بعد ظهر يوم الخميس سافرت إلى دوما، القرية التي قُتل فيها الطفل الرضيع إبن ال18 شهرا علي دوابشة فيما يبدو كعمل إرهابي إرتكبه يهود. في مفترق شيلو (كنت قادما من رام الله)، توجهت شرقا على طول “طريق النبيذ”. إسم رومانسي لمنطقة بؤر إستيطانية غير قانونية، بعضها مبنية على أرض لمالكين فلسطينيين: “أهييا”، “كيدا”، “عادي عاد”، “إش كودش”، وأنقاض ما كانت مرة بؤرة “غيئولت تسيون” الإستيطانية ما زالت على واحدة من التلال.

المشهد رائع ويلقط الأنفاس – وفي بعض الحالات، البيوت كذلك. على سبيل المثال في “كيدا”، مستوطنة يعيش فيها ضباط وضباط إحتياط في الجيش الإسرائيلي، هناك عدد من الفيلات الرائعة التي يإمكان سكان وسط إسرائيل أن يحلموا بها فقط. مزيج البيوت الحجرية مع كروم العنب يعطي شعورا بأنك في دولة أجنبية حتى تتذكر أن هذه هي الضفة الغربية، وأنه لا يمر أسبوع تقريبا من دون تقارير عن مواجهات عنيفة بين سكان “إش كودش” وجيرانهم الفلسطينيين في قصرة.

إستمرارية المجتمعات اليهودية تمتد من طريق رقم 60 وحتى طريق ألون في إتجاه غور الأردن، ما يشير بوضوح إلى أن مواقع هذه البؤر الإستيطانية لم يتم اختيارها بشكل عشوائي. استمرارية الأراضي بين نابلس ورام الله تقطعها مرارا وتكرارا مستوطنات يهودية، ونشأت هناك إستمراية يهودية بين “بيت إيل”، من خلال “عوفرا”، و”شيلو” و”إيلي”، ومن الشرق، “شفوت راحل” وبعد ذلك سلسلة من البؤر الإستيطانية التي تنحدر شرقا باتجاه غور الأردن. بعضها يقع على الإمتداد بين بيت لحم والخليل. الظروف هناك تبين أن إنسحابا إسرائيليا من الضفة الغربية يبدو من الآن أمرا مستحيلا.

وهنا يجب القول: يبدو أنه تم إجتياز الخط الفاصل. حل الدولتين لم يعد موجودا.

الحساب بسيط جدا. حوالي 400,000 مستوطن يعيش في الضفة الغربية (من دون الأخذ بعين الإعتبار الأحياء اليهودية في القدس الشرقية التي تقع وراء الخط الأخضر)، والأرقام في ازدياد. حتى لو نجح رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في التوصل إلى إتفاق سلام غدا، سيكون على إسرائيل تحويل حوالي 95% من أراضي الضفة الغربية إلى السيادة الفلسطينية. هذا يعني أن الكتل الإستيطانية ستظل تحت السيادة الإسرائيلية – أي ثلثي السكان اليهود. بكلمات أخرى، سيكون على إسرائيل إجلاء 130,000 يهودي من الضفة الغربية من أجل إتفاق السلام مع الفلسطينيين.

هل هناك من يعتقد بأن هذا الأمر ممكن؟ خلال فك الإرتباط، نجح الجيش الإسرائيلي في إجلاء المستوطنين من غزة في غضون أيام قليلة. ولكن في وقتها كان هناك أقل من 10,000 مستوطن، وبدا الجيش مختلفا أيضا. هل هناك حقا من يعتقد بجدية بأن الجيش بشكله الحالي – جيش مر بتغيرات إجتماعية هامة على مدى العقدين الماضيين، جيش أفضل ضباطه هم أعضاء في الحركة الصهيونية الدينية ويعيشون في المستوطنات – بإمكانة تنفيذ مهمة من هذا القبيل؟ تبدو الفكرة غير واقعية إن لم تكن سخيفة.

لذلك قد يكون الوقت قد حان لنقولها بصوت عال. لليمين الإسرائيلي: لقد إنتصرتم. لن تكون هناك دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل.

وربما قد حان الوقت لنقول أيضا لأعضاء اليسار: لقد خسرتم. عليكم إيجاد أجندة جديدة.

وبالمناسبة، الشعب الفلسطيني يدرك ذلك بالفعل. لقد إستسلم لهذا الوضع، على الأقل للسنوات القليلة القادمة. التوجه الشائع بين الفلسطينيين هو دعم لحل الدولتين، ولكن مع إدراك أن الفكرة غير واقعية، ولذلك عليهم قبول الواقع الحالي حتى تصبح إسرائيل دولة ثنائية القومية.

وهنا يجب أن نضيف أيضا ملاحظة نحذر فيها أعضاء معسكر اليمين: إنتصاركم هو إنتصار باهظ الثمن. إنه مؤقت، وسيستمر لسنوات قليلة فقط. بالنسبة للمتطرفين الإسلاميين، هو يمثل إنجازا هائلا.

قمت بزيارة رام الله في الصباح نفسه ضمن يوم آخر من العمل، والتقيت هناك بعدد من قياديي حماس في الضفة الغربية. لم يقوموا بتصريحات متطرفة ضد دولة إسرائيل، ليس من النوع الذي يدعو إلى حرب أو إنتفاضة. بدلا من ذلك، قالوا العكس، مشددين على الحاجة إلى التوصل إلى إتفاق وقف إطلاق نار طويل الأمد مع حماس في غزة. يبدو أنهم يدركون أيضا أن النصر أصبح في جيبهم. تم وضع حل الدولتين على الرف، والوضع الراهن هو الحل الجديد.

السياسة الإسرائيلية التي يفتخر بها اليمين بصورة كبيرة – عدم حل الصراع، بل إدارته – هي إستراتيجية تؤمن حماس بأنها ستقودها إلى النصر. من دون فصل، ومع تغيير ديمغرافي سريع، سيصبح العرب أغلبية بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط. ودولة إسرائيل كما عرفناها مرة ستبدو مختلفة، وستبدأ إنزلاقها القاسي نحو التحول إلى دولة إسلامية.

بالنسبة لحماس، هذه ليست برؤية ستتحقق خلال عام أو عامين، ولكنها ستتحقق خلال عدة عقود. فهم ليسوا على عجلة من أمرهم، فالوقت في صالحهم.