مع تعرض بريطانيا لثلاث هجمات إرهابية خلال ثلاثة أشهر، وإحباط أجهزة الأمن فيها لخمس هجمات أخرى في الفترة نفسها، طرحت رئيس الوزراء تيريزا ماي صباح الأحد تفاصيل إستراتيجيتها التي تعتزم تطبيقها “للقضاء على أعدائنا وهزيمتهم”.

بيان ماي الدقيق والمحدد، الذي أدلت به بعد ساعات من قيام ثلاثة إرهابيين بقتل سبعة أشخاص على الأقل وسط لندن يدعو إلى طرح سؤالين: هل لدى حكومتها الإرادة في خوض الحرب ضد الإرهاب بالطريقة التي حددتها، وهل مع اقتراب الإنتخابات يوم الخميس، ستُمنح الفرصة للقيام بذلك؟

من خلال مراقبتها من إسرائيل، التي اضطرت لفترة طويلة لمجابهة طائفة الموت الإسلامية، أعطت ماي كل ما يشير إلى أنها استوعبت ما الذي تواجهه هي وبريطانيا وبقية العالم الحر.

صرحت ماي أن ما “يربط ” سلسة الهجمات في بريطانيا هو “الأيديولوجية الشيطانية للتطرف الإسلامي”.

أصبح الإرهاب يوّلد الإرهاب الآن، بأسلوب التقليد. أصبح الوضع لا يطاق. هذا يكفي. “لا يمكننا ولا ينبغي علينا التظاهر بأن الأمور يمكن أن تستمر كما هي”.

وعلى نحو لافت للنظر أضافت: “هناك بصراحة تسامح مفرط مع التطرف في بلدنا، لذلك علينا أن نكون أكثر قوة في تحديده وقمعه عبر القطاع العام وعبر المجتمع”.

في محاولة للرد، دعت ماي إلى إصلاح جوهري في إستراتيجية بريطانيا لمحاربة الإرهاب. وطالبت أيضا بالقضاء على المجموعات الإرهابية في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى محاربة المتطرفين وأيديولوجياتهم عبر الإنترنت – و”تحويل عقول الناس بعيدا عن العنف”.

هل بريطانيا الملطخة بالدماء دخلت في حالة صدمة تدفعها إلى تبني الإستراتيجية الشاملة التي طرحتها ماي؟ تتطلب إستراتيجية أكثر فعالية لمكافحة الإرهاب موارد أكبر بكثير؛ إحتياطات أمنية من النوع الذي تعرفه إسرائيل منذ فترة طويلة؛ جمع معلومات إستخبارتية ورصدها على نطاق مختلف تماما. العلامات لا تبشر بالخير. الإعتداءات التي وقعت في 7 يوليو، 2005 في وسط لندن – سلسلة منسقة من التفجيرات التي نفذها 4 إرهابيين بريطانيين قُتل فيها أكثر من 50 شخصا – من الواضح أنها لم تدفع البريطانيين إلى إعادة التفكير بالطريقة التي تدعو إليها ماي اليوم. يفضل الكثير من البريطانيين الإعتقاد أنه يتم إستهدافهم بسبب تحالف رئيس الوزراء حينذاك توني بلير مع الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش (تماما كما يتم إنتقاد ماي مؤخرا في أوساط بريطانية معينة لما يُنظر إليه على أنه احترام لدونالد ترامب)، وبلير تعرض لإنتقادات متزايدة، وحتى للتهكم، لدعواته التي لا هوادة فيها لمواجهة الإسلام المتطرف.

في الوقت نفسه، عندما يتعلق الأمر بالتدخل على الأرض في الشرق الأوسط، تجدر الإشارة إلى أن البرلمان البريطاني عقد جلسة طارئة في أغسطس 2013 للتصويت ضد أي دور في تحرك عسكري ضد الرئيس السوري بشار الأسد، الذي كان لتوه اجتاز الخط الأحمر الذي وضعه الرئيس الأمريكي باراك أوباما من خلال إستخدام الغازات السامة ضد شعبه. إصرار نواب البرلمان البريطانيين على البقاء بعيدا شكل عاملا مركزيا في قرار أوباما اللاحق بالتخلي عن التحرك الذي تعهد به  لمعاقبة الأسد – وهو ما دل على ضعف غربي احتفل به الإرهابيون والدول الراعية لهم في المنطقة.

