“المجتمع الإسرائيلي مريض”، قال الرئيس رؤوفين ريفلين للحضور في مؤتمر تحت عنوان “من كراهية الغريب إلى تقبل الآخر”، والذي نظمته أكاديمية إسرائيل للعلوم والإنسانيات في الشهر الماضي. هذه التصريحات أثارت غضب اليمين، ولكن منذ خطاب ريفلين لا يمر يوم من دون أمثلة جديدة على الداء الذي أشار إليه الرئيس.

في أعقاب هجوم الكنيس في هار نوف في القدس في 18 نوفمبر، أصدر رئيس بلدية أشكلون ايتامار شمعوني قرار بطرد العرب الذين يعملون في بناء ملاجئ في حضانات المدينة. نتجت مباراة كرة قدم متوترة بين فريق بيطار يروشالايم المتعصب وفريق أبناء سخنين العربي – التي جرت بعد موافقة الشرطة بالرغم عنها وبحضور 700 شرطي و250 حارس – بإعتقال 4 مشجعين لفريق بيطار وتشويه حمامات إستاد الدوحة.

أغنية جديدة التي تتحدث عن “أحمد”، الذي لكونه “حثالة ناكر للجميل” سوف يقوم “بطعنك بفأس حاد في اللحظة التي تدير فيها ظهرك”، أدت إلى إلغاء دعوة المغني الشعبي عمير بنبون من الإشتراك بعرض في منزل الرئيس ريفلين يوم الأحد المقبل.

وكل هذا خلال أسبوع واحد.

مؤسسات المجتمع الأهلي الإسرائيلية التي تعمل على العلاقات بين العرب واليهود تشعر ان دورهم اليوم، مع إنعدام الدعم الحكومي الواضح للتسامح والتعايش، هو أهم – مع أنه أصعب – من قبل.

صورة ما بعد الحريق في المدرسة ثنائية اللغة في القدس 29 نوفمبر 2014 Yonatan Sindel/Flash90

صورة ما بعد الحريق في المدرسة ثنائية اللغة في القدس 29 نوفمبر 2014 Yonatan Sindel/Flash90

“وصلت الأزمة الى ذروة التي لم تصل المستوى الدستوري من قبل”، قال شولي ديختر، مدير “يد بيد،” جمعية التي تدير ثلاثة مدارس عربية-عبرية ثنائية اللغة وحضانتان في أنحاء إسرائيل. “مشروع القانون [’الدولي اليهودية’] الذي يتم تقديمه الآن خطير جدا. في حال مروره سوف نكون في عصر جديد، عصر الذي فيه سوف يكون دور مؤسسات المجتمع الأهلي مختلف جدا”.

قال ديختر أنه تم تأسيس دولة إسرائيل على “صفيحتان تكتونية” إجتماعية: واحدة يهودية والثانية عربية. العلاقات بين الصفيحتان تحدد الإستقرار على الأرض.

“دولة التي تهتم بمستقبلها تعير إهتمامها لهذه الصفائح، وتعزز العلاقات الطيبة والشراكة بين الفئات المختلفة في المجتمع وفي الحكومة. إسرائيل لم تفهم بهذا بعد، ولهذا قامت مؤسسات المجتمع الاهلي بملء هذا الفراغ، خصوصا خلال 25 الأعوام الأخيرة”.

المجتمع الإسرائيلي منقسم جدا، 90% من العرب يسكنون في بلدات عربية و10% فقط يسكنون في مدن مختلطة بجانب يهود. ديختر يقول أنه يمكن كسر الحواجز بواسطة طريقتين: أو عن طريق خلق أطر مشتركة، مثلما تحاول مؤسسات المجتمع الاهلي فعله، من الأسفل إلى الأعلى، أو عن طريق مبادرات حكومية لتحسين العلاقات، من الأعلى إلى الأسفل.

“نحن، المجتمع الأهلي، نطلب مساعدات من العالم لهذا، بالرغم من ان اسرائيل لديها أموال كثيرة. أموال [الحكومة] الإسرائيلية لا تخصص لتقليص الشق الإجتماعي، لأنه لم يتم ترويج القيم الأساسية الضرورية لهذا – مثل قيمة التعددية الثقافية والمشاركة – بشكل كاف في اسرائيل”، قال ديختر.

تلميذة عربية تقف امام بوابة المدرسة الغربية اليهودية يد بيد (فلاش 90)

تلميذة عربية تقف امام بوابة المدرسة الغربية اليهودية يد بيد (فلاش 90)

موجات الهجرة الكبيرة من دول الإتحاد السوفييتي سابقا واثيوبيا في سنوات السبعين والثمانين أدت إلى محاولة صانعي القرار في إسرائيل لإستيراد فكرة التعددية الثقافية، ولكن تم القيام بهذا “بصورة خاطئة ومشوهة”، قال.

قال ديختر: “تم تطبيق هذا على اليهود فقط، ولكن توجه التعددية الثقافية لا يمكن تحديده لدولة واحدة. انه يتعدى الحدود، ولهذا المحاولة كانت مشوهة، وأضرارها غلبت حسناتها”.

بالنسبة لأمنون بئيري سوليتسيانو، المدير التنفيذي لمبادرات صندوق ابراهيم، جمعية التي تهدف لتعزيز التعايش بين اليهود والعرب في إسرائيل عن طريق البرامج التثقيفية والتغيير الإجتماعي، أحد أدوار مؤسسات المجتمع المدني المهمة هو مساعدة الحكومة ببناء وتنفيذ سياسات التي تعزز التعايش المسالم بين اليهود والعرب في إسرائيل.

