بنيامين نتنياهو أول رئيس وزراء اسرائيلي يزور المجر منذ سقوط الستار الحديدي قبل 26 عاما. ولكن زيارة الأسبوع المقبل لثلاثة أيام، التي أشاد بها كلا الطرفين كفرصة لتعزيز العلاقات الثنائية المتنامية، تلطخها خلافات شديدة ناتجة قضية جدلية ظهرت هذا الأسبوع، وتدور حول رد الحكومة الإسرائيلية على حملة للحكومة المجرية اعتبرت “معادية للسامية”.

ويعارض اليهود المجريون، وسياسيون اسرائيليون من المعارضة، توبيخ نتنياهو لحملة لوحات اعلانية تستهدف الملياردير اليهودي المجري جورج سوروس، والإدعاء أن انتقاد فاعل الخير الليبرالي شرعي، وتجاهله الظاهر لإشادة رئيس الوزراء المجري بقائد فاشي سابق للبلاد، وأحد حلفاء هتلر، ميكلوش هورتي.

وتظهر ملصقات سوروس صورة كبيرة للرجل وهو يضحك، مع شعار “لا تدعو سوروس يضحك في النهاية”، بإشارة الى ادعاءات الحكومة بأن سوروس يريد إجبار المجر على إدخال لاجئين.

وقال قادة اليهود المجريون، الذي يصل عددهم 100,000، أن الحملة تثير معاداة السامية. وبإجرائه الزيارة، اتهم النقاد نتنياهو بالإهتمام بأهداف اسرائيل السياسية والإقتصادية اكثر من اهتمامات المجتمع المجري اليهودي.

والتجارة الثنائية بين المجر واسرائيل تفوق 500 مليون دولار، وبودابست فتحت مؤخرا خط ائتمان قيمته 50 مليون يورو في مصرف اكسيمبانك المجري لتسهيل التعاون بين شركات مجرية واسرائيلية. وقد عبرت بودابست أيضا عن رغبتها بشراء الغاز الطبيعي الإسرائيلي.

“المجر واسرائيل حلفاء سياسيين، اكاديميين واقتصاديين هامين جدا”، قال وزير الخارجية بيتر سيجارتو خلال زيارته الشهر الماضي الى القدس، بينما اشار مكتب نتنياهو الى عمل اسرائيل وبودابست على تعزيزي التعاون الإقتصادي، خاصة في مجالات تكنولوجيات السيارات، الطاقة، المياه، والمجال الأكاديمي.

وقبل وصول نتنياهو الأسبوع المقبل لتباحث هذه المسائل وغيرها، قالت السلطات المجرية أنه سيتم ازالة ملصقات سوروس، مؤكدة أن الحملة حققت اهدافها ولم تعد ضرورية.

ولكن يبدو أنه لا يمكن التراجع عن تأثيرها.

وأصدر سوروس بيانا ردا على الحملة قائلا أنه “مستاء من استخدام النظام المجري الحالي لصور معادية للسامية ضمن حملة معلومات كاذبة مقصودة”.

وكتب اندراس هيسلر، الذي يترأس اتحاد اليهود المجريين، المعروف بإسم “ماجيهيس”، برسالة مفتوحة الأسبوع الماضي، أن “حملة الإعلانات، ليس معادية للسامية بشكل مكشوف، لا زال يمكنها اثارة مشاعر معادية للسامية وغيرها. هذه الرسالة السامة تؤذي كل المجر”.

وقال الحاخام سلطان رادنوتي، من قادة “ماجيهيس” الرفيعين، أنه في حال كانت الملصقات معادية للسامية بشكل مقصود أم لا، لا زالت تثير مشاعر معادية للسامية. وقد تم رسم نجمة داود او كتابة شعارات مثل “يهودي قذر” على العديد من الملصقات، قال الحاخام لتايمز أوف اسرائيل هذا الأسبوع. “حملة الإعلانات هذه غير مقبولة وخطيرة”.

