لطالما كانت الإحتمالات ضئيلة. قلة من الناس خارج البيت الأبيض يعتقدون أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لديه فرصة واقعية للتوصل إلى “صفقة القرن”.

ولكن إذا بقي لدى البعض بصيص من الأمل في أن الرئيس الأمريكي الأكثر غرابة، الذي أزال المعايير الدولية وفعل أشياء لم تخطر ببال أحد من قبل، يمكن أن يقدم أيضا السلام الإسرائيلي الفلسطيني، فإن التصريحات الأخيرة لكبار المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين جعلت خبراء أكثر اقتناعا من أي وقت مضى بأن جهود واشنطن في هذا الصدد محكوم عليها بالفشل.

في الواقع، فإن التوقعات قد أصبحت قاتمة للغاية في الأيام الأخيرة بأن ترامب سيقوم بتجميد خطته للسلام التي طال انتظارها، توقع بعض المحللين هذا الأسبوع. اقترح آخرون أنه يعلم أن الفلسطينيين سيرفضون المخطط ولكنه سيختار إصداره على أي حال، وقال أحد أعضاء الحكومة الإسرائيلية إن ترامب ما زال يؤمن بالصفقة – وسيطلب من إسرائيل في نهاية المطاف تقديم تنازلات مؤلمة.

أحدث تطور في قضية الثقة في عملية السلام نتجت عن تعهد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الأسبوع الماضي بفرض السيادة الإسرائيلية على جميع مستوطنات الضفة الغربية. ولأنه أصدر هذا التصريح الدرامي في مقابلة قبل ثلاثة أيام من توجه الإسرائيليين إلى صناديق الاقتراع، رفض الكثيرون ذلك باعتباره وعدا فارغا للانتخابات يهدف إلى إقناع الناخبين اليمينيين بدعم حزب “الليكود”.

الإدارة الأمريكية، التي سبق أن أعلنت أن التوسعات الاستيطانية غير مفيدة، وحثت إسرائيل على تقييد البناء خارج الخط الأخضر – ترامب نفسه في العام الماضي حذر إسرائيل من أن مشروع الاستيطان “معقد للغاية ويعقد عملية صنع السلام” – في البداية كانت صامتة بشأن تعهد نتنياهو بالسيادة الاستيطانية.

لكن يوم الجمعة، أشار وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبو، في مقابلة مع جيك تابر من “CNN”، إلى أن واشنطن ليس لديها مشكلة في خطة رئيس الوزراء.

مشروع إسكان جديد في مستوطنة نعالي بالضفة الغربية، 1 يناير 2019. (AP Photo / Ariel Schalit)

بمعنى آخر: وفقا لكبير الدبلوماسيين الأمريكيين، الذي يرفض النماذج السابقة لجهود صنع السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، يبدو أن ضم إسرائيل لأجزاء من الضفة الغربية أو حتى جميعها لا يتعارض مع خطة السلام في الإدارة.

“تصريحات بومبيو هي آخر إشارة إلى أن خطة ترامب للسلام، إذا تم تقديمها على الإطلاق، لن تشبه النماذج السابقة لحل الدولتين. بل يبدو أن الخطة تهدف إلى إدامة مناطق معزولة ذات حكم ذاتي فلسطيني محدود لتخضع للسيطرة الإسرائيلية الشاملة، بما في ذلك المستوطنات التي سيتم ضمها”، قال دان شابيرو، السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل، وهو حاليا زميل بمعهد دراسات الأمن القومي بجامعة تل أبيب.

“بالطبع سيرفض الفلسطينيون مثل هذه الخطة. لن تؤيدها أي دولة عربية. قلة من الآخرين في المجتمع الدولي يمكنهم دعمها. كما أن المرشحين الديمقراطيين الذين يسعون إلى استبدال ترامب كرئيس، من المرجح أن يبتعدوا عن الخطة أيضا”، أضاف.

حتى قبل تعهد نتنياهو بالسيادة، كانت هناك دلائل تشير إلى أن الصفقة المزعومة على أنها صفقة القرن قد تشمل إمتيازات بعيدة المدى لإسرائيل تجعلها غير مقبولة بالنسبة للفلسطينيين.

في خطاب ألقاه يوم 26 مارس، أشار السفير الأمريكي لدى إسرائيل ديفيد فريدمان إلى أنه لا توجد إدارة أخرى، سابقة أو مستقبلية، ستفهم بشكل أفضل “حاجة إسرائيل للحفاظ على السيطرة الأمنية على يهودا والسامرة (الضفة الغربية) وموقع دفاع دائم في وادي الأردن”.

بينما يوافق الفلسطينيون على تجريد دولتهم المستقبلية من السلاح، إلا أنهم قاوموا بثبات إصرار إسرائيل على أن تحتفظ بالسيطرة الأمنية الشاملة في الضفة الغربية ووجود عسكري قوي في وادي الأردن.

يتحدث السفير الأمريكي لدى إسرائيل دافيد فريدمان خلال مؤتمر إيباك السنوي في واشنطن في 26 مارس 2019. (Jim Watson/AFP)

“من الصعب الرد دون معرفة ماذا تشمل الخطة”، قال دينيس روس، الدبلوماسي الأمريكي السابق الذي عمل في القضايا الإسرائيلية الفلسطينية لعقود من الزمان، حول دعم بومبيو الواضح لإعلان ضم نتنياهو.

وقال روس إن السماح لإسرائيل بفرض السيادة على بعض المستوطنات لا يستبعد تلقائيا قيام الدولة الفلسطينية، كما جادل البعض.

