هل تقوض اسرائيل أمنها وتحالفها مع الولايات المتحدة عبر السماح لشركة صينية بتشغيل اجزاء من ميناء حيفا؟

عبر عدة محللون ومسؤولون لم يتم تسميتهم في الأسابيع الأخيرة عن مخاوفهم بسبب الصفقة التي تمنح مجموعة “شنغهاي للموانئ الدولية” بإدارة محطات الحاويات في الميناء ابتداء من عام 2021.

ويخشون أن منح بكين وطأة قدم في موقع استراتيجي بهذا القدر، بالقرب من قاعدة عسكرية بحرية اسرائيلية، قد يقوض الاصول الاستخباراتية الإسرائيلية وحتى أن يؤدي الى تجنب السفن العسكرية الامريكية من دخول ميناء حيفا.

ونفى مسؤول رفيع في وزارة المواصلات هذا الأسبوع هذه المخاوف، واصفا إياها برواية فيلم جواسيس، وقال إن دوافعها سياسية، مشيرا الى تشغيل الصينيين أصلا موانئ في انحاء العالم الغربي، ومؤكدا على قيام السلطات الإسرائيلية بدراسات كافية قبل التوقيع على الصفقة.

ومع ذلك، أقرت مصادر دبلوماسية داخل الحكومة الإسرائيلية أن السماح لشركة مرتبطة بالنظام الشيوعي بتشغيل الميناء يثير مخاوف شرعية في واشنطن. وأقروا أيضا أنهم لا يعلمون كيف تم التوصل الى هذا القرار الخاطئ أصلا، ونادوا إسرائيل لحل المسألة بسرعة قبل أن تؤدي الى أضرار كبيرة للعلاقة بين الولايات المتحدة واسرائيل.

“حذرنا أنها قد تكون مشكلة”، قال مصدر حكومي رفيع لتايمز أوف اسرائيل هذا الأسبوع، متحدثا بشرط عدم تسميته. “هذه المسألة جزء من مخاوف أوسع قد تكون لدى الامريكيين حول علاقتنا مع الصين. مخاوفهم شرعية”.

الصين تقوم حاليا بمبادرات كبرى للسيطرة على موانئ في عشرات البلدان في انحاء العالم، ما تعتبره الولايات المتحدة تهديدا، حسب ما قال المسؤول.

توضيحية: العمال الأجانب الصينيون الذين يقومون بحفر أنفاق في الكرمل في شمال إسرائيل في استراحة لتناول الغداء. 24 فبراير 2009. (Moshe Shai/Flash90)

مضيفا: “لماذا نفعل ذلك؟ لا يوجد لدي جواب على ذلك. أنا واثق بأنه لم يتم اتخاذ هذا القرار بتهور وأنه كان هناك مباحثات جدية حول المسألة. على الأرجح يعود الأمر الى اعتبارات مالية. يمكن للصينيين القيام بالعمل بشكل اسرع وأفضل، ونحتاج شخص لتشغيل موانئنا بسرعة”.

من جهته، قال دان شابيرو، الذي شجع في عام 2013، خلال ولايته كسفير الولايات المتحدة لدى اسرائيل، بشكل فعال – ولكن غير ناجح في نهاية الامر – الشركات الامريكية للمشاركة في المزاد لميناء حيفا، أن اسرائيل عند توقيعها لم تكن تعلم تماما بمخاطر الصفقة.

“تشغيل شركة صينية لميناء حليف مقرب قد يشكل تحديا ربما يهدد عمليات سلاح البحرية الأمريكية”، قال. “يجب دراسة ما هي المخاطر وكيف يمكن تخفيفها. هذا يبرز مدى مسألة التحدي الذي تشكله الصين للولايات المتحدة عالميا والذي أصبح تحدي سياسة خارجية مركزي للولايات المتحدة”.

“من الأفضل أن تنشئ اسرائيل نظام مشابه للجنة الاستثمارات الخارجية في الولايات المتحدة”، قال شابيرو. وتشمل هذه المنظمة المتعددة الوكالات مسؤولين رفيعين من عدة أذرع حكومية يتباحثون كيف يمكن للاستثمارات الاجنبية أذية الأمن القومي.

“لا اعتقد انه لدى إسرائيل إجراء كهذا”، أضاف شابيرو. “منح المزاد للصين قد لا يكون خطأ، ولكن قد يكون نتيجة عدم وعي”، مشيرا الى التغيير المتنامي في العلاقات الأمريكية الصينية.

“ولكن الآن عندما يوجد وعي، يجب التعامل معه، ويجب التعامل معه عاجلا وليس آجلا. حل المشكلة يتطلب استشارات مكثفة بين عدة وكالات عسكرية واستخباراتية امريكية واسرائيلية”، قال شابيرو.

“في الأوقات العادية، وزير الدفاع يسافر إلى واشنطن لحل المسألة مع نظيره الأمريكية”، قال لاحقا في تغريدة. وفي الوقت الحالي، رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يحتفظ بحقائب الدفاع والخارجية.

