خلال زيارة إلى السعودية مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في الأسبوع الماضي، طُلب من وزير الخارجية رياض المالكي من قبل صحافي يعمل في صحيفة محلية تبرير التنسيق الأمني مع إسرائيل.

أجاب المالكي، “من البداية إعتبرنا التنسيق الأمني مصلحة فلسطينية خالصة”، وأضاف، “ساعدنا ذلك على الحفاظ على الأمن داخل فلسطين ومنع التدخل الإسرائيلي على المستوى الأمني”.

في الوقت الذي طُبعت فيه هذه المقابلة، كانت عملية “عودة الأخوة”الإسرائيلية متواصلة بكامل قوتها، حيث قام جنود إسرائيليون بإعادة تأسيس وجودهم في كل مدن الضفة الغربية الرئيسية بعد سنوات من الغياب تقريبا. إن تأكيد مالكي حول الحكم الذاتي الفلسطيني لا يبدو حقيقيا على الإطلاق.

تثير العمليةالإسرائيلية المعلنة، والتي تهدف إلى إرجاع الفتيان المختطفين وتوجيه ضربة ساحقة للبنية التحتية لحماس في الضفة الغربية، إنتقادات فلسطينية متزايدة. ولكن المجتمع الفلسطيني يوجه غضبة وإحباطه بشكل متزايد نحو السطلة الفلسطينية ومؤسساتها بدلا من حماس الضعيفة أصلا.

بينما تواجهت قوات الجيش الإسرائيلي مع الفلسطينيين عند مدخل رام الله ليلة السبت، تواجه محتجون أيضا مع قوات أمن فلسطينية في وسط المدينة، وقاموا برشق مركز الشرطة الفلسطينية في ميدان المنارة بالحجارة. مع إحتدام العملية الإسرائيلية وإرتفاع عدد الوفيات في الجانب الفلسطيني، فإن المصطلح “تنسيق أمني”- الذي كان مرة هدفا لنقد موجه بالغالب من حماس والجهاد الإسلامي- أصبح كلمة المفتاح لدى الفلسطينيين العاديين لوصف كل ما هو فاسد في السلطة الفلسطينية.

حاول مستخدم فيسبوك فلسطيني تبرير هدوء السلطة الفلسطينية في وجه قوات الجيش الإسرائيلي، معلقا على صورة لسيارات مرسيدس تابعة للسلطة الفلسطينية مع زجاج خلفي محطم- الذي يبدو أنه تم تحطيمه على أيدي محتجين- في بلدة البيرة بالقرب من رام الله.

وكتب عماد خطيب، “يتساءل الناس أين كانت الشرطة عند حدوث التوغل [للجيش الإسرائيلي] في رام الله في الليلة الماضية؟ لقد كانوا في مقارهم تحت الإحتلال مثلنا تماما! هل كنتم تريدون منهم إطلاق النار على الجيش؟ لو قاموا بفعل ذلك، فبعد ثوان قليلة سيتم قصف قسم الشرطة فوق رؤوسهم وكنتم ستكتبون على صفحتكم على الفيسبوك ’ليرحمهم الله’، ولا شيء أكثر من ذلك”.

حتى في صفوف المعتدلين الفلسطينيين تتزايد السخرية حول تنسيق عباس مع إسرائيل. كتب ناصر لحام، رئيس التحرير في وكالة “معا” الإخبارية المستقلة ومقرها في بيت لحم، يوم الأحد أن ” الهدف من العملية الإسرائيلية هو إضعاف السلطة وضرب مفاصلها بحيث لا تصبح دولة . ولكن اسرائيل ستمنع انهيارها لتبقى تخدم وتقدم المزيد من الخدمات.”

وكتب لحام، “كل طفل يعرف أن إسرائيل تسيطر على دهيشة [مخيم اللاجئين بالقرب من بيت لحم]، وليس الأمن الوقائي [الفلسطيني]”.

مع التغيير في المزاج الفلسطيني، قامت السلطة الفلسطينية بتغيير سياستها بسرعة. في غضون أيام، تحولت السلطة الفلسطينية من إدانة قاطعة لعملية الإختطاف والتأكيد على التنسيق الأمني مع إسرائيل إلى هجوم لاذع على الدولة اليهودية إلى جانب محاولة دبلوماسية إلى وقف العملية- ليس من خلال الحوار مع إسرائيل ولكن من خلال نداءات عاجلة للمؤسسات الدولية.

صبي فلسطيني يجلس بين الفوضى بعد تفتيش جنود الجيش الاسرائيلي منزل عائلته في قرية سالم بالضفة الغربية يوم 22 يونيو 2014 AFP PHOTO/JAAFAR ASHTIYEH

صبي فلسطيني يجلس بين الفوضى بعد تفتيش جنود الجيش الاسرائيلي منزل عائلته في قرية سالم بالضفة الغربية يوم 22 يونيو 2014 AFP PHOTO/JAAFAR ASHTIYEH

قال محمد المدني، مسؤول في فتح مكلف من قبل عباس بالحوار الفلسطيني مع المجتمع الإسرائيلي، “هدف [العملية] واضح: تدمير السلطة الفلسطينية وإنهائها”، وأضاف، “هي هدفت إلى تصدير أزمة رئيس الوزراء [الإسرائيلي] بينيامين نتنياهو إلى الشارع الفلسطيني… لا نعرف ما ستؤول به الأمور إذا استمرت العملية على هذا النحو”.