“على سبيل المثال، ماذا لو كانت الخطة تنص على استيعاب إسرائيل للكتل الاستيطانية؟ منذ عام 2000، تحدثنا عن الكتل الاستيطانية والمقايضات”، أضاف. “بالطبع يجب أن يأتي هذا من خلال التفاوض والاتفاق وعدم القيام به من جانب واحد”.

الدبلوماسي الأمريكي المخضرم دينيس روس. (Uri Lenz/Flash90)

من القليل المعروف عن خطة ترامب، فإن أحد مكوناتها الرئيسية هو حزمة حوافز مالية كبيرة للفلسطينيين، تدفعها الدول العربية السنية.

“إن الخطة الاقتصادية جزء مهم للغاية من المعادلة الكلية”، قال مسؤول أمريكي لصحيفة “واشنطن بوست” هذا الأسبوع.

لكن روس قال إن الزعماء العرب لا يمكنهم الموافقة علانية على خطة تتضمن ضم إسرائيل من جانب واحد ويرفضها الفلسطينيون.

“الخطر الأكبر المتمثل في الضم، بمجرد البدء، هو أنه سيستمر وسيؤدي إلى نقطة لن تكون فيها إسرائيل قادرة على الانفصال عن الفلسطينيين”، أضاف. “سيؤدي ذلك إلى دولة واحدة لشعبين – وسيكون للفلسطينيين رأي واحد، صوت واحد.”

ووافق روبرت ساتلوف، المدير التنفيذي لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، على أنه من الصعب التوفيق بين الضم الإسرائيلي أحادي الجانب لأراضي الضفة الغربية واتفاق السلام المتفاوض عليه.

“يمكن الحصول على أمر واحد من الأمرين – الضم أحادي الجانب أو قرار تفاوضي – لكن ليس الاثنين معا”، قال لتايمز أوف إسرائيل يوم الإثنين.

المدير التنفيذي لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى روبرت ساتلوف (AP Photo / Manuel Balce Ceneta)

“فيما يتعلق بنموذج صنع السلام، يبدو أن هناك مكونا قويا يشمل تحسينات ’جودة الحياة‘ في الخطة الأمريكية، وهو أمر مهم ومفيد ولكن ينبغي، في رأيي، أن يشكل العمل التحضيري من اقتراح السلام، وليس الاقتراح نفسه”، قال ساتلوف.

وقال إنه من المشكوك فيه ما إذا كانت الجهود الرامية إلى تحسين مستوى معيشة الفلسطينيين بأموال من العالم العربي يمكن أن تحل محل الصراع على الأراضي. “وإذا كانت هذه هي الفكرة، فستكون الإدارة أكثر حكمة في تأجيل الخطة بدلا من الحصول على رفض مدوي يمكن أن يقوض المصالح الأمريكية الأوسع”.

وقال شابيرو إن فرص إطلاق خطة السلام قد ازدادت بالفعل في الأيام الأخيرة، “رغم أنها لم تكن مؤكدة بعد”.

“إذا فعلوا ذلك، وإذا كانت هذه هي الخطة التي ألمحت إليها تصريحات بومبيو، فعليهم أن يعلموا أنها ستموت لدى وصولها عند الفلسطينيين والدول العربية”، قال. “لا يوجد رسم تخطيطي يصف أي تداخل في الخطة الذي يمكن لكل من الحكومة الإسرائيلية والدول العربية قبوله”.

سفير الولايات المتحدة السابق في إسرائيل دان شابيرو يحضر جلسة في الكنيست قبيل مغادرته المنصب في 17 يناير 2017. (Miriam Alster/Flash90)

وإدراكا منها للفشل الحتمى للخطة، فقد تختار الإدارة نشرها ولكن لا تحاول تنفيذها، كما توقع شابيرو. “بدلا من ذلك، فإنهم سيلقون باللوم على الأطراف التي ترفضها، ويخبرون إسرائيل بأنها يمكن أن تمضي كما تشاء”.

هذه النتيجة ستكون بالطبع مثالية لنتنياهو، الذي يمكن أن ينسب الفضل لنفسه بشأن قرار أمريكي تاريخي آخر يدعم الادعاءات الإسرائيلية.

لكن لا يتفق الجميع على أن الأمر سيكون بهذه السهولة.

“أعتقد أن ترامب يريد صفقة”، قال مايكل أورين، السفير الإسرائيلي السابق في واشنطن ونائب وزير في الحكومة المنتهية ولايتها.

لا توجد وجبات مجانية في عالم ترامب، حذر أورين مرارا وتكرارا خلال الأسابيع القليلة الماضية، متوقعا أن يطلب الرئيس في النهاية شيئا ما مقابل تحركاته المؤيدة لإسرائيل.

وقال أورين إن قطع المساعدات الفلسطينية، ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان، كلها خطوات موجهة نحو جعل الفلسطينيين شركاء أكثر مرونة في المفاوضات.

على مدى عقود، رفض الفلسطينيون عروض السلام المختلفة، لكن المجتمع الدولي كافأهم – وهي معادلة يعتزم ترامب قلبها – وفقا للمؤرخ المولود في الولايات المتحدة والذي تحول إلى سياسي.

“إنه أمر منعش للغاية أن يحاول شخص ما تغيير النموذج، لأن النموذج القديم ببساطة لا يعمل، لأنه منح حق النقض لقيادة فلسطينية غير راغبة وغير قادرة على قول نعم لاتفاق سلام”، قال أورين. “وهذا هو تعريف الجنون”.

في هذا السياق، فإن الامتناع عن معارضة حكومة نتنياهو علانية بشأن إعلان المستوطنات يمكن اعتباره “وسيلة أخرى للضغط على الفلسطينيين”، قال. “إنه يظهر للفلسطينيين أن الوقت لم يعد إلى جانبهم. هل ستنجح، لا أعرف، لكن هذا هو النهج”.