لم يتمكن المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي من الإنضباط يوم الأربعاء، قلقا من حالة الهيجان في وكالات الإعلام وشبكات التواصل الإجتماعي في البلاد مع اقتراب انتخابات اليوم، وربما قلقا أيضا من الآمال المنتشرة بين العديد بأن تؤدي النتائج إلى تغيرات أكبر، صرح خامنئي بوضوح ما هو التوجه “المطلوب”.

وحذر خامنئي في تغريدة على التويتر من مؤامرة غربية ضد إيران تهدف للتأثير على نتائج انتخابات الجمعة لمجلس الشورى والمجلس الخبراء (المؤلف من 88 فقيه مكلفين بتعيين أو إقالة المرشد الأعلى والإشراف على عمله).

وبالرغم من أن خامنئي (76 عاما) لم يرشح أي أحد، من الواضح أنه يتطرق إلى خوفه من ازدياد قوة معسكر الرئيس السابق اكبار هاشمي رفسنجاني وحليفه، الرئيس الحالي حين روحاني – وكلاهما معتبران اكثر اعتدالا في الطبقة الحاكمة في إيران.

والتوترات بين المحافظين والإصلاحيين في إيران (إن بقي إصلاحيين بعد طرد مير حسين موسوي ومهدي كروبي من مناصبهما عام 2009) ليست جديدة. ولكن مع هذا، يبدو انها تأخذ طابعي شخصي أكثر الآن، بالإضافة الى الفروقات الايدولوجية بين المعسكرين. نجاح الإتفاق النووي بين إيران والغرب بدون شك عزز مكانة الإصلاحيين، بقيادة رفسنجاني وروحاني، في الرأي العام الإيراني وفي الطبقة الحاكمة. وتعهد روحاني خلال حملته الانتخابية قبل حوالي عامين ونصف انه سوف يحسن الأوضاع الاقتصادية في إيران، ويبدو ان رفع العقوبات الغربية عن طهران قد تؤدي فعلا الى هذا التحسين (ولكن، من الجدير بالذكر، هذا التحسين غير محسوس حتى الآن). ولكن يعتبر روحاني من جهة أخرى كالمرشح المفضل على الغرب، وخاصة على البيت الأبيض، بالرغم من مكانته كـ”ابن الثورة”، وولائه الى مؤسساتها.

ويدرك خامنئي، الذي لم يعد شابا، انه إذا تمكن روحاني ورفسنجاني من تعزيز تأثيرهما في مجلس الشورى، أي البرلمان، ولدرجة اكبر في مجلس الخبراء، سوف يتمكنوا من تحديد خلف خامنئي. ويخشى خامنئي المحافظ، وزملائه في مجلس الشورى، مجلس الخبراء، وفي مؤسسات الدفاع، ان انتصار “الإصلاحيين” سوف يؤدي الى هيجان اجتماعي شامل، مثل ما حدث عام 2009، وان يقوم بإضعاف المعسكر المحافظ. وبينما يبدو ان ثورة على طريقة الربيع العربي مستبعدة جدا، إلا أن حتى تغيير كبير من الداخل قد يؤدي الى إيران مختلفة – إيران يسعى المعسكر المحافظ جاهدا لمنعها من الوجود.

وخامنئي ومعسكره المحافظ ليسوا الوحيدين الذين يدركوا اهمية هذه الانتخابات. تبدو طهران هائجة واحتفالية بشكل خاص مع اقتراب يوم الإنتخابات. وملأت الملصقات الدعائية للمرشحين لمجلس الشورى والمجلس الخبراء شوارع العاصمة: على الاشجار، لوائح الإعلانات، المنازل وغيرها. وتجول متطوعو كلا المعسكرين بين السيارات في المفترقات المزدحمة لتوزيع مناشير عليها صور واسماء المرشحين. وقال شباب ومارين اجرت وكالات اعلام غربية مثل CNN معهم مقابلات انهم يأملون ان فوز المعسكر المعتدل سيؤدي الى تحسين أوضاعهم الإقتصادية.

