خلال احتفاله بقرار الإدارة الأمريكية الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان، أدلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الثلاثاء بتصريح دراماتيكي يبدو أنه يتناقض مع مبدأ أساسي من مبادئ القانون الدولي فحسب ، ولكنه قد ينبئ أيضا بضم إسرائيلي محتمل للضفة الغربية.

وقال نتنياهو: “هناك مبدأ هام جدا في الحياة الدولية: عندما تبدأ حربا عدوانية، تخسر أراض؛ لا تأتي وتطالب بها بعد ذلك. إنها ملك لنا”.

ما بين السطور كان واضحا: يُسمح للدول بضم أراض كسبتها في حروب دفاعية.

بعد ساعات من ذلك، أعاد مسؤول إسرائيلي التأكيد على النقطة، ولمح إلى أن اعتراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالجولان يدعم المطالبات الإسرائيلي بأراض أخرى استولت عليها إسرائيل في حروب دفاعية – مثل الضفة الغربية.

وقال المسؤول، والذي قالت صحيفة “نيويورك تايمز” أنه نتنياهو إن الجميع يصر على “أنه من المستحيل الاحتفاظ بأراض محتلة، وانظروا – هذا ممكن إذا كانت لنا في حرب دفاعية”.

يُعتبر هذا التصريح تصريحا دراماتيكيا: حيث يبدو من خلاله أن رئيس الوزراء الإسرائيلي ينفي أحد الركائز الأساسية في الدبلوماسية الحديثة – الرفض المطلق للاستحواذ على أرض بالقوة.

في إدانته لضم إسرائيل الفعلي للجولان في عام 1980، أعاد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في القرار 497 – الذي تم اعتماده بالاجماع، بما في ذلك من قبل الولايات المتحدة – التأكيد على  “أن الاستيلاء على الأراضي بالقوة غير مقبول بموجب ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة”

بموجب ميثاق الامم المتحدة، على الدول الأعضاء “الامتناع في علاقاتها الدولية عن التهديد باستخدام القوة ضد سيادة الدول واستقلالها السياسي ووحدة أراضيها”. وقد تم تفسير ذلك عموما على أنه يعني أنه لا يمكن إعادة رسم الحدود بوسائل عسكرية، ولكن من خلال اتفاقيات فقط.

لهذا السبب فوجئ بعض الخبراء القانونيين الإسرائيليين من تصريح نتنياهو.

وقال روبي سابيل، باحث في القانون الدولي ومستشار قانوني سابق لوزارة الخارجية الإسرائيلية، إن “الجولان هو أرض سورية، ولا يمكنك الحصول على أراض من دولة أخرى في حرب دفاعية. حقيقة أنك تعمل دفاعا عن النفس تعطيك الحق في احتلال أراضي العدو، لكن لا تمنحك الأرض”.

بروفسور روبي سابيل (YouTube screenshot)

في الحرب العالمية الثانية على سبيل المثال، كما يشير سابيل، هاجمت الولايات المتحدة اليابان واحتلت هذا البلد لاحقا – لكنها لم تكتسب السيادة عليه، كما أشار سابيل. وبالمثل، هزم الحلفاء ألمانيا النازية في حرب دفاعية واحتلالهم للبلد بعد ذلك كان قانونيا تماما، لكن لم يحلم أحد بضم ألمانيا، أو حتى أجزاء منها، ضد رغبة ألمانيا.

وقال سابيل: “لقد وافقت ألمانيا بعد الحرب العالمية الثاني على نقل بعض أراضيها إلى بولندا وتشيكوسلوفاكيا، وهذه خطوة سليمة تماما. ولكن فعل الاحتلال الفعلي لا يمنحك السيادة على الأرض. بالتالي، الطريقة الوحيدة للحصول على سيادة على الجولان هي من خلال اتفاق مع سوريا، أو اذا مر الوقت من دون اعتراض أحد على ذلك. لكن هناك من يعترض على ذلك”.