“دورنا هو نكون بوصلة، ان نظهر كيف يمكن فعل هذا”، قال لتايمز أوف إسرائيل: “نحن نبني المبادرات ومن ثم نقوم بتنفيذها لنثبت نجاعتها. نحن نسمي هذا ’الإقناع من خلال العمل’”.

أشار بئيري سوليتسيانو إلى عدة برامج التي بادر بها صندوق ابراهيم ومن ثم تبنتها الحكومة بعد إثبات نجاحها. مبادرة “اللغة كجسر ثقافي” قدمت دروس للغة العربية العامية لطلاب الصفوف الخامس والسادس في 15 مدرسة في شمال اسرائيل. البرنامج التجريبي، الذي إنطلق عام 2005، توسع الآن الى 200 مدرسة في جميع انحاء البلاد، بما يتضمن جميع المدارس الابتدائية الحكومية في حيقا والمقاطعة الشمالية في البلاد. حوالي 80 معلم عربي يعلمون اللغة في مدارس يهودية، و20% من الطلاب يشاركون ايضا في برامج تعارف ثقافي مع طلاب عرب.

مبادرة أخرى، “عمل الشرطة في مجتمع متصدع”، بدأت قبل 10 أعوام وتثقف ضباط الشرطة الإسرائيلية حول الخدمات الشرطية في المجتمع المتعدد الثقافات، لتعزيز الحوار بين قوات الشرطة (اليهودية بمعظمها) والمجتمعات العربية التي تخدمها. قال بئيري سوليتسانو بأن صندوق ابراهيم يساعد الشرطة التحول من عقلية “حماية المجتمع من العرب” إلى عقلية “حماية المجتمع العربي وخدمته”.

“لمدة سنوات طويلة، ادعت الحكومة أن النساء العربيات لن يندرجن بسوق العمل ولهذا المجتمع العربي سوف يبقى فقير. اظهرنا من خلال برنامج “شركاء للحياة” بأنه يمكن إشتراك النساء العربيات في سوق العمل الإسرائيلي. بعض السنوات بعد إنطلاق المشروع قامت الحكومة بتبني الفكرة وهي تدير البرنامج في عدة بلديات عربية. هذا كان نجاح كبير لنا”، قال.

قال ديختر من يد بيد بأنه لاحظ تغيير إيجابي خلال الشهرين الآخيرين بإستعداد الحكومة بالتعامل مع العنصرية في المجتمع عن طريق دعم مبادرات مجتمع أهلي مثل يد بيد. ونسب هذا للوعي الجديد لمستويات العنصرية المقلقة في المجتمع اليهودي.

“رؤساء البلديات، من أعلى المستويات، يقولون لنا الآن بأن درجات العنصرية في مدنهم مفزعة وأنهم يصرون على تقليصها بكل الوسائل المتاحة”، قال.

ولكن قال بئيري سوليتسيانو بأنه بالرغم من التغيير الإيجابي بتوجه الحومة لبرامج التعايش/ إسرائيل تشهد “تدهور شديد” في المستوى السياسي.

قائلا: “في العديد من الأحيان نكون مصدومين عندما يقوم وزراء حكوميين وأعضاء كنيست بخطوات التي تكاد تكون تحريض ضد العرب. هذه الخطوات تسعى لترهيب العرب، عزلهم، وجعلهم يشعرون أنه عليهم الخوف دائما على مكانتهم هنا”.

هنالك تناقد تام بين تياران: تيار إيجابي في المستوى الحكومي المهني، وتيار سلبي جدا في المستوى السياسي المعلن”.

رياض كبها، مدير المركز العربي-يهودي للسلام في جفعات حبيبا، الذي يهدف الى “بناء مجتمع حاضن ومتماسك في إسرائيل عن طريق مشاركة المجتمعات المنقسمة بنشاطات مشتركة”، قال أنه حان الأوان لأن تكون حركات المجتمع الأهلي في إسرائيل “سياسية أكثر” كي تتمكن من التعامل مع العلاقات المتدهورة بين العرب واليهود.

“لطالما تجنبنا السياسة، لأننا أردنا إشراك جميع الأطياف السياسية في إسرائيل”، قال كبها لتايمز أوف إسرائيل. “ولكن يبدو أن قطبي الطيف السياسي بعيدة عنا كثيرا. استثمرنا مجهودا كبيرا في أشخاص التي لن تقتنع بالحاجة للتعايش. اعتقد أنه علينا الآن التركيز على المقتنعين، وتقوية أنفسنا، وبعدها التعامل مع الآخرين”.

تدير جفعات حبيبا مشاريع “مجتمعية مشتركة”، وتجمع بين سكان أحياء عربية ويهودية مجاورة الذين لديهم إهتمامات أو مهن مشتركة، بالإضافة إلى طلاب مدارس ثانوية. وتبادر الجمعية أيضا بمساحات “إهتمامات مشتركة” التي نساهم للبلدات العربية واليهودية، من المناطق الصناعية وحتى ملاعب كرة القدم.

“اليوم، بسبب الأضرار الناتجة عن الحكومة، أنا وأصدقائي علينا العمل سبعة أضعاف لتقوية المجتمع الأهلي”، قال كبها. مضيفا: “الطريقة الوحيدة للنجاح هي عن طريق تضامن جميع المؤسسات والعمل سوية”.