وقال رادنوتي أن سوروس، الذي أعلن أنه غير صهيوني، والمنتقد الشديد للحكومات الإسرائيلية المحافظة، يعتبر في المجر “بالأساس كيهودي”. “وتم إبراز ذلك مؤخرا عدة مرات، بشكل مباشر أو غير مباشر، ومع التلاعب بصور تشبه كاريكاتور نمطي لفترة ما بين الحربين لليهودي الشرير الذي يشد الخيوط ويضحك. في سياق هذه الحملة، لا يمكن التفرقة بين مهاجمة سوروس والتلاعب بمعاداة السامية”.

ووافق عيرا فورمان، المبعوث الأمريكي الخاص السابق لمراقبة ومكافحة معاداة السامية: “لا ضرورة للإشارة إلى أمر بشكل لا لبس فيه كمعادي للسامية من أجل الإشارة الى كونه خاطئ وخطير”، قال لتايمز أوف اسرائيل هذا الأسبوع. “نظرا لتاريخ المجر ومستويات المشاعر المعادية للسامية داخل البلاد، حكومة [فيكتور] اوربان تتلاعب بالنيران مرة أخرى”.

لوحة اعلانية عليها صورة الملياردير الامريكي جورج سوروس في المجر، 6 يوليو 2017 (AFP PHOTO / ATTILA KISBENEDEK)

لوحة اعلانية عليها صورة الملياردير الامريكي جورج سوروس في المجر، 6 يوليو 2017 (AFP PHOTO / ATTILA KISBENEDEK)

وحتى قام أمين عام الأمم المتحدة السابق كوفي عنان بإدانة بودابست بسبب الملصقات ضد سوروس. “بالإضافة الى وقف الحملة، من الضروري إجراء حوار عام حول العنصرية، معاداة السامية، والام من ذلك الدور الحيوي لمنظمات المجتمع المدني المستقلة في الدولة الديمقراطية”، قال في بيان.

ووافق السفير الإسرائيلي الى المجر، يوسي عمراني، في بداية الأمر أيضا. وقال الأسبوع الماضي أن حملة الملصقات لا تثير “ذكريات حزينة فحسب، بل أيضا تزرع الكراهية والخوف”.

وأصدرت وزارة الخارجية في القدس يوم الأحد “توضيحا”، بطلب من نتنياهو بحسب التقارير، الذي يقول أنه بينما تدين اسرائيل معاداة السامية وتدعم المجتمعات اليهودية في مواجهة هذه الكراهية، إلا أن الإنتقادات الموجهة لسوروس شرعية.

“لم يهدف التصريح بأي شكل من الأشكال لنزع شرعية انتقاد جورج سوروس، الذي يقوض حكومات اسرائيل المنتخبة ديمقراطيا بشكل مستمر عبر تمويل منظمات تشوه سمعة الدولة اليهودية وتسعى لنزعها من حقها الدفاع عن نفسها”، قالت وزارة الخارجية.

وقال رادنوتي أنه بالنسبة ليهود المجر، هذا التوضيح، أو “التراجع” كما وصفه البعض، كان “صدمة كبيرة”. “نتوقع من رئيس وزراء اسرائيل معارضة جميع اشكال معاداة السامية المباشرة وغير المباشرة – أو حتى هجمات يمكن ان تثير موجات معاداة سامية”.

وبالنسبة لكاس مودي، العالم السياسي الهولندي الذي يبحث التطرف السياسي والشعبوية الأوروبية، من الواضح أن نتنياهو، الذي يتولى أيضا حقبة وزير الخارجية، يهتم بمصالح حكومته قبل مصالح اليهود المجريين. “انه أيضا مثال آخر لطريقة توفير نتنياهو غطاء للسياسيين اليمينيين المتطرفين الذي على الأقل يستخدمون صفارات كلاب معادية للسامية”، قال.

وتحت قيادة نتنياهو، سياسات اسرائيل العملية تفوق اهتمامات المجتمعات اليهودية المحلية، قالت عدي كانتور، الباحثة في معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل ابيب.

