بعد كثير من الأشهر والعناوين التي لا تعد ولا تحصى، انتهت محاولة الفلسطينيين لفرض شروط إقامة دولة على إسرائيل من خلال الأمم المتحدة بفشل محرج ليلة الثلاثاء، عندما رفض مجلس الأمن مشروع قرار S/2014/916. حتى أن الولايات المتحدة لم تضطر إلى استخدام حق النقض الفيتو.

هزيمة الفلسطينيين كانت غير متوقعة وقاسية. قبل وقت قصير من التصويت، ادعى الفلسطينيون – وأكد ذلك مسؤولون إسرائيليون – أن تسع دول تعتزم دعم مشروع القرار، ما يشكيل الأغلبية اللازمة وإجبار الولايات المتحدة على إستخدام حق النقض الفيتو. ولكن في لحظة الحقيقة، امتنعت نيجيريا بشكل مفاجئ. ووجد رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس والفلسطينيون أنفسهم على بعد صوت واحد من الدفع إلى حل للصراع خلال عام وانسحاب إسرائيلي كامل خلال ثلاثة أعوام.

سنتوقع من السياسيين والمحللين في إسرائيل قضاء الأيام القليلة القادمة في جدال حول ما إذا كان التصويت الذي انتهى بأغلبية 8 مقابل 2، مع امتناع 5 أعضاء، كارثة، مشددين على ازدياد العزلة الدولية لإسرائيل، أو أنه حالة من الدبلوماسية الإسرائيلية العبقرية، من خلال إقناع نيجيريا بتغيير موقفها في اللحظة الأخيرة. (رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو تحدث إلى قادة رواندا ونيجيريا قبل التصويت؛ رواندا امتنعت أيضا، ولكن لم يكن ذلك مفاجئا بنفس الدرجة، وكذلك بريطانيا وكوريا الجنوبية وليتوانيا).

لقد تلقى الفلسطينيون بوضوح هزيمة دراماتيكية. ولكن لا يمكن لإسرائيل في المقابل الإدعاء أنها حققت إنتصارا دراماتيكيا. النجاح في الحصول على معارضة الولايات المتحدة وأستراليا فقط – لمذكرة صُممت لفرض شروط أعلنت إسرائيل بوضوح أنه لا يمكنها الموافقة عليها، وقدمتها القيادة الفلسطينية التي هي حاليا جزء من حكومة التوافق المدعومة من حماس – لا تشير إلى تعاطف دولي كبير مع مخاوف إسرائيل.

حتى الدول التي امتنعت حرصت على التوضيح أنها تدعم الكثير من البنود التي يتضمنها مشروع القرار الفلسطيني. بريطانيا، على سبيل المثال، “تدعم جزءا كبيرا من مضمون مشروع القرار. لذلك وبأسف شديد سنمتنع عن التصويت عليه”، كما قال سفير بريطانيا مارك ليال غرانت.

ربما أذكى طريقة في النظر إلى التصويت هي أنه يؤكد انحسار التأييد للمواقف الإسرائيلية، مع أن الممانعة في تأييد مشروع القرار منعت تمريره بفارق ضئيل. الرسالة كانت أن المجتمع الدولي سئم من الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، ويعتقد أن معاهدة تفاوضية هي أفضل طريقة لحله، ولكن بطريقة أو بأخرى يريد أن يرى إسرائيل تنسحب بسرعة من الضفة الغربية للتمكين من إقامة دولة فلسطينية. حصلت إسرائيل على مساحة للتنفس قليلا، وليس أكثر من ذلك. تحدث كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات عن العودة إلى مجلس الأمن عندما تكون العضوية فيه ذات فائدة أكبر.

كانت هناك بعض التكهنات بأن الفلسطينيين تسرعوا في الدعوة إلى التصويت قبل 1 يناير، حيث ستكون كوكبة المجلس أكثر تعاطفا مع القضية الفلسطينية، لأنهم أرادوا فشل مشروع القرار الذي قدموه. خشية من عقوبات أمريكية محتملة، سعى الفلسطينيون إلى الهزيمة حتى يجنبوا الولايات المتحدة حاجتها لإستخدام حق النقض الفيتو.