في هذه الصورة التي نشرتها وكالة الأنباء الرسمية السورية “سانا”، يحمل سوريون الأعلام السورية وصور للرئيس بشار الأسد خلال مظاهرة احتجاجا على قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، في مدينة طرطوس الساحلية، 27 مارس، 2019. (SANA via AP)

وشدد سابيل على أنه مهما بلغت قوة الولايات المتحدة، فهي لا تملك صلاحية منح إسرائيل السيادة على أرض سورية. “هذا الوضع، من الناحية القانونية، لا يزال يشير إلى أننا نحتل أرضا سوريا. هذا قانوني تماما حتى نتوصل إلى اتفاق سلام. وقد يستمر ذلك لفترة طويلة، لكن ذلك لا يمنحنا السيادة. [نتنياهو] لم يتشاور مع محام قبل أن يقول ذلك”.

محللون آخرون لا يتفقون مع هذا التحليل.

يوجين كونتوروفيتش، وهو مدير القانون الدولي في معهد الأبحاث “منتدى كوهيلت للسياسات” اليميني، قال إن “القانون الدولي ذات الصلحة يحظر فقط الإستيلاء على أرض في حرب عدوانية”.

“في الواقع، إذا كان القانون الدولي لا يسمح للدول التي تتعرض لهجوم بالقيام بتغييرات في الحدود في بعض الظروف، فإن هذا سيؤدي في الواقع إلى دعوة العدوان، لأن الدولة المهاجمة ستكون [مؤمنة] ضد خسائر المدافع”.

وأشار كونتوروفيتش أيضا إلى أن إسرائيل بذلت “جهود سلام متعددة بحسن نية لإعادة الأراضي”، وأن سوريا “فقدت كل شرعيتها من خلال ارتكابها لفظائع جماعية”. علاوة على ذلك، أشار إلى أن الولايات المتحدة كانت اعترفت في السابق “بتغييرات إقليمية قسرية” – على سبيل المثال في عام 1995، عندما قدم الرئيس بيل كلينتون اعترافا دبلوماسيا كاملا بفيتنام.

لكن قلة في المجتمع الدولي تتفق مع هذه الحجج.

يوم الأربعاء، أعلنت الدول الـ 28 الأعضاء في الإتحاد الأوروبي، مشيرة إلى “القانون الدولي وقراري مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة 242 و497″، عن عدم اعترافها بالسيادة الإسرائيلية على الجولان.

وبالتالي انضم الإتحاد الأوروبي – الذي صوت أعضاؤه يوم الجمعة الماضي ضد قرار يدين الاحتلال الإسرائيلي للجولان في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة – إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، سوريا، روسيا، إيران، ومنظمة التعاون الإسلامي وغيرها ممن سبق لهم واستنكروا خطوة ترامب.

سفير النمسا لدى إسرائيل، مارتن فايس، أعرب عن بعض التفهم لرغبة القدس بالاحتفاظ بالجولان، لكنه رفض اعتراف ترامب الأحادي بالضم الإسرائيلي.

وقال فايس لتايمز أوف إسرائيل يوم الأربعاء إن “احتلال موقع حاسم استراتيجيا في سياق الحرب هو شيء واحد. كما هو الحفاظ على هذه الموقع حتى اتفاق سلام – مهما بدا ذلك مستبعدا”.

السفير مارتين فايس في مقر إقامة رئيس الدولة في القدس، 1 فبراير، 2016. (Issac Harari/Flash90)

وأضاف فايس: “ومع ذلك، فإن المشكلة في حجة [نتنياهو] ’عندما تبدأ حربا عدوانية وتخسر الأرض – فهي ملك لنا’ هي أن ذلك سيسمح لك بتغيير الحدود بشكل أحادي – وبالتالي فتح صندوق باندورا. من سيقرر ما إذا كانت الحرب عدوانية أم لا؟ ما تراه دولة عدوانا قد تراه أخرى دفاعا شرعيا”.

وتابع قائلا: “في نهاية المطاف هذا سؤال للمؤرخين للإجابة عليه. وليس السياسيين. وعلى أي حال فإن القانون المتعلق بهذا السؤال واضح: هو يحمي بشدة السلامة الإقليمية للدول. إن هذا هو مبدأ أساسي في القانون الدولي – فهو يكمن في أساس السلام والاستقرار الدوليين”.

الجولان هو رسميا جزء من سوريا منذ عام 1923

الجولان معترف به دوليا كجزء من سوريا منذ ما يقرب من قرن. حدد ما يُسمى باتفاق بوليه- نيوكومب، الذي أبرمته فرنسا وبريطانيا في 7 مارس 1923 ووافقت عليها عصبة الأمم فيما بعد، الحدود بين الاتحاد السوري وفلسطين الانتدابية.

حقيقة أن إسرائيل استولت على المنطقة في عام 1967 وقامت رسميا بتمديد قانونها ليشمل المنطقة في عام 1980 لا يغير من مطالبة دمشق الصحيحة بها، بحسب سابيل، أستاذ القانون الإسرائيلي.

وقال سابيل: “إن الجولان مشابه لسيناء: إنها أرض مصرية، وكان احتلالنا لها قانونيا تماما. ولكن لا يمكنك الحصول على السيادة من خلال الاحتلال”.

إسرائيل انسحبت من شبه جزيرة سيناء في إطار اتفاق شامل للأرض مقابل السلام مع مصر تم التوقيع عليها قبل 40 عاما.

كما يقول سابيل إن “الضفة الغربية هي وضع مختلف. لا توجد هناك دولة سابقة صاحبة سيادة في الضفة الغربية؛ بالتالي هي موضع نزاع ويمكننا التفاوض حول ذلك مع الفلسطينيين”.

لافتة تحذر من حقل ألغام بالقرب من الحدود السورية-الإسرائيلية في هضبة الجولان، 25 مارس، 2019. (Basel Awidat/Flash90)

حتى وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، الذي أشاد مثل آخرين في الإدارة بقرار الرئيس الأمريكي بشأن الجولان، أكد على أنه هذا القرار لا يجب أن يُنظر إليه على أنه نفي للمبدأ الذي يستبعد الاستحواذ على الأراضي بالقوة.

يوم الثلاثاء، قال بومبيو للصحافيين: “هذا وضع فريد للغاية. لقد حاربت إسرائيل حربا دفاعية لإنقاذ شعبها [عندما استولت على المنطقة في عام 1967]، ولا يمكن أن يكون قرار للأمم المتحدة بمثابة اتفاق انتحاري. ببساطة لا يمكن أن يكون كذلك، وهذا هو الواقع الذي اعترف به الرئيس ترامب في أمره التنفيذي بالأمس”.

وحرصت إسرائيل على التأكيد على أن شرعية حكمها للجولان لا تنبع فقط من ظروف استيلائها على المنطقة، وإنما أيضا من الروابط اليهودية التاريخية والدينية العميقة في المنطقة.

مما يثير الاهتمام أن الإدارة الأمريكية أشارت فقط إلى مخاوف إسرائيل الأمنية في الماضي والحاضر لتبرير خطوتها، متجاهلة العلاقة اليهودية.

الإعلان الرئاسي أشار إلى حقيقة إستيلاء إسرائيل على الجولان في عام 1967 لـ”حماية أمنها من تهديدات وجودية… أي اتفاق سلام مستقبلي في المنطقة يجب أن يأخذ بالحسبان حاجة إسرائيل للدفاع عن نفسها من سوريا وتهديدات إقليمية أخرى”.