“هذه حالة واضحة من [المعايير] المزدوجة”، قالت لتايمز أوف اسرائيل يوم الخميس. من جهة، ألغى رئيس الوزراء لقاء مع وزير الخارجية الألماني سيغمار غابرئيل مؤخرا بسبب لقائه مع مجموعة حقوق انسان يسارية اسرائيلية. ولكنه يقوم بعدها بسرور بزيارة رئيس الوزراء المجري اليميني، فيكتور اوربان، الذي يدعم حملة اعلانات اشكالية وأشاد بميكلوش هورتي، حليف هتلر، كرجل دولة استثنائي”، قالت.

“كان يجب أن يكون رد اسرائيل اكثر شدة. أين خطوط الحكومة الحمراء الأخلاقية. هل نحن مستعدون للحديث مع شخص يشيد رجل تم ارسال نصف مليون يهودي الى الموت تحت حكمه؟” تساءلت كانتور.

وقد دانت العديد من المجموعات اليهودية إشادة اوربان بهورتي خلال خطاب في 21 يونيو. ووصفت مجموعة Anti-Defamation League هورتي بـ”معادي للسامية معروف”.

وقالت اللجنة اليهودية الأمريكية أنه “مسؤول عن التمييز والملاحقة المنهجية لليهود المجريين قبل المحرقة”. وقالت Anti-Defamation League أنه بقى زعيم الدولة خلال الإحتلال النازي، الذي تم خلاله ترحيل 440,000 يهودي مجري.

وقد عبر السفير الإسرائيلي الى المجر في البداية عن استيائه من إشادة اوربان بهورتي، وطلب توضيحات. ولكن قامت وزارة الخارجية الإسرائيلية في وقت لاحق بتقبل التفسيرات التي قدمها وزير الخارجية سياجارتو. وادعى وزير الخارجية المجري أنه يجب احترام التاريخ، “وتشير الوقائع التاريخية الى ان نشاطات ميكلوش هورتي كحاكم شملت فترات ايجابية وفترات سلبية جدا”.

زعيم المجر ميكلوش هورتي مع ادولف عيتلر (Wikimedia Commons)

زعيم المجر ميكلوش هورتي مع ادولف عيتلر (Wikimedia Commons)

وتصريحات سيجارتو تزيد الطين بلة، قال عضو الكنيست يئير لبيد، ابن ناجي من المحرقة مجري. “لا يمكن لرئيس وزراء اسرائيل، ابن مؤرخ ورجل لديه حس حاد للتاريخ، تجاهل هذه المحاولة لتبييض تاريخ المجر”، قال في وقت سابق من الشهر في مقال رأي صدر في تايمز أوف اسرائيل. “إن كان لديه اي حس بالفخر القومي، على رئيس الوزراء ان يطالب فيكتور اوربان بالتراجع. وإن لا يحدث ذلك، عليه الغاء زيارته الى المجر احتجاجا”.

ويتوقع أن يستمر نتنياهو بزيارته الى المجر. وبعد زيارة قصيرة الى فرنسا مساء السبت، سوف يتوجه رئيس الوزراء يوم الإثنين الى بودابست، حيث سيلتقي مع اوربان، وقادة بولندا، سلوفاكيا، وجمهورية التشيك.

تطبيع العلاقات مع اليمين المتطرف الأوروبي؟

في الماضي، إشادة اوربان بهورتي كانت ستثير غضب كافة الأطياف السياسية في اسرائيل، توقع مودي، الباحث الهولندي الذي تواجد في اسرائيل هذا الأسبوع.

“هذا الوقت انتهى قبل عدة سنوات، عندما قدر حزب الليكود ونتنياهو بشكل خاطئ ان اوروبا معادية لإسرائيل، وأنه على اسرائيل العمل مع أي طرف يدعم اسرائيل”، قال مودي، البروفسور في جامعة جورجيا. “هذا أدى الى تطبيع رسمي وغير رسمي للعلاقات مع اليمين المتطرف في اوروبا وتسامح اكبر فأكبر مع صفارات الكلاب المعادية للسامية وتعديل التاريخ من قبل قوات مناصرة لإسرائيل”.

وتوقع أن هذه السياسة تأتي بنتائج عسكرية، “لأنها تضعف انتقادات اسرائيل لمعاداة السامية وتعديل التاريخ من قبل قوات معادية لإسرائيل”.

جورج سوروس في بروكسل، 27 ابريل 2017 (AFP/pool/Olivier Hoslet)

جورج سوروس في بروكسل، 27 ابريل 2017 (AFP/pool/Olivier Hoslet)

ولكن الإنتقادات لم تأتي من جميع الجهات. على سبيل المثال، دافع الحاخام شلومو كوفيس، من حركة حاباد لوبافيتش، عن حملة الاعلانات ضد سوروس قائلا أنها “بالتأكيد ليست بفائق الأناقة”، ولكنها ليس معادية للسامية بالضرورة. الملياردير لا يعتبر اليوم في المجر “رمزا ليهودي، بل سمسار مالي دولي”، قال كوفيس، الذي من المفترض أن يلتقي بنتنياهو الأسبوع المقبل في بودابست.

في هذا السياق، كانت اسرائيل على حق في ردها المعتدل على القضية. “على اسرائيل أن تكون حذرة جدا عند التدخل في خلافات سياسية محلية”، قال كوفيس لتايمز أوف اسرائيل.

ويعتبر الحاخام المنحدر من بودابست أن ملاحظات اوربان حول هوتي غير دقيقة. وقال أن هذه القضية كانت مؤلمة له بشكل خاص لأن تم “القضاء بشكل سبه تام” على عائلته نتيجة أفعال الزعيم الفاشي.

“ولكن هذه المسألة مرتبطة بسؤال عام تواجهه أي دولة تقريبا”، أضاف. “كيف علينا التواصل مع شخصيات تاريخية رمزية لديها تاريخ مختلط من الانجازات التي لا للبس فيها والافعال الخاطئة”، مثل هندنبرغ في المانيا وكليمانصو في فرنسا.

وماذا عن معاداة السامية في المجر؟

في وقت سابق من الشهر، عبر الحاخام الأشكنازي الرئيسي في اسرائيل دافيد لاو عن “سروره من ازدهار الحياة اليهودية في المجر”، وشكر اوربان لمساهماته في هذا السياق. وخلال لقائهما في بودابست، أكد اوربان للاو أن “المجتمع اليهودي في المجر تحت الحماية غير المشروطة من الحكومة”.

رئيس الوزراء المجري فيكتور اوربان مع بعثة قادة يهود، 6 يوليو 2017 (European Jewish Association)

رئيس الوزراء المجري فيكتور اوربان مع بعثة قادة يهود، 6 يوليو 2017 (European Jewish Association)

ويوافق كوفيس، الذي شارك في اللقاء. وفي العام الماضي، وقع فقط 48 حادثا معاديا للسامية في المجر، ولم يكن أي منها عنيفا، قال. وأضاف انه في المملكة المتحدة، وقع 1,500 حادث كهذا في الفترة ذاتها.

حكومة اوربان “تدعم كثيرا الحياة الثقافية والدينية للمجتمع اليهودي”، أضاف. “لا يوجد حتى نقاش حول حظر الذبح الكوشر او التطهير في المجر، خلافا عن دول اوروبية اخرى. انا فعلا اعتقد انه في اوروبا اليوم، علينا تقدير هذه الوقائع”.

ولكن أظهر استطلاع رأي أجرته Anti-Defamation League عام 2015 أن حوالي 40% من المجريين لديهم توجهات معادية للسامية. و60% وافقوا مع العبارة، “اليهود لا زالوا يتحدثون اكثر من اللازم حول ما حصل لهم في المحرقة”.