عدم التشاور

وفقا لمصدر مطلع على الأمر، ارتكبت وزارة النقل خطأ فادحا عندما اختارت الصين دون استشارة مجلس الأمن القومي.

ملف: سفينة صواريخ من طراز 4.5، تغادر ميناء حيفا قبل أسطول البحرية الإسرائيلية تكريماً ليوم الاستقلال ال 70 لإسرائيل في 19 أبريل، 2018. (Judah Ari Gross/Times of Israel)

ظهرت مخاوف بشأن “مجموعة ميناء شانغهاي الدولية”، التي تدير ميناء حيفا، لأول مرة في أواخر أغسطس خلال مؤتمر جامعة حيفا حول مستقبل الأمن البحري. وأعرب المشاركون عن قلقهم من أن الاتفاق قد “يحد أو يمنع” التعاون مع البحرية الأمريكية، وفقا لمجلة “نيوزويك”.

في المؤتمر، قال الأدميرال الأمريكي المتقاعد غاري روغهيد، الرئيس السابق للعمليات البحرية، إن مشغلي مجموعة ميناء شانغهاي يمكن أن “يراقبوا حركات السفن الأمريكية عن كثب، وأن يكونوا على دراية بأنشطة الصيانة ويمكنهم الوصول إلى معدات تتحرك من وإلى مواقع الإصلاح والتفاعل بحرية مع طواقمنا على فترات طويلة”، ذكرت المجلة في سبتمبر.

“بشكل كبير، نظم المعلومات والبنية التحتية الجديدة المتكاملة للموانئ، واحتمالية المعلومات وأنظمة المراقبة الإلكترونية تعرض للخطر المعلومات الأمريكية والأمن السيبراني”، تابع روغهيد. “قد لا تمنع هذه العوامل زيارات موجزة إلى الميناء، لكنها قد تمنع تحويل الميناء لميناء ’بيت‘ والمشروعات والمبادرات الأخرى”.

منظر جوي لمنشأة أحواض السفن الإسرائيلية في ميناء حيفا، يونيو 2013. (CC-BY-SA-3.0 Meronim / Wikipedia)

وأكد تشوك فريليخ، نائب مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق، أن الكثيرون في البحرية الأمريكية قلقون بشأن هذه القضية.

“لقد رأينا هذه المخاوف من عدد من المصادر البحرية العسكرية، وهو أمر لا يمكننا تجاهله. هناك مشكلة هنا يجب معالجتها”، قال.

لا يقتصر الأمر على أن الشركة الصينية التي تعمل في ميناء حيفا تشكل مخاطر أمنية بالنسبة لإسرائيل، بل إنها تنطوي أيضا على إمكانية أن تؤدي إلى أزمات دبلوماسية واقتصادية كبرى مع واشنطن أو بكين، حسب قوله.

في أواخر التسعينيات من القرن الماضي، بدأت إسرائيل ببيع تكنولوجيا طائرات “فالكون” للإنذار المبكر وتقنية الطائرات بدون طيار إلى الصين، في صفقة بمليار دولار عارضتها الإدارة الأمريكية بشدة.

تسبب هذا في واحدة من أعمق الأزمات في العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من أي وقت مضى. تسبب الأمر في انهيار العلاقة العسكرية الإسرائيلية-الصينية.

في ذلك الوقت، رأت بكين في إسرائيل شريكا محتملا لصفقات الأسلحة الرئيسية. لكن الإدارة، خوفا من صدام مستقبلي مع الجيش الصيني، مارست ضغوطا كبيرة على القدس لإلغاء الصفقة، التي قضت على الآمال الإسرائيلية في عقد صفقات دفاعية مربحة مع العملاقة الآسيوية.

بعد إلغاء الصفقة، اضطرت إسرائيل إلى دفع 300 مليون دولار كتعويض للأضرار، وأنشأت وزارة الدفاع آلية من شأنها أن تعطي مكتب رئيس الوزراء ووزارة الخارجية صوتا في تصدير الأسلحة في المستقبل، ذكر فريليخ.

“كانت الصين غاضبة، وتدمرت العلاقة العسكرية مع إسرائيل، ولم تتعاف من ذلك أبدا. لكنهم وافقوا في وقت لاحق على تكثيف علاقتهم التجارية مع إسرائيل”، قال.

منظر جوي لميناء حيفا، شمال إسرائيل، 14 يونيو 2014. (Shay Levi/Flash90)

وقال إن إلغاء الاتفاق مع مجموعة شانغهاي قد يؤثر سلبا على العلاقات التجارية القوية القائمة اليوم.

“إنها تذهب أبعد من قضية الميناء. هذه مشكلة كبيرة بحد ذاتها، ولكنها تتضاءل مقارنة بما يمكن أن تكون عليه التداعيات الأوسع نطاقا”.