وأضافت الوثيقة أنه “بالاستناد على هذه الظروف الفريدة، من المناسب بالتالي الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان”.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى اليسار، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في إعلان بشأن مرتفعات الجولان خارج الجناح الغربي بعد اجتماع في البيت الأبيض في واشنطن العاصمة، 25 مارس 2019. (Brendan Smialowski/AFP)

حتى نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس، الذي لا يتردد عادة في تبني الأفكار التوراتية والدينية، تحدث عن هضبة الجولان فقط بعبارات تتعلق بالأمن الإسرائيلي.

في خطاب أمام المؤتمر السنوي لمنظمة “إيباك”، تحدث بنس مطولا عن الجولان، وأشار إلى كونه “ضروريا للأمن الاستراتيجي لدولة إسرائيل”، لكنه حذف أي إشارة إلى التاريخ اليهودي هناك.

بالمقابل، بذل الجانب الإسرائيلي الكثير من الجهد للتشديد على النقطة اليهودية.

يوم الإثنين قال نتنياهو لترامب: “لقد فازت إسرائيل بهضبة الجولان في حرب عادلة دفاعا عن النفس، وجذور الشعب اليهودي في الجولان تعود إلى آلاف السنين”.

وقال يوم الثلاثاء: “عندما تضع مجرفة في الأرض هناك ما تكتشفه هو أنقاض كنس يهودية قديمة”.

المتحدث بإسمه، أوفير غندلمان، استخدم “تويتر” لتقديم بعض التفاصيل:

كما أكد الرئيس رؤوفين ريفلين، في بيان تهنئته، هو أيضا على أن “تاريخ الشعب اليهودي في الجولان يعود لآلاف السنين”.

لكن سابيل يقول إنه مهما كان ذلك صحيحا، فإن القانون الدولي لا يأخذ في الاعتبار الروايات الدينية والحجج التاريخية.

’القانون الدولي سياسي أكثر من كونه مهني’

دبلوماسيان غربيان تحدثا شريطة عدم الكشف عن هويتهما قالا إن اعتراف ترامب بالجولان وتصريح نتنياهو الدراماتيكي حول قدرة إسرائيل على الاحتفاظ بالأراضي التي تم الاستيلاء عليها في حروب دفاعية يشكلان سابقة خطيرة تشرعن ضم روسيا لشبه جزيرة القرم وقد تلهم بلدانا أخرى بمحاولات الحصول على أراض جديدة بالقوة.

مستشار الأمن القومي السابق، الميجر جنرال (متقاعد) غيورا آيلاند. (Flash90)

من ناحية أخرى، يقول غيورا آيلاند، وهو مستشار أمني إسرائيلي سابق: “علينا أن ندرك أن القانون الدولي هو ليس قانونا حقيقيا. هناك الكثير من المعايير المزدوجة، وحتى المعايير المتعددة”

ويزعم آيلاند أن القانون ضد الاستحواذ على أرض بالقوة يتم تطبيقه بشكل إنتقائي، مشيرا إلى أن المجتمع الدولي يغض الطرف عن روسيا وبعض البلدان الصغيرة في أفريقيا عندما تقوم بأمور لن تفلت إسرائيل منها أبدا اذا قامت بها.

ويصر آيلاند على أن “القانون الدولي هو سياسي أكثر من كونه مهني. في نهاية المطاف، يعتمد مصير الجولان على العلاقات بين القوى” وليس على ما هو مكتوب في ميثاق الأمم المتحدة.

وأضاف أن تصريح نتنياهو حول الاعتراف الأمريكي قد يفتح الباب أمام ضم إسرائيل لمناطق أخرى في حال لم يحظى ذلك بكثير من الاهتمام.

وقال آيلاند: “لا أعتقد أن هذه بداية حقبة جديدة” تعتقد فيها إسرائيل أن بإمكانها ضم الضفة الغربية من دون رقابة دولية ، “لكن بطبيعة الحال، يحاول رئيس الوزراء الاستفادة من هذا الإعلان الأمريكي. إنه انجاز مهم بالنسبة له، ونحن نهنئه على ذلك”.