أما بالنسبة لمحاربة أولئك الذين يقومون بنشر إيديولوجية الإرهاب، حتى لو تم تنفيذ إستراتيجية ماي المعلنة، فهذا لا يكفي. وقف نشر الكراهية عبر الإنترنت هو أمر محوري تماما لمنع خلق الموجات التالية من القتلة الإسلاميين، ولكن إيديولوجية الإرهاب يجب مواجهتها أيضا في نظام التعليم، بين القادة الروحانيين، وعلى المستوى السياسي – وليس فقط داخل بريطانيا، ولكن في جميع أنحاء العالم. المطلوب هو تعاون عالمي حقيقي، مع كل الدول الشريكة من خلال إستخدام كل ذرة من النفوذ الدبلوماسي والإقتصادي وأي نفوذ آخر يمكن حشده لتهميش التطرف وتمكين الإعتدال.

مع ذلك، تدرك ماي بوضوح طبيعة الصراع. وهو ما لا يدركه جيريمي كوربين، منافسها في إنتخابات يوم الخميس.

يُعرف عن كوربين وصفه بالمسؤولين في حركتي حماس وحزب الله – وهما منظمتان إرهابيتان تقتلان المدنيين وتفلتان من العقاب، وتعرضان المدنيين من أبناء شعبهما للخطر بصورة ساخرة – ب”الأصدقاء”.

مدير الإتصالات في حزبه، سيموس ميلن، أكد في عام 2014، في الوقت الذي كانت حركة حماس (التي استولت على غزة بعد انسحاب إسرائيل من القطاع) تطلق آلاف الصواريخ على إسرائيل، على أنه “ليس إرهابا أن تقاوم… الإرهاب هو قتل المواطنين من قبل إسرائيل على نطاق صناعي”. فور وقوع هجمات 11/9، صرح ميلن أيضا أن “الأمريكيين ببساطة لا يفهمون… ربما سيكون من المبالغ أن نتأمل، في الوقت الذي يكافح فيه عمال الإنقاذ لسحب رجال الإطفاء من تحت الأنقاض، أن يقوم أي أحد حتى لو كانت هذه أقلية صغيرة بالربط بين الدمار الذي لحق بهم والدمار الذي ألحقته حكومتهم بأجزاء واسعة من العالم”.

البرنامج الإنتخابي لحزبه لإنتخابات هذا الأسبوع يدعو إلى وضع حد للحصار على غزة – الذي تعتبره إسرائيل حاسما لمنع حماس من إستيراد أسلحة من أجل هدفها المعلن المتمثل في القضاء على الدولة اليهودية. البرنامج الإنتخابي لحزب “العمال” يعد أيضا، بدون الحاجة إلى مفاوضات لضمان قدرة إسرائيل على البقاء، بأن “حكومة العمال ستعترف على الفور بدولة فلسطين”.

لا يوجد ما يشير إلى إن إرهاب ليلة السبت في لندن سيؤثر على إنتخابات الخميس. إستطلاعات الرأي تتعرض للسخرية في بريطانيا كما هو الوضع في الولايات المتحدة وإسرائيل في هذه الأيام وبحق؛ فلقد فشلت في توقع نتائج الإنتخابات العامة في عام 2015، وأخفقت كذلك في توقع تصويت البريطانيين لصالح الخروج من الإتحاد الأوروبي في العام الماضي؛ بدت ماي وكأنها لا تُهزم عندما دعت لإجراء إنتخابات في شهر أبريل؛ منذ ذلك الوقت تشير إستطلاعات الرأي إلى تزايد في قوة كوربين. لقد قادت ماي حملة إنتخابية رديئة – حيث بدت جبانة (في رفضهما دخول مناظرة مع كوربين)، ونفعية بشكل ساخر (في تعديل موقفها حول البريكست)، وعديمة الحيوية قي ظهوراتها العلنية – في حين أن كوربين عرض كل قناعاته التقليدية وعرض كذلك ألفة جديدة.

هل سيحمّل البريطانيون ماي، وزيرة الداخلية السابقة، مسؤولية الفشل في منع موجة الإرهاب، أو التوصل إلى إستنتاج بأن كوربين لن ينزع إلى محاولة مكافحته بصورة فعالة؟ هل سيعتبرون أن هذا النوع من الرد الإستراتيجي الذي كشفت عنه ماي سيكون هو الحد الأدنى من الضرورة، أو أنهم سيفضلون الإعتقاد بأن الجواب يكمن في نمط كوربين المتمثل بتسامح وانفتاح أكبر؟ إن البريطانيين هم شعب رزين بصورة مثيرة للإعجاب. يبقى فقط أن نتأمل أن لا يعمي صمودهم الإستثنائي نظرهم عن جذر مشكلة الإرهاب التي تجتاح بلادهم في الوقت الحالي – وعن حتمية محاربتها.