بين الآثار التي لا قيمة لها في تدمر، لؤلؤة الصحراء السورية، المعرضة للخطر بعد إستيلاء تنظيم “الدولة الإسلامية” على المدينة الأسبوع الماضي هناك بقايا من الماضي اليهودي فيها، بما في ذلك أطول نقش عبري توراتي من العصور القديمة: الآيات الإفتتاحية (شيماع) في سفر التثنية المحفورة على مدخل حجري.

علماء الآثار الغربيون الذين قاموا بزيارة الموقع في القرنين الـ19 والـ20 اكتشفوا آيات عبرية محفورة على إطار باب منزل في المدينة القديمة. ولكن ليس واضحا ما إذا كان النقش ما زال في الموقع.

المرة الأخيرة التي قام فيها باحث أوروبي بتوثيقها في الموقع كانت عام 1933، عندما قام باحث الآثار إليعزر سوكينيك من الجامعة العبرية بتصويرها.

“ما الذي حدث لها منذ ذلك الحين غير معروف”، كما يقول بروفسور دافيد نوي، أحد مؤلفي كتاب ” Inscriptiones Judaicae Orientis” (النقوش اليهودية في الشرق الأدنى)، في بريد إلكتروني يوم الجمعة.

كانت تدمر واحدة من المدن الرئيسية في الإمبراطورية الرومانية، وكانت فترة إزدهارها في القرون الأولى قبل الميلاد كدولة تابعة وكمدينة تربط بين الشرق والغرب. وكانت تدمر تقع في واحة في الصحراء الحدودية التي تفصل بين الإمبراطورية الرومانية وبارثيا، وازداد عدد سكانها إلى حوالي 150,000-200,000 في أوج ازدهارها في القرن الثالث قبل الميلاد. ومر عبرها برا القماش والعطور والتوابل والأحجار الكريمة من الهند والشرق الأقصى، والمعادن والزجاج والنبيذ والنقود من روما، متجاوزة أطول طريق تجارة في البحر الأحمر.

نظرا لموقعها الفريد جمعت تدمر مزيجا من التقاليد الرومانية والفارسية. سيطرت على معظم هندستها المعمارية أطواب طين من بلاد ما بين النهرين، كما يقول يورغان كريستيان ماير، عام آثار من جامعة بيرغن، ولكن تم بناء المعابد للآلهة الساميين مثل بل وبعل شمين واللات على طراز كلاسيكي مع أعمدة سميكة مبنية من الحجارة.

عندما هُجرت المدينة في أعقاب تدميرها عام 273 قبل الميلاد وتم تركها تحت رحمة عناصر الطبيعة، تفكك الطوب المصنوع من الطين، تاركا وراءه غابة من الأعمدة الحجرية.

خلال القرون التي شهدتها من الإزدهار والتراجع كانت موطنا لطائفة يهودية مزدهرة.

يقول ماير، “ما نراه في تدمر هو متعدد الثقافات، وربما أيضا مدينة متعددة الهويات”، ويضيف أن أعمال حفر أثري نرويجية-سورية مشتركة جرت في الموقع عام 2011، في الوقت التي بدأت تزداد فيه حدة الحرب الأهلية. “لدينا هنا خليط من الثقافات اليونانية والآرامية والشرق أوسطية والرومانية. هذا رائع”.

ويقول، “لهذا السبب يُعتبر هذا المكان فريدا من وجهة نظر تاريخية ووجهة نظر ثقافية”.

تدمر سليمان

يشمل هذا الإندماج اليهود. يحمل مصباحا تيرا كورا مصنوعان محليا تم العثور عليهما بالقرب من أحد المعابد الوثنية الكبيرة صورة مينوراه (شمعدان سباعي) على الجانبين، ما يشير إلى تكامل وثيق بين اليهود وغير اليهود.

نسبت الأسطورة اليهودية بناء المدينة المعروفة بالعبرية والآرامية بتدمر إلى الملك سليمان. جوزيفوس فلافيوس، الذي نسب بناءها إلى الملك سليمان، كتب في القرن الأول قبل الميلاد قائلا أن مدينة “تمار” المشار إليها في الملوك الأول هي “المدينة العظيمة” التي عرفها معاصرو جوزيفوس في الصحراء السورية.

الملك سليمان، وتخطيط الهيكل الأول (Illustration from a Bible card published by the Providence Lithograph Co.)

الملك سليمان، وتخطيط الهيكل الأول (Illustration from a Bible card published by the Providence Lithograph Co.)

ويقول المؤرخ الروماني اليهودي أن “سبب البعد الكبير لهذه المدينة عن أجزاء التي يقطنها سكان في سوريا أنه في الأسفل لا توجد مياه، وأنه في هذا المكان فقط هناك ينابيع وحفر مياه”. ويضيف، “وبالتالي عندما قام ببناء هذه المدينة، وأحاطها بجدران قوية جدا، أطلق عليها اسم تدمر، وهذا هو الإسم الذي ما زالت تحمله حتى اليوم بين السوريين، ولكن الإغريق يطلقون عليها إسم بالميرا”.

ولكن هناك خلاف بين العلماء في العصر الحديث حول صحة إدعاء جوزفوس أن المدينة بٌنيت على يد سليمان. تشير دلائل أثرية إلى أن مدينة تدمر الكلاسيكية لم تسبق القرن الأول قبل الميلاد، وأن مدينة تامار التوراتية كانت على الأرجح في ما تٌدعى في يومنا هذا صحراء النقب.

يكتب فيرغوس ميلر في كتاب “الشرق الأدنى الروماني” أن “المكان كان موجودا بكل تأكيد، وتمت الإشارة إليه قبل قرون. ولكن لا يوجد في السجل الأثري ما يشير إلى أنه كان هناك أي احتلال مستقر للموقع خلال الفترة الهلنستية”. ويضيف فيرغوس أن “الإقتراحات بشأن مرحلة التنمية الحضرية في تدمر قبل الإضطرابات في أواخر الفترة الهلنستية هي مجرد تكهنات”.

مع ذلك، في أوج إزدهار المدينة في العصر الروماني، أصبحت تدمر موطنا لجالية يهودية كبيرة، كما يظهر في نصوص يهودية. على قبرين يهوديين من القرن الثالث قبل الميلاد في بيت شعاريم، بالقرب من حيفا، تمت الإشارة إلى المدفونين بهما على أنهما أبناء تدمر. وتشير فقرة في الميشناه (دراسة الشريعة اليهودية الشفوية) أيضا إلى شخصية مريم من تدمر التي كانت تعيش في المدينة خلال القرن الأول قبل الميلاد.

يقول دانييل فاينستوب من جامعة بن غوريون في النقب، “من الواضح أنه كانت هناك جالية يهودية كبيرة. تم جلب يهود [من تدمر] لدفنهم [في إسرائيل] وكُتب على التابوت الحجري أنهم كانوا من هناك”. ويضيف قائلا: “نعرف من التلمود أن بعض السكان المحليين إعتنقوا اليهودية”.

ولكن الأهم من ذلك، محفور على مدخل منزل في مركز تدمر، شمال شرق شارعها الرئيس ذو الأعمدة، هناك الأسطر الأربعة الأولى من “شيماع”، إحدى أهم الصلوات اليهودية، آيات من سفر التثنية. كان هناك جدل بين الباحثين حول ما إذا كان ذلك مدخلا لكنيس، ولكن يميلون الآن إلى أنه مدخل لمنزل خاص.

الفقرة التوراتية تختلف عن النص التقليدي فقط بتبديل إسم الله “يهوا” بـ”أدوناي” (يا إلهي).

على جوانب المدخل كان هناك نصين آخرين بالعبرية من أجل صد الشر يُعتقد بأنهما مأخوذان من سفر التثنية أيضا. تم تصوير هذه النقوش لآخر مرة في سنوات الثلاثين، ولم يستطع باحثون قام تايمز أوف إسرائيل بالإتصال بهم تأكيد ما إذا كان هذه النقوشات لا تزال موجودة، أو تم تدميرها في العقود التي تبعت ذلك أو بيعها في السوق السوداء.

تقول تاوني هولم، أستاذة دراسات يهودية في جامعة بنسلفانيا عن هذه الإكتشافات المفقودة أنها “جزء من الدلائل المحدودة ولكن الواضحة لليهود في تدمر”. وتضيف أن تاريخها يعود على الأرجح إلى القرن السادس قبل الميلاد، على الأرجح قبل دمار المدينة في 272-273، ولكن “قد تكون تمت إضافة النقش في وقت لاحق”.

ملكة تدمر

في واحدة من أكثر فتراتها إثارة، حكت تدمر الملكة زنوبيا، التي قادت تمردا ضد روما. بعد اعتلائها العرش في أعقاب وفاة زوجها في 267 قبل الميلاد، نجحت في احتلال جزء كبير من بلاد الشام، بما في ذلك يهودا، وبحلول عام 271 نجحت في احتلال مصر.

على الرغم من أن روايات مسيحية تقول أنها كانت يهودية، لم يكن هناك تسليم يهودي معاصر بصحة هذه الإدعاءات. في الواقع، وقف أهل يهودا مع روما، وتنقل “الميشناه” عن الحاخام يوحانان بار ناباها، الذي عاش في بلدة صفورية الجليلية خلال فرة صعود وسقوط زنوبيا، قوله: “سيكون سعيدا من يرى سقوط تدمر” (توفي سعيدا عام 279، بعد سنوات قليلة من سقوط المدينة لروما في 273).

اخر نظرات الملكة زنوبيا على تدمر، بريشة غستاف شمالتس (Original on exhibit, Art Gallery of South Australia, Adelaide)

اخر نظرات الملكة زنوبيا على تدمر، بريشة غستاف شمالتس (Original on exhibit, Art Gallery of South Australia, Adelaide)

يقول فانيستوب أن دلائل على انحسار الإستيطان اليهودي في تدمر تعود إلى القرن الرابع بعد أن أصبحت المدينة بعد إعادة السكن فيها ظلا لمجدها السابق. بعد قرون من ذلك، بعد الغزو الإسلامي، بدأت شهرة تدمر بالزوال. في مرحلة ما قام رجل يهودي، يُدعى تساديك كوهين بن إليعيزير، بنقش اسمه على عمود في معبد بل، الذي تم تحويله قبل سنوات من ذلك إلى كنيسة ومن ثم أصبح مهجورا.

زار الحاخام بنيامين التطيلي، يهودي إسباني عاش في القرن الـ12 والذي أرخ أسفاره عبر أوروبا وآسيا وأفريقيا، مدينة تدمر خلال زياراته في سوريا في أواخر سنوات الستين وأوائل سنوات الـ70 من القرن الحادي عشر. في وصفه لتدمر شبه الآثار القديمة التي رآها فيها إلى تلك التي رآها في بعلبك اللبنانية.

وكتب، “في ترمد (تدمر) في البرية… هناك هياكل مشابهة من أحجار عملاقة”. واضعا قائمة بالمجتمعات اليهودية التي زارها، قال بينيامين التطيلي أن تدمر كانت أملا لحوالي 2,000 يهودي – في دمشق في هذه الفترة عاش حوالي 3,000 يهودي وفي القدس 200 فقط.

وكتب بنيامين التطيلي، “إنهم يقاتلون ببسالة في حرب مع المسيحيين ومع العرب، الذين كانوا في وقت لاحق تحت سيطرة الملك نور الدين، وساعدوا جيرانهم الإسماعليين”. قام القائد العسكري التركي المسلم تيمور عام 1400 بإحتلال المدينة وتدميرها، منهيا بذلك قرونا من الوجود اليهودي في تدمر.

مع غزو الموقع على أيدي المقاتلين الإسلاميين في القرن الـ21، يخشى علماء الآثار والمؤرخون على بقايا هذه المدينة القديمة. قد يقوم تنظيم “الدولة الإسلامية” بتدمير هذه الآثار من أجل دعايته الإعلامية كما فعل مقاتلوه مع الآثار في الحضر والموصل في العراق في الأشهر الأخيرة. رئيسة اليونسكو، إيرينا بوكوفا، دعت إلى الوقف الفوري للأعمال العدائية ودعت المجتمع الدولي إلى “القيام بكل ما وسعه لحماية السكان المتضررين وحماية التراث الثقافي الفريد لمدينة تدمر”.

بنيامين التطيلي‎ في الكبرى (Dumouza, 19th-century engraving)

بنيامين التطيلي‎ في الكبرى (Dumouza, 19th-century engraving)

وقال ماير، عالم الآثاؤ النرويجي الذي قام بعمليات حفر في الموقع، في محادثة هاتفية “لم يلحق أي ضرر بالآثار، حتى الآن (…) ما الذي سيحصل الآن هو أمر مختلف تماما”.

مضيفا:  “ما أخشاه هو أن يستخدح داعش الآثار في تدمر في حربه النفسية، وهذا يعني دمار الموقع”.