ولكن الطريقة التي سارات فيها الأمور لا تظهر ذلك على الإطلاق. بدلا من ذلك، كان الفلسطينيون واثقين من حصلوهم على الأصوات التسعة، وأخطأوا في حساب الموقف النيجيري. لو انتظروا يومين آخرين، عندها ستحل ماليزيا محل كوريا الجنوبية، فما كانوا تعرضوا للهزيمة.

معظم الأصوات الثمانية المؤيدة كان يمكن التنبؤ بها منذ فترة طويلة. لم يصب أحد بالصدمة بأن الأردن وتشاد وتشيلي أيدوا مشروع القرار، الذي ينص على قائمة الرغبات الفلسطينية بينما يتجاهل التحذيرات الإسرائيلية. ولم يتفاجئ أحد أيضا بأن الصين وروسيا والأرجنتين وحتى لوكسمبورغ، على الرغم من أنه من المفترض أن يكونوا حلفاء أيدوا أيضا مشروع قرار حذر رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو من أنه يضع “مستقبل [إسرائيل] في خطر”.

في شهر مايو قال نتنياهو لنائب رئيس الوزراء الصيني ليو يان دونغ، “هناك تقارب وصداقة طبيعيين بين شعب الصين العريق وشعب إسرائيل العريق. فكلانا متجذر في تقاليد عظيمة، ولكننا أيضا حريصون تماما على اغتنام المستقبل”. بالنسبة لبكين، يبدو بوضوح أن المستقبل يشمل إقامة دولة فلطسينية خلال 12 شهرا، يرافق ذلك “انسحاب كامل وتدريجي لقوات الإحتلال الإسرائيلي ما سينهي الإحتلال” بحلول ديسمبر 2017.

ولكن تصويت فرنسا بنعم هو الأمر الذي أثار الدهشة. لقد أُخذت وارة الخارجية في القدس على حين غرة عندما تبين، قبل ساعات قليلة من التصويت، أن باريس غيرت موقفها وتعتزم التصويت لصالح مشروع القرار. قضى دبلوماسيون فرنسيون ساعات من العمل على مشروع قرار “أخف” لإقامة دولة فلسطينية، الذي منح إسرائيل وقتا أكثر للإنسحاب وتضمن عددا من البنود الملائمة أكثر لإسرائيل، بما في ذلك صيغة مقبولة أكثر في موضوع اللاجئين.

رفض الفلسطينيون اعتماد النسخة الفرنسية، وقدموا نسختهم الخاصة، مع القيام ببعض التغييرات على الطريق ولكن ذلك لم يغير من الموقف الإسرائيلي نحو النص. على النسخة النهائية أُضيفت مسألة إطلاق الأسرى الفلسطينيين على قائمة قضايا عالقة تتطلب “حلا عادلا” وتطالب بوقف كل النشاط الإستيطاني الإسرائيلي، بما في ذلك في القدس الشرقية. في حين أن نسخة سابقة تحدثت عن القدس “كعاصمة مشتركة للدولتين”، تعلن النسخة التي فشلت يوم الثلاثاء صراحةأن القدس الشرقية ينبغي أن تكون عاصمة للدولة الفلسطينية وتصورت “حلا عادلا لمكانة القدس كعاصمة للدولتين”.

ومع ذلك قالت باريس نعم. “أرادت فرنسا عرض بديل بناء ومعقول وتوافقي على مشروع القرار الفلسطيني الأولي”، كما قال فرانسوا ديلاتر، السفير الفرنسي في الأمم المتحدة، الذي أقر بأن النص الفلسطيني، الذي قدمته الأردن للتصويت عليه، “لم يكن مثاليا”. ولكن على الرغم من “التحفظات حول بعض الصيغات”، صوت لصالح مشروع القرار لأن عملية السلام بحاجة إلى التقدم ولأنه ينبغي على المجتمع الدولي “المشاركة في ثقل هذه المفاوضات”.

قبل نحو عام، في 18 نوفمبر، 2013، رحب نتنياهو بالرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند في الكنيست. وصرح رئيس الوزراء في حينه أن “هولاند هو صديق حقيقي لإسرائيل”، مضيفا “نشكرك على دعمك القوي لجهودنا الرامية إلى تحصين أمن إسرائيل وبناء سلام حقيقي مع جيراننا”.

يتساءل المرء إذا كان نتنياهو سيقول نفس الكلمات اليوم.