إذن ماذا يجب أن تفعل إسرائيل؟

“أول شيء يجب فعله هو البدء بمحادثات هادئة خلف الكواليس مع مسؤولي البحرية والإدارة المعنيين لمعرفة ما هي المخاوف ومعرفة ما إذا كان من الممكن التغاضي عنها دون التراجع عن الاتفاق”، اقترح فريليخ.

وذكرت صحيفة “جيروسالم بوست” الأسبوع الماضي ثلاثة مصادر مجهولة تقول إن المخاوف الأمريكية دفعت إسرائيل لإجراء “مراجعة للاتفاقية على مستوى عال”.

وقال المتحدث بإسم وزارة الخارجية ايمانويل نحشون لتايمز أوف إسرائيل يوم الأربعاء أنه لا يعلم بأي مراجعة من هذا القبيل، ورفض تقديم أي تعليق إضافي.

ورفض مكتب رئيس الوزراء أيضا التعليق.

وقامت السفارة الأمريكية في تل أبيب بتحويل التايمز أوف إسرائيل إلى الناطق بإسم القيادة البحرية الأمريكية، القائد كايل رينز، الذي قال: “إن سفننا البحرية الأمريكية كثيرا ما تزور حيفا، إسرائيل، لكل من النشاط العسكري الثنائي بين الولايات المتحدة وإسرائيل أو مجرد التوقف في الميناء. لا يوجد تغيير في عملياتنا الروتينية مع إسرائيل. شراكتنا مع إسرائيل ثابتة”.

ومن جهته، قال وزير النقل الإسرائيلية يسرائيل كاتس في بيان له: “إن دولة إسرائيل تتعامل مع جميع الجوانب المتعلقة بإنشاء وتشغيل البنى التحتية من قبل الشركات الأجنبية في إسرائيل”.

وقال يغال مئور، المدير العام في إدارة الشحن والموانئ بوزارة النقل، أنه لا يوجد ما يدعو للقلق على الإطلاق.

أولا، الشركات الصينية موجودة بالفعل في الموانئ في جميع أنحاء العالم الغربي، بما في ذلك ثلاثة موانئ على الأقل في الولايات المتحدة نفسها، على حد قوله. “في سياتل، لديهم محطة ضخمة”.

يغالل مئور (courtesy)

علاوة على ذلك ، فازت مجموعة شانغهاي فقط بالامتياز لتشغيل محطة حاويات النقل في الميناء، وفقا لمئور.

“لن يتعاملوا مع البضائع العامة أو الطاقة أو المنتجات النفطية. سوف يتعاملون فقط مع الحاويات”، أكد.

في بيان صحفي من عام 2015، قالت مجموعة شانغهاي أنها ستكون “مسؤولة عن بناء المرافق في المحطة الخلفية، ونشر وتركيب المعدات وتشغيل وإدارة المحطة يوميا”.

وقالت الشركة إن المحطة المعروفة بإسم “بايبورت” تضم “1500 متر على طول رصيف الميناء”، لكن مئور أكد أن الصينيين لن تكون لديهم السيطرة على أكثر من 10% من تشغيل الميناء بأكمله”.

مئور، كابتن البحرية العسكرية المتقاعد الذي يرأس إدارة الشحن والموانئ منذ عام 2009، سخر من القلق حيال التجسس المحتمل في الميناء، قائلا إن السفن الأمريكية ترسو بالفعل بعيدا عن الزوارق الصينية. وعلى أي حال، “هناك أماكن أفضل بكثير لجمع المعلومات الاستخبارية القيمة من المنطقة التي ستكون الشركة الصينية مسؤولة عنها”، على حد قوله.

وشدد مئور على أن مساهمي الشركة هم صينيين، لكن 98% على الأقل من الأشخاص الذين سيعملون بالفعل في الميناء سيكونون مواطنين إسرائيليين. وأضاف أن القانون الإسرائيلي لا يسمح للمواطنين الصينيين بالعمل في موانئها.

“أوافق على أننا لا نفهم الصين بشكل كامل – لديهم عقلية مختلفة عنا. لكننا وقعنا اتفاقا معهم، وفي حالة مخالفته، يمكننا أن نعاقبهم أو نلغيه تماما”، قال.

إن المخاوف من تسلل صيني محتمل كعامل لإبعاد السفن الأمريكية في طريقها إلى حيفا “ليست سوى حكايات زوجات كبيرات في السجن ينشرها الناس”، لأي سبب كان، لكي تتفاقم العلاقة الحساسة بين الصين والولايات المتحدة.

“أشياء مثل هذه لا تحدث هنا، الحياة ليست فيلم ’مهمة مستحيلة‘”، قال، مشيرا إلى سلسلة أفلام التجسس الشهيرة.

ورفض مئور الرد على الاتهام بأن وزارة النقل لم تتشاور مع مجلس الأمن القومي قبل التوقيع على الصفقة.