ومن جهة أخرى، عقد داعمو المعسكر المحافظ تجمع حاشد وعاطفي في مسرح في طهران الأربعاء. وكانت رسالة التجمع المركزية هي معارضة المشاركين لحملة انتشرت على شبكات التواصل الإجتماعي الإيراني عنوانها “لا للخمسة هؤلاء”، التي تطلب من الناس التصويت للمعتدلين من أجل إزالة خمسة آيات الله من مجلس الخبراء المعتبرين قادة المعسكر المحافظ في إيران.

وصرخ المشاركون في التجمع “الموت لأمريكا” و”الموت لإنجلترا”، وأصروا على أن “انجلترا تحاول التدخل في الإنتخابات”.

ومن غير المعروف من بدأ حملة “لا للخمسة هؤلاء”. ويقول ناطقين بإسم المعسكر المحافظ ان حكومة “انجلترا” – أو بكلمات أخرى، بريطانيا – تقف ورائها، بالشراكة مع اعداء النظام، في محاولة لطرد قيادة المعسكر المحافظ بأكملها من مجلس الخبراء.

وتركز المنافسة في مجلس الخبراء على معسكرين رئيسيين. الأول هو المعسكر المعتدل، بقيادة رفسنجاني، الرئيس السابق لإيران ومدير المجلس. ووضع رفسنجاني قائمة مؤلفة من 16 مرشحا من بين اقرب زملائه بمحاولة لتقوية معسكره. والرئيس حسن روحاني ووزير المخابرات محمود عولي في هذه القائمة.

ويقود المعسكر المحافظ آية الله احمد جنتي، وهو رجل دين متطرف وأمين مجلس صبانة الدستور (الذي يلغي ترشيح المرشحين “غير الكفؤين”). وتتضمن قائمته اكثر رجال الدين تطرفا، مثل آية الله محمد تقي مصباح اليزدي (قائد “جبهة ثبات الثورة الإسلامية”، وهي مجموعة محافظة متطرفة جدا)، وآية الله محمد يزدي، مدير مجلس الخبراء، بالإضافة الى عدة مسؤولين رفيعين آخرين.

وقالت وكالة BBC الفارسية، بالإضافة الى معارضين آخرين للنظام، أن انتصار رفسنجاني سوف يؤدي الى إزالة آية الله الثلاثة هؤلاء، بالإضافة الى اثنين غيرهم – أحمد خاتمي، قائد صلاة الجمعة في مساجد طهران، واحمد علم الهدى، نظيره في مشهد. خمسة بالإجمالي. وادت هذه التقارير الى حملة مضادة تدعي ان الحكومة البريطانية تحاول، عن طريق الـ BBC، التأثير على نتائج الإنتخابات، ولهذا داعمي المعسكر المعتدل هو عملاء بريطانيين في الواقع.

وبينما المنافسة في انتخابات مجلس الشورى، الذي فيه 290 مقعدا، ليست بذات الحدية، إلا أنها لا زالت مهمة لكلا الطرفين، وخاصة لروحاني. إن تزداد قوة المعسكر المحافظ، سيحاول مجلس الشورى تحديد نشاطات الحكومة ورئيسة المعتدل نسبيا. في حال فوز المعتدلين، قد نرى انفتاح أكبر اتجاه الغرب – إلى حد ما.

وقد يتوجب الذكر الآن المعتدلين، حتى الذين يعتبرون اصلاحيين في إيران، ليسوا معارضين للنظام. على العكس تماما. جميعهم جزء من النظام “الثوري”، وموالين له. انهم يختلفون فقط بآرائهم حول طريقة ضمان استمرار النظام.

