”

عبر الشارع، قالت عايدة شقرة (62)، بائعة في كشك ملابس، إنها تعتزم التصويت للقائمة المشتركة.

وقالت “علينا التصويت لكي نكون أقوياء”.

وأضافت “نريد المساواة لليهود والعرب. لا أريد نتنياهو لأنني لا أريد العنصرية في الحكومة. أنا أؤمن بالمساواة في الحقوق”.

في شهر مارس أثار نتنياهو إدانات من عرب في إسرائيل وحلفائهم بعد أن صرح بأن “إسرائيل هي ليست دولة جميع مواطنيها. بموجب قانون الدولة القومية الذي تم تمريره، إسرائيل هي الوطن القومي للشعب اليهودي – وليس أي شعب آخر”. وكان قد أثار الجدل في يوم الانتخابات في عام 2015 أيضا عندما نشر مقطع فيديو حض فيه الناخبين من اليمين على التصويت لأن مواطني إسرائيل العرب “يتفقدون” إلى صناديق الاقتراع.

وتعرض حزب الليكود الذي يتزعمه نتنياهو هو أيضا لانتقادات حادة، بما في ذلك اتهامات بالعنصرية، بعد أن قام بإدخال آلاف الكاميرات مع ممثلين له إلى مراكز الاقتراع في البلدات العربية في الانتخابات الأخيرة.

اشتكت شقرة من صعوبة الحصول على تصاريح لبناء منازل جديدة.

وقالت “يبني اليهود مستوطنات على أرض لا تخصهم ولا أحد يمنعهم. لقد بدأنا في بناء منزل صغير على أرض مملوكة لنا وسرعان ما أتوا لهدمه”.

لافتة في الطيبة، مدينة عربية في إسرائيل، 15 سبتمبر، 2019. (Simona Weinglass/Times of Israel)

ولطالما عانت البلدات العربية في إسرائيل من نقص في وحدات السكن، حيث تحتاج هذه البلدات إلى نحو 5,000 وحدة سكنية في كل عام، بحسب ما قاله قيصر ناصر، وهم محام يقدم المشورة للبلديات العربية، لصحيفة “هآرتس” في عام 2017.

في نهاية المقابلة، سألت شقرة مازحة ما إذا كان الصحفيان اللذان أجريا معها اللقاء من المخابرات الإسرائيلية.

واختتمت حديثها بعد لحظة بالقول “لا يهمني. أنا أتحدث إليكم من قلبي”.

الناخبون غير المستغلين

مؤخرا أجرى رودنيتسكي، الخبير في سياسات عرب إسرائيل، استطلاع رأي توقع ازدياد نسبة إقبال الناخبين العرب مواطني إسرائيل على صناديق الإقتراع يوم الثلاثاء إلى 56%، مقارنة ب49% في الانتخابات الأخيرة.

أريك رودنتسكي، باحث، برنامج العلاقات العربية-اليهودية، المعهد الإسرائيلي للديمقراطية.(Courtesy)

لكنه أشار إلى أنه “يجدر التعامل مع هذا الرقم بحذر. هناك الكثير من الأشخاص الذين لا يزالون مترددين. يمكن أن تكون النسبة بين 40% و60%”.

وقال إن أحد الأسباب الرئيسية التي في تردد من شملهم استطلاع الرأي هو تصريحات نتنياهو وحلفائه المثيرة للجدل التي اعتبرها مواطنو إسرائيل العرب بأنه “مسيئة” و”تنزع الشرعية” عن وضعهم في المجتمع.

وأضاف “هذه التصريحات تجعل الكثيرين يتساءلون حول ما إذا كان يريدون المشاركة في النظام السياسي”.

يقول عفيف أبو مخ، وهو ناشط سياسي من باقة الغربية، إنه بحسب رأيه هناك حوالي 250,000-300,000 من الناخبين العرب الذين لن يصوتوا أبدا لأحزاب ذات أغلبية عربية، لكن أحزاب اليسار والوسط الصهيونية فشلت بكسب العديد من هذه الأصوات.

وقال “لا يوجد لـ’أزرق أبيض’ مسلم أو مسيحي واحد على قائمة مرشحيه. إنهم يتصرفون وكأننا نعيش في الستينيات أو السبعينيات عندما كان حزب ’مباي’ يقول للناخبين: وظيفتكم هي التصويت لنا ولكن لا مكان لكم بيننا”، في إشارة منه إلى حزب دافيد بن غوريون، أحد مؤسسي دولة إسرائيل. “يريدون منا التصويت لهم في 17 سبتمبر وفي 18 سبتمبر سيرموننا. لن ينجح ذلك. اذا كان ’أزرق أبيض’ يريد من العرب أن يصوتوا لقائمة مرشحيه، عليه وضع ممثلين مسلمين ومسيحيين على القائمة”.

وفي حين أن أعضاء الكنيست عن حزب “أزرق أبيض” يأتون من طيف واسع من المجتمع الإسرائيلي يشكل اليهود الأشكنازيون والمزراحيون والحريديم والناطقون بالروسية والإثيوبيون والدروز، فإن أي من نواب الحزب ليسوا من العرب المسيحيين أو المسلمين، الذين يشكلون معا نحو خمس سكان الدولة.

ويرى أبو مخ أيضا أن حزب “المعسكر الديمقراطي” لم يبذل هو أيضا جهودا كافية للفوز بجزء كبير من أصوات الناخبين العرب.

وقال “لقد وضعوا عيساوي فريج في المكان السادس، لكن هذا ليس بمركز متقدم”.

وأضاف “لا يمكن للقائمة المشتركة لوحدها جلب ما يكفي من الناخبين الى مراكز الاقتراع لإسقاط نتنياهو. لو كان في الأحزاب الأخرى تمثيل أكبر للعرب على قوائمها، فكانت ستكون لديهم فرصة للإطاحة به”.