في 22 سبتمبر، 1979، قبل 40 عاما من اليوم بالتمام والكمال، رصد قمر اصطناعي أمريكي وميضين من الضوء في المحيط الأطلسي جنوب جنوب إفريقيا.

خلص المحللون العسكريون الأمريكيون في قاعدة “باتريك” الجوية في فلوريدا، الذين قاموا بفحص البيانات المأخوذة من القمر الصناعي “فيلا 6911″، الى أن الوميضين هما علامة واضحة ولا لبس فيها على انفجار نووي، وأبلغوا على الفور سلسلة القيادة العسكرية.

تم إطلاع الرئيس الأمريكي آنذاك جيمي كارتر على التجربة النووية المزعومة في اليوم نفسه، وقام بعد ذلك بالاجتماع مع كبار المستشارين ومسؤولي الأمن القومي في غرفة العمليات بالبيت الأبيض في صباح اليوم التالي.

ويزعم تقرير طويل ومفصل نشرته مجلة “فوريس بوليسي” الأحد، بعد أربعين عاما من اجراء الإختبار النووي، أن كارتر اتخذ قرارا واعيا بتجاهل الإختبار المفترض، رغبة منه في عدم أن يلقي هذا الاختبار بظلاله على النجاحات التي حققها في سياسته الخارجية خلال انتخابات العام المقبل، وخشية منه في أن يقوض ذلك دعم الولايات المتحدة – بما في ذلك الدعم العسكري والاقتصادي الهائل – الذي مكّن ابرام معاهدة السلام الجديدة بين مصر وإسرائيل في العام نفسه.

إذا كانت إسرائيل قد أجرت بالفعل تجربة في ذلك اليوم من عام 1979، فقد يشكل ذلك انتهاكا لمعاهدة الحظر الجزئي للتجارب النووية لعام 1963، التي وقَّعت عليها إسرائيل وصدقت عليها والتي تحظر أجراء هذه التجارب فوق الأرض.

رئيس الوزراء مناحم بيغن (يسار)، مع الرئيس الامريكي جيمي كارتر (وسط)، والرئيس المصري انور السادات في كانب ديفيد، سبتمبر 1978 (CC BY-SA Jeff Kubina/Flickr)

وقد يعني ذلك أيضا، وفقا لقوانين حظر انتشار الأسلحة النووية الأمريكية، الإلغاء الفوري للدعم العسكري والمالي الأمريكي للدولة التي انتهكت هذه القوانين، على الرغم من أن القانون يسمح للرئيس الأمريكي بالتنازل عن العقوبات.

من أجل تجنب العديد من المشاكل التي أثارتها التجربة النووية الإسرائيلية، كما جاء في تقرير فوريس بوليسي، قرر كارتر التستر عليها.

وخلصت لجنة علمية مؤلفة من ثمانية أعضاء شكلها البيت الأبيض في مايو عام 1980، بعد اجتماعها ثلاث مرات ، إلى “أن تقديرنا الجماعي هو أن إشارة 22 سبتمبر لم تكن على الأرجح ناجمة عن انفجار نووي”.

وكتبت فوريس بوليسي أن اللجنة المكونة من علماء ومهندسين بارزين “رفضت كل الأدلة التي تشير إلى خلاف ذلك. وشمل ذلك تحليل مختبر البحوث البحرية الذي حدد موقع الانفجار الأرضي بالقرب من جزر الأمير إدوارد، على بعد حوالي 1000 ميل من الساحل الجنوبي لجنوب إفريقيا، باستخدام بيانات صوتية مائية (الصوت تحت الماء)، والمزاعم المتعلقة بالكشف المحتمل عن اليود المشع 131 في الغدد الدرقية لخراف أسترالية، التي إذا تم تأكيدها، فإنها يمكن أن تأتي فقط من اختبار قنبلة”.

ولا تخفي فورين بوليسي مواقفها بشأن سياسة الغموض التي تتبعها الحكومة الأمريكية فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإسرائيلي المزعوم في ذلك الوقت والآن.

صورة من الستينيات للمنشأة النووية بالقرب من ديمونا. (Flash90/US National Security Archive)

ويشير تقرير يوم الاحد إلى مقالة نشرتها مجلة “نيويوركر” في يونيو 2018 تفيد بأن إسرائيل تلقت “رسائل سرية” من سلسلة من الرؤساء الأمريكيين “والتي فسرها القادة الإسرائيليون على أنها وعد أمريكي بحماية أسلحتهم النووية. وبالفعل، قام هؤلاء الرؤساء الأمريكيون بحماية أسلحة إسرائيل النووية من التدقيق والانتقاد في الأمم المتحدة والمنتديات الدولية الأخرى”.

هذه الحماية، كما يكتب أحد كاتبي التقرير في فوريس بوليس، وهو الفيزيائي فيكتور جيلينسكي، هي “جزء من نمط دمر مصداقية أمريكا في مجال عدم الانتشار. إن ما تقوله إسرائيل – أو ما لا تقوله – عن أسلحتها النووية هو شأنها الخاص. لكن على الولايات المتحدة ألا توافق على تكميم نفسها. لقد كان هذا دائما دورا مهينا عرّض الولايات المتحدة لتهمة النفاق. الآن، في مواجهة تأكيد قوي لانتهاك إسرائيل لمعاهدة الحظر الجزئي للتجارب، أصبح هذا الدور غير محتمل”.

هنري سوكلوسكي، مسؤول سابق في شؤون حظر انتشار الأسلحة النووية في وزارة الخارجية الأمريكية وأحد واضعي تقرير يوم الأحد، كان أكثر وضوحا.

“كل رئيس أمريكي منذ ريتشارد نيكسون رفض الاعتراف بامتلاك إسرائيل لبرنامج أو ترسانة أسلحة نووية خطيرة”، كما كتب وأضاف “سيعرض أي مسؤول حياته المهنية للخطر في أحسن الأحوال اذا أكد على ضرورة التنديد بإسرائيل كونها منتهكة لاتفاق نووي دولي وقّعت وصدقت عليه. فهذا، بعد كل شيء، هو ما تتهم إسرائيل إيران القيام به”.

ويقتبس التقرير من مذكرات جيمي كارتر الشخصية، التي تضمنت تسجيله لما حدث في يوم الاكتشاف الاولي: “كان هناك مؤشر على انفجار نووي في منطقة جنوب إفريقيا – إما جنوب إفريقيا أو إسرائيل تستخدم سفينة في البحر، أو لا شيء”.

توضيحية: غواصة من طراز ’دولفين’ التابعة للبحريد الإسرائيلية، والتي تزعم تقارير في الصحافة الأجنبية أنها قادرة على إطلاق أسلحة نووية، قبالة سواحل حيفا. (Moshe Shai/Flash90)

بعد خمسة أشهر، في 27 فبراير، 1980، حتى عندما كانت إدارته تحاول المجادلة بخلاف ذلك، كتب كارتر في مذكراته: “هناك اعتقاد متزايد بين علماءنا بأن الإسرائيليين قاموا بالفعل بتجربة نووية في المحيط بالقرب من الطرف الجنوبي من إفريقيا”.

ولقد أقامت إسرائيل علاقات عسكرية قوية وإن كانت سرية مع حكومة الأبرتهايد في جنوب إفريقيا خلال سبعينيات القرن الماضي، بعد أن انقلبت معظم القارة الإفريقية ضد إسرائيل من أجل الالتزام بحظر النفط العربي الذي أعقب حرب “يوم الغفران” في عام 1973.

كان معروفا في ذلك الوقت أن جنوب إفريقيا كانت تعمل على تصنيع قنبلة نووية، لكن كان يُعتقد أن إسرائيل هي من يقف وراء الانفجار، ولو لمجرد أن برنامج جنوب إفريقيا النووي لم يكن متطورا بدرجة كافية كما كان يُعتقد حينذاك لإجراء اختبار.

ولطالما اتبعت إسرائيل سياسة غموض بشأن برنامجها النووي ، والذي اعتبرته أجيال من مسؤولي الدفاع الإسرائيليين جزءا حيويا من استراتيجية الردع التي تتبعها الدولة ضد الأعداء الإقليميين، ويُعتبر ما يسمى بـ “خيار شمشون” هو آخر الحلول التي ستلجأ إليها إسرائيل وسترد من خلاله باستخدام أسلحة نووية ضد عدو يستعد لتدميرها في الحرب.

إسرائيل ليست من الدول الموقعة على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية لعام 1968، وتمسكت بسياسة تم تحديدها لأول مرة للرئيس الأمريكي آنذاك جون كينيدي من قبل نائب وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك شمعون بيرس، والتي بموجبها “لن تكون [الدولة اليهودية] أول من يدخل [الأسلحة النووية] في منطقتنا”.