وقد توضح هذه الإنتخابات إن كان رهان البيت الأبيض على الإتفاق النووي قد نجح. وقال المسؤولون في واشنطن ان رفع العقوبات عن إيران سوف ينتج بانفتاح اكبر اتجاه الغرب وبتغيير سياسي داخل البلاد. وتقوية المعسكر المعتدل قد يكون الدليل الذي يحتاجه الرئيس الأمريكي باراك اوباما لإثبات أن سياسته الجدلية اتجاه إيران ناجحة.

ومن جهة أخرى، فشل معسكر رفسنجاني وروحاني سيكون دليلا لصالح معارضي الاتفاق: ان رفع العقوبات سيؤدي الى تقوية المحافظين وطرد معارضيهم.

ونظام الإنتخاب يلعب لصالح اللذين يدعون ان الإتفاق النووي سوف يعزز مكانة المعسكر المحافظ. من الصعب وصف ما يحدث اليوم في إيران كانتخابات حرة تماما. فقد الغى مجلس صيانة الدستور، المكلف بالموافقة على المرشحين في الإنتخابات، ترشيح الاف المرشحين في الأسابيع الأخيرة، ومن ضمنهم حسين خميني، أحد أبرز قادة “المعتدلين” وحفيد آية الله روح الله خميني، “صانع” الثورة. وقد الغى المجلس ترشيح جميع النساء الى مجلس الخبراء. و تم رفض ترشيح 55% من بين 12,000 المرشحين الى مجلس الشورى. ومن بين 801 شخص اراد الترشح الى مجلس الخبراء، تم قبول 166 شخصا فقط.

من سيكون الخليف؟

إذا من سوف يخلف خمينئي عندما يحين الوقت؟ اشار د. راز زيميت، خبير في مجال إيران في جامعة تل أبيب، وعضو في منتدى “كان ثينك”، إلى أسماء عضوين في المعسكر المحافظ المعتدي: صادق لاريجاني، رئيس السلطة القضائية الإيرانية (وشقيق علي لاريجاني، رئيس مجلس الشورى)، ومحمود الهاشمي الشاهرودي، سابقه في السلطة القضائية. ويأمل المعسكر المحافظ المتطرف ايضا بتولي أحد رجاله منصب المرشد الأعلى: مصباح اليزدي، عباس واعظ الطبسی أو أحمد خاتمي. وبالتأكيد الحرس الثوري يفضل المعسكر المحافظ المتطرف.

وفي هذه الأثناء، إيران منهمكة بأمور اخرى. تحاول عدة شركات أوروبية الإستثمار في البلاد، وطبعا، جني الأرباح. ولكن لم تصل الاموال بعد. وتوجه واشنطن لطران حذر: بينما يحاولون تطبيق الاتفاق ورفع العقوبات، يستمرون بمراقبة محاولات إيران لتوسيع نفوذها في المنطقة. وإيران حاليا تعمل على تعزيز قوة حزب الله في لبنان؛ في سوريا (طبعا)؛ في العراق، حيث تقود إيران حرب المليشيات الشيعية من وراء الكواليس؛ في اليمن؛ وفي غزة والضفة الغربية.

وفي هذا الأسبوع، تعهد السفير الإيراني إلى لبنان أن بلاده سوف تساعد عائلات منفذي الهجمات الفلسطينيين التي تم هدم منازلها. ومن غير الواضح إن يتمكن الوفي بهذه التعهدات، نظرا للتحديدات على تحويل “اموال داعمة للإرهاب”. والتعهد صدر عن شخص منصبه ليس رفيعا جدا في إيران.

ما قد يدفع دبلوماسي شيعي لإصدار تعهدات من هذا النوع، ما يحث الشباب السنة على تنفيذ هجمات قد يُقتل معظمهم فيها؟ من وجهة نظره، من المفيد أن يُقتل عدد أكبر من الشباب السنة، بينما تتدهور العلاقات بين إسرائيل والفلسطينيين، وبين السلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني.