يميل الجمهور الإسرائيلي إلى تصور الدبلوماسيين، الذين لا يتمتعون بالإعجاب الذي يحظى به الجنود المقاتلون أو عملاء المخابرات السلسون، بأنهم موظفون مدللون ببدلات لا يفعلون شيئا سوى إجراء محادثات ودية في حفلات كوكتيل فارهة.

ولكن انسوا الشمبانيا؛ في هذه الأيام لا يوجد لوزارة الخارجية المال الكافي حتى لشراء القهوة.

هذا على الأقل ما تدعيه نقابة مستخدمي الوزارة. منتقدة الأجور المنخفضة والميزانية المتناقصة باستمرار، أعلنت النقابة مرة أخرى عن توقفها عن توفير الخدمات القنصلية الأساسية وهددت بتعطيل الدبلوماسية الإسرائيلية، بما في ذلك رحلة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو المقررة إلى طوكيو، احتجاجا على التآكل المستمر لمكان عملهم.

وقد يكون الأهم من ذلك كله هو أن الخطوات الاحتجاجية للدبلوماسيين تهدف إلى الاضرار باقتصاد إسرائيل من خلال تعطيل صفقات أسلحة بملايين الدولارت وتعريض مسارات الطيران المربحة للخطر، وفقا لنقابة المستخدمين.

أشخاص يحتشدون خارج مبنى وزارة الخارجية في القدس، 15 نوفمبر، 2018. (Yonatan Sindel/Flash90)

’”مستوى جديد من الانحطاط’ وصلت إليه وزارة الخارجية

هناك مسألتان منفصلتان تعاني منهما مؤسسة السياسة الخارجية الإسرائيلية – رواتب الدبلوماسيين وميزانية الوزارة المنخفضة – والتي يقول السياسيون والمحللون إنها نتيجة لسياسة متعمدة من قبل رئيس الوزراء.

وقال يائير لابيد، الرئيس المشارك في حزب “أزرق أبيض” والذي شغل في السابق منصب وزير المالية في حكومة نتنياهو، لتايمز أوف إسرائيل هذا الأسبوع، “لقد أضعف نتنياهو بشكل منهجي وزارة الشؤون الخارجية”، وأضاف، “لقد أخذ منها ميزانياتها وقوض مستخدميها وقام بتقسيم مسؤولياتها لإسكات شركائه السياسيين. العلاقات الخارجية لإسرائيل وأمننا القومي يعانيان جراء ذلك”.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وزوجته سارة يصعدان الطائرة في مطار بن غوريون قبل التوجه إلى ميونيخ، 15 فبراير، 2017. (Amos Ben Gershom/GPO/File)

خلال الحملة الانتخابية الأخيرة، أكد نتنياهو على إنجازاته في السياسة الخارجية، لكن وزارة الخارجية، التي كان مسؤولا عنها على مدى السنوات الأربع الماضية، وصلت إلى “مستوى جديد من الانحطاط”، على حد تعبير نمرود غورين، الذي يرأس “ميتفيم – المعهد الإسرائيلي الإقليمي للسياسات الأجنبية الإقليمية”.

وقال غورين، “هذا استمرار لعملية محسوبة تهدف إلى إضعاف الوزارة وإضفاء اللامركزية على صلاحياتها، مما يضر بقدرة إسرائيل على تحقيق الأهداف السياسية وتحسين العلاقات الدولية. هذه الأزمة ليست مالية فحسب، بل تنعكس أيضا في منع وزارة الخارجية من ممارسة التأثير على القضايا الجوهرية المتمثلة في  الحكمة السياسية الإسرائيلية”.

كما يشعر الدبلوماسيون أنه يتم تقويض عملهم – أو حتى سلبهم أهميتهم – مع اعطاء صلاحيات أساسية للاعبين الآخرين في الحكومة، ويشعرون بأنه يتم التعامل مع قضايا السياسة الخارجية المهمة حقا من قبل مكتب رئيس الوزراء أو مجلس الأمن القومي أو وكالة المخابرات “الموساد”.

مدير الموساد يوسي كوهن خلال مؤتمر امن الكتروني في جامعة تل ابيب، 24 يونيو 2019 (Flash90)

على سبيل المثال فقط: في الشهر الماضي، تحدث رئيس الموساد يوسي كوهين علانية عن قيام إسرائيل بإنشاء “علاقات رسمية” مع عُمان. وزارة الخارجية رفضت التعليق على الأمر، في حين أقر دبلوماسيون في محادثات خاصة عدم ضلوعهم في المسألة.

حتى القضايا الأصغر التي اعتادت وزارة الخارجية معالجتها أعيد تخصيصها: وزارة الشؤون الاستراتيجية تتعامل مع حركة المقاطعة المناهضة لإسرائيل، وزارة شؤون الشتات تحارب معاداة السامية وقضايا مثل “مشروع البحر الأحمر-البحر الميت”، وهو مشروع إسرائيلي-أردني مشترك لإدارة المياه، وتشرف عليه وزارة التعاون الإقليمي.

لا يوجد مال للقهوة والحبر والرحلات الجوية

ومع ذلك، يظل أهم صراع للدبلوماسي هو المال – من حيث الأجور وميزانية وزارة الخارجية.

على مدار العشرين عاما الماضية، تضاعفت ميزانيات جميع الوزارات، وتم تقليص ميزانيات وزارة الخارجية فقط، والتي تبلغ الآن 1.3 مليار شيكل (367 مليون دولار) سنويا – والذي يعد مبلغا متواضعا – بحسب حنان غودر، سفير إسرائيل غير المقيم لدى جنوب السودان وعضو في نقابة مستخدمي الوزارة.

وقال غودر لتايمز أوف إسرائيل في مقابلة أجريت معه هذا الأسبوع، “في الآونة الأخيرة ليس لدينا ميزانيات للأنشطة. كل ما لدينا هو المال لدفع الإيجار والرواتب، وأحيانا فواتير الكهرباء. ولكن اليوم ليس لدينا أموال لشراء حبر جديد لطابعاتنا، ولا يوجد مال للقهوة، ولا يوجد مال للرحلات الجوية”.

وأضاف غودر إن سفير إسرائيل لدى كينيا مسؤول أيضا عن أربع دول أخرى في المنطقة، لكنه غير قادر على السفر إلى هناك بسبب نقص الأموال.

“لا يمكن لمبعوثنا إلى هلسنكي شراء تذكرة بقيمة 60 يورو للقيام برحلة مدتها 20 دقيقة إلى العاصمة الإستونية تالين للتعبير عن التضامن مع الجالية اليهودية هناك [بعد تخريب مقبرتها هناك الشهر الماضي]”.

وقال “أنا السفير لدى جنوب السودان، ولا أملك المال للسفر إلى جنوب السودان”.

وغني عن القول إنه كان على الدبلوماسيين الإسرائيليين في الآونة الأخيرة تجميد جميع الأنشطة الثقافية، مثل مهرجانات الأفلام وجولات للصحفيين الأجانب؛ وتوقفت “ماشاف”، وهي وكالة المعونة التنموية في الوزارة، عن تقديم المنح ؛ وهلم جرا.

والأهم من ذلك هو أن إسرائيل قد توقفت عن دفع مستحقات العضوية للعديد من المنظمات الدولية، مثل المجلس الأوروبي أو الاتحاد من أجل المتوسط أو برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP).

وقال غودر، “هذا مذهل. أنت تتحدث عن دولة إسرائيل – عضو في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، مع ناتج محلي إجمالي يُعد من الأعلى في العالم، ودولة الشركات الناشئة. لقد وصلنا إلى القمر، لكن لا يمكننا دفع مستحقاتنا لجميع هذه المنظمات”.

السفير الإسرائيلي لدى جنوب السودان، حنان غودر، يحمل عنزة، خلال تقديم معونات غذائية لقرية في جنوب السودان، 23 أغسطس، 2017. (Israeli embassy in South Sudan/File)

في الوقت الحالي، لا يوجد خطر في طرد إسرائيل من هذه المنظمات، حيث أن هذه المنظمات تسمح للدول بحشد المتأخرات لعدة سنوات.

“لكن هذا أمر محرج وخطير”، كما يقول غودر.

’سنفعل أي شيء لإحداث ضجة’

لطالما اشتكى الدبلوماسيون الإسرائيليون من الأجور المنخفضة وظروف العمل السيئة. مرة كل بضع سنوات يعلنون عن اتخاذ خطوات احتجاجية، والتي عادة ما يتبعها إضراب عام – مع نتائج متباينة. في يناير 2011، أحبط مستخدمو وزارة الخارجية زيارة مقررة لإسرائيل للرئيس الروسي آنذاك ديمتري ميدفيديف لكن ما عدا ذلك كانت نجاحات نقابة مستخدمي وزارة الخارجية نادرة.

بعد ثلاث سنوات، وبعد أسابيع من الخطوات الاحتجاجية، والتي شملت وقف أي اتصالات مع الحكومات الأجنبية وتعليق جميع الخدمات القنصلية للإسرائيليين في الخارج، أغلق مستخدمو الوزارة مقر الوزارة في القدس و 103 سفارات وقنصليات في جميع أنحاء العالم لأول مرة في تاريخ إسرائيل.

في نوفمبر 2014، وقّع ممثلو نقابة العمال العامة (الهستدروت) على اتفاق شامل مع مسؤولي وزارة المالية لزيادة رواتب الدبلوماسيين الإسرائيليين، مما أدى ظاهريا إلى إنهاء نضال نقابة المستخدمين الطويل.

مقر اضراب عمال وزارة الخارجية في القدس ٢٤ مارس ٢٠١٤ (يوناتان سنايدل/ فلاش ٩٠)

لكن غودر قال هذا الأسبوع إن الاتفاقية لم تنفذ بشكل كامل.

وقال نداف تمير، الذي شغل منصب مستشار السياسة الخارجية لرئيس الدولة شمعون بيرس، “كدبلوماسي سابق، يؤلمني رؤية الطريقة التي تعامل فيها دولة إسرائيل وزارة الخارجية. لدى وزارة الخارجية موظفون ذوو كفاءة وينبغي تشجيعهم؛ إن الضرر المستمر الذي يحدث لها يسبب ضررا استراتيجيا لدولة إسرائيل”.

وقال غودر بطريقة دبلوماسية إن نتنياهو يرغب في أن يفعل الصواب مع الدبلوماسيين، لكنه لم يبذل جهودا كافية لتنفيذ الاتفاقية التي تم التوقيع عليها في عام 2014 (غودر أشار إلى أنه بصفته موظفا حكوميا عليه الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية، ورفض في المقابلة تحديد المسؤول عن الوضع المزري الذي وصلت إليه وزارة الخارجية).

قبل بضعة أيام، بدأ اتحاد مستخدمي الوزارة للمرة الألف باتخاذ خطوات احتجاجية.

وتعهد غودر، “سنفعل أي شيء لإحداث ضجة”. سفارات إسرائيل في الصين وتركيا والهند وفي أماكن أخرى توقفت عن إصدار تأشيرات دخول لزوار محتملين، وهو ما أدى حتى الآن إلى عرقلة وصول وفد أعمال رفيع المستوى واحد إلى الأقل إلى البلاد.

وقال غودر، “هذا فعال جدا وضار جدا. سيقوم الصينيون بتخفيض رحلاتهم إلى إسرائيل بسبب ذلك. إننا نعمل من أجل اقتصاد إسرائيل، ولكننا نعرف أين نمارس تأثيرنا”.

كما أوقفت وزارة الخارجية التوقيع على تراخيص تصدير الأسلحة. بالنسبة للصفقات الأمنية الحساسة، فإن توقيع مسؤول في الوزارة مطلوب بموجب القانون.

“الملايين من الدولارات في خطر”، وفقا لغودر.

ولا يقدم الدبلوماسيون الإسرائيليون حاليا أي مساعدة للوفود القادمة أو المسافرة. سواء كان الحديث عن كبار الشخصيات الأجنبية الراغبين في زيارة الدولة اليهودية أو المسؤولين الإسرائيليين الذين يخططون للسفر إلى الخارج، فسيتعين عليهم القيام بذلك دون مساعدة من وزارة الخارجية (باستثناء رئيس الدولة رؤوفين ريفلين، المتواجد حاليا في كوريا الجنوبية، والذين تم استثنائه من الخطوات الإحتجاجية لأسباب لم يتم توضيحها).

رئيس نقابة مستخدمي وزارة الخارجية يائير فرومر يتحدث أمام دبلوماسيين أجانب خارج مبنى وزارة الخارجية في القدس، 31 مارس، 2014. (Raphael Ahren/Times of Israel/File)

وقال غودر إنه على النقيض من ذلك، فإن نتنياهو هو أحد الأهداف الرئيسية لهذه الخطوات.

وقال، “لن نتعاون ولن نشارك في مناقشات، ولن نفعل أي شيء للمساعدة في زياراته القادمة”، وأشار إلى أن رحلة نتنياهو المزمعة إلى اليابان في وقت لاحق من هذا الشهر “معلقة حاليا”.

ولكن إذا كان التاريخ القريب دليلا على شيء، فإن نتنياهو، الغير آبه باحتجاجات الدبلوماسيين، سيمضي قدما في خطط سفره وسيديرها، اذا اقتضت الحاجة، من دون مساعدة وزارة الخارجية.

حتى وزير الخارجية يسرائيل كاتس، الشخص الذي من المتوقع منه دعم مطالب الدبلوماسيين أكثر من أي شخص آخر، لا يبدو عليه أنه سيسمح لاحتجاجات الموظفين بالتأثير على جدول أعماله.

مساء الإثنين توجه الوزير في وزيارة رسمية إلى العاصمة الأمريكية واشنطن، حيث من المتوقع أن يلتقي بنظيره الأمريكي، مايك بومبيو، ومشرعين أمريكيين كبار.