وسخر مدني من الفكرة أن عملية الجيش الإسرائيلي موجهة ضد حماس وليس ضد السلطة الفلسطينية.

وقال للتايمز أوف إسرائيل، “هل حماس موجودة في الشارع؟ لا يوجد لحماس وجود في الحكومة”،مضيفا أن المؤسسات والمدنيين المستهدفين من الجيش الإسرائيلي لا علاقة لهم بالحركة الإسلامية. “للأسف، ما يقوم به الحكومة والجيش [الإسرائيليين] هو إستهداف للشعب الفلسطيني والسلطة الفلسطينية”.

وتساءل، “ما الهدف من وضع الرئيس أبو مازن (عباس) والسلطة الفلسطينية والقيادة الفلسطينية في زاوية حيث لا يمكنهم القيام يأي شيء في وجه هذه الإعتداءات البربرية اليومية؟”

تطرق الرئيس الإسرائيلي شمعون بيرس إلى الخطر المحتمل الذي يواجهه عباس، حيث قام يوم الأحد بالإشادة بعباس لقيامه “بالمخاطرة بحياته” في موقف معلن ضد الإختطاف. وبإنتقاد شبه واضح لنفور نتنياهو لعباس، قال بيرس أن خطاب عباس في السعودية، “كان واضحا حول السلام، وكان واضحا حول الإرهاب، ووضع حياته في خطر”، وأنه “لم يكن بموقف بيسط”. وقال بيرس أنه لا يعرف “شخصا آخرا في العالم العربي على إستعداد لفعل ذلك”.

لكن العميد جنرال (إحتياط) شالوم هراراي، وهو مستشار سابق للشؤون العربية لوزارة الدفاع وهو حاليا زميل في في “المعهد الدولي لمكافحة الإرهاب” في “المركز متعدد المجالات” في هرتسليا، يقول أن عباس ليس ساذجا بالمرة عند قيامه بالدفاع علنا عن التنسيق الأمني مع إسرائيل.

وقال هراراي للتايمز أوف إسرائيل، “هل تساعد توغلات [الجيش الإسرائيلي] السلطة الفلسطينية؟ لا، ولكن التصريحات الإيجابية حول التنسيق الأمني مع إسرائيل تعزز موقفها مع الأمريكيين والأوروبيين وهم االداعمين الأساسيين للسلطة الفلسطينية. مليار دولا من التمويل لا تجعله أضعف، بل تجعله أقوى”.

وأضاف هراري أن عباس ما كان ليصرح بأن التنسيق الأمني مع إسرائيل “مقدس” لو كان عنده شعور بأن خياته ستكون في خطر تنيجة لذلك. “هو يدرس حسنات وسيئات تصريحات كهذه، وهو يعرف أنه قد يخسر في مجال معين ولكنه سيحقق مكسبا في آخر” حسبما قال.

ولكن حتى في قمة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، يسلط البعض الضوء على محدودية القوة الإسرائيلية في الضفة الغربية. بعد يومين فقط من عملية الإختطاف، حذر رئيس الشاباك السابق يوفال ديسكين من إستخدام مفرط للقوة ضد عباس والسلطة الفلسطينية. ما سيكون مفيدا أكثر، كما يقول ديسكين، في إحباط عزيمة الخاطفين من حماس هو تغيير القانون الذي يسمح حاليا بإفراج جماعي عن أسرى فلسطينيين، وفي الوقت نفسه تعزيز موقف عباس بواسطة تجميد النشاط الإستيطاني خلال المحادثات.

وكتب ديسكين على صفحته في الفيسبوك في 14 يونيو، “لقد قرأت خبراء يوصون بإستخدام القوة ضد أبو مازن- والفلسطينيين بشكل عام- لحل كل المشاكل. أنا لا أوافق على ذلك”، وتابع، “علينا إيجاد الشبان المفقودين… ولكن التصريحات حول إستخدام المزيد من القوة، كأننا لم نقم بذلك، ولا نواصل إستخدام القوة على أساس منتظم [هي خاطئة]. من يمكن أن يشهد على ذلك أفضل مني، حيث كنت هناك لسنوات عديدة؟ الإدعاء بأنه إذا قمنا بإستخدام قوة أكثر فإنه سيتم حل المشكلة هو مجرد شعبوية رخيصة”.

من جهتها، قامت حماس بإستغلال الإحباط الفلسطيني من عباس في الضفة الغربية لتعزيز أجندتها الخاصة حول المقاومة المسلحة ضد إسرائيل. فقد تباهى رئيس الحكومة السابق في غزة إسماعيل هنية يوم الإثنين، خلال جنازة وزير الصحة في حكومة حماس مفيد مخللاتي أنه “تم إطلاق إنتفاضة في الضفة الغربية المحتلة”.

وأضاف مشير المصري، وهو نائب لحماس من غزة، أن التاريخ اثبت أن التوغلات الإسرائيلية في الضفة الغربية ساعدت فقط على تعزيز قوة حركته.

وقال مصري لوكالة “بيان” الإخبارية التابعة لحماس، “عملية السور الواقي في 2002 هي أفضل مثال على ذلك”، مضيفا أن هذه العملية “إستهدفت كل قادة حماس والمقاومة، ولكن بعد [أربع] سنوات فازت حماس بالإنتخابات البلدية والتشريعية. هذا يثبت أن الناس يسيرون وراء الأبطال والأسود، ولا يتوجهون إلى أولئك الذين يقومون التنسيق الأمني أو المفاوضات العبثية التي تضر بقضيتنا”.