بينما تتجه إسرائيل نحو انتخابات وطنية الشهر المقبل، يخشى البعض أن تكون البلاد في خطر فقدان طابعها الديمقراطي. أكثر من نصف الإسرائيليين الذين شملهم استطلاع لمعهد الديمقراطية في إسرائيل يرون أن الديمقراطية في البلاد في “خطر جسيم”، على الرغم من أن الاستطلاع وجد أيضا أن هذه المخاوف موجودة أكثر في يسار الطيف السياسي.

ياسكا مونك، خبير يهودي-أمريكي-ألماني في العلوم السياسية ويدرّس في جامعة هارفارد، هو واحد من أبرز خبراء العالم في التراجع العالمي للديمقراطية الليبرالية وصعود الشعبوية. كتاب مونك لعام 2018 بعنوان “الشعب مقابل الديمقراطية: لماذا حريتنا بخطر وكيفية ننقذها” يصف نمطا مألوفا أصبح منتشرا أكثر منذ نشر الكتاب.

في بلد تلو الآخر، أصبحت الشعوب لا تهدأ، غاضبة، عالقة اقتصاديا، خائبة الأمل من الديمقراطية، وتنتخب زعماء يزعمون أنهم يعبرون عن الإرادة الخالصة للشعب. المشكلة هي أنه بمجرد أن يتولى هؤلاء الزعماء السلطة، فإنهم يميلون إلى تجنب الحريات الليبرالية واتخاذ خطوات لسحق المعارضة وتحويل مجتمعهم.

“يدعي كل من دونالد ترامب في الولايات المتحدة، نايجل فراج في بريطانيا العظمى، فراوك بيتري في ألمانيا، ومارين لوبان في فرنسا بأن الحلول للمشكلات الأكثر إلحاحا في عصرنا هي أكثر وضوحا مما قد تصوره المؤسسة السياسية لنا… وأن الكتلة العريضة من الناس العاديين يعرفون ما يفعله هؤلاء الزعماء غريزيا”، كتب في كتابه.

زعيمة الجبهة الوطنية مارين لوبان تحضر المؤتمر السنوي للحزب اليميني المتطرف في مدينة ليل الفرنسية، 10 مارس 2018. (AFP Photo / Philippe Huguen)

بمجرد وصولهم إلى السلطة، يتخذ الشعبويين خطوات مماثلة مدهشة لتعزيز سلطتهم، يقول مونك. “عندما يترشحون للمناصب، فإنهم يوجهون غضبهم في المقام الأول ضد الجماعات العرقية أو الدينية التي لا يعترفون بها كجزء من الشعب ’الحقيقي‘. وبمجرد أن يتولى الشعوبيون السلطة، فإنهم يوجهون غضبا متزايدا ضد هدف ثان: جميع المؤسسات الرسمية أو غير الرسمية التي تجرؤ على الإعتراض”.

وتشمل هذه المؤسسات الصحافة الحرة، النقابات العمالية، المراكز الفكرية، الجمعيات الدينية، والمنظمات غير الحكومية. غالبا ما تقوم الحكومات الشعوبية بإصدار قوانين تحد من التمويل الأجنبي للمنظمات غير الحكومية. بمجرد أن تُضعف الصحافة والمجتمع المدني، تهاجم الحكومات الشعبوية تلك المؤسسات الحكومية المستقلة أو التي تعمل كجهة رقابة أو تحقق في سلطتها.

“مع مرور الوقت، يعتبر الشعبويون أي شخص لا يتفق معهم خائن ويستنتجون أن أي مؤسسة تقف في طريقهم هي انحراف غير شرعي عن إرادة الشعب. كلاهما يجب التخلص منه. ما يتبقى ليس أكثر من نزوة الشعبوي”، كتب مونك.

سألت صحيفة التايمز أوف إسرائيل مونك عما إذا كان يرى اتجاهات شعبوية تتصاعد داخل المجتمع الإسرائيلي وما إذا كانت إسرائيل في خطر انتخاب حكومة شعبوية في 9 أبريل القادم.

التايمز أوف إسرائيل: السؤال الكبير في ذهن الجميع هو الانتخابات الإسرائيلية القادمة. وفي إسرائيل الوضع ليس مثل الذي نراه في كل البلدان حيث يظهر زعيم شعبوي فجأة. هنا نحن نعرف من هم المنافسين الرئيسيين. لكن مع ذلك، هل هناك اتجاهات سلطوية شعبوية يجب مراقبتها؟

ياسكا مونك: من المفيد أن نفهم كيف يفكر العلماء السياسيون عن طبيعة الشعوبية. هناك اختلافات حقيقية بين الشعوبيين في أنحاء مختلفة من العالم. البعض، مثل هوغو تشافيز في فنزويلا، هم يساريون في الاقتصاد، والبعض الآخر يمينيين أكثر. تختلف طبيعة المجموعات التي يواجهونها أيضا. على سبيل المثال، فإن معظم الشعوبيين في أوروبا يحطون من قدر المسلمين. لكن في تركيا، يحط رجب طيب أردوغان من قدر أي شخص غير مسلم.

يلقي الرئيس التركي وزعيم حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا رجب طيب أردوغان خطابا خلال تجمع حملة حزبه في منطقة ألتينداغ في أنقرة، تركيا في 20 فبراير 2019. (Adem ALTAN / AFP)

لكن ما هو مشترك لجميع الشعوبيون هو خطاب مشابه بشكل لافت للنظر، جميعهم يقولون إنهم وحدهم هم الممثلون الشرعيون للشعب – وأن أي شخص يعارضهم أو ينتقدهم هو عدو اليمين.

عندما ننظر للأمر من وجهة النظر هذه، فإن خطاب بنيامين نتنياهو – الطريقة التي ينتقد بها المعارضة ويقوض وسائل الإعلام – يبدو بالتأكيد مناسبة للنمط الشعبوي.

من أين يحصل الشعوبيون على خطابهم؟ هل لديهم نفس المستشارين السياسيين؟ هل هناك شيء في الهواء يجعلهم يتصرفون بنفس الطريقة؟

هناك شيئان. الأول هو المحاكاة والتقليد. فهم يلاحظون ما يحدث في بلدان أخرى ويدركون مدى فاعلية التوجه هناك.

يستمع ستيف بانون، كبير الاستراتيجيين في البيت الأبيض، بينما يتحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال اجتماع حول الأمن السيبراني في البيت الأبيض في واشنطن، 31 يناير 2017. (AP Photo / Evan Vucci)

قد ينطوي بعض ذلك على استخدام استشاريين فعليين. على سبيل المثال، الصحافة الأوروبية، مؤخرا أصبحت مهووسة بستيف بانون، الذي يركض في أنحاء القارة في محاولة لبناء تحالفات سياسية. لكن في الغالب، هذه المحاكاة هي غير رسمية. في إسرائيل، العديد من السياسيين على دراية وثيقة بالولايات المتحدة، وبعضهم يعرف أوروبا جيدا أيضا، لذا فهم قادرون تماما على النظر في جميع أنحاء العالم من أجل الاستراتيجيات لتجربتها لمصلحتهم الخاصة. لا يتطلب انتشار الاستعارات الشعوبية بعض الاستشاريين أو الخبراء الاستراتيجيين ذوي العقل المدبر لأنها أفكار قائمة مسبقا.

نقطة أخرى مهمة هي أن فعالية الاستراتيجيات الشعبوية تعتمد في الواقع على مقدار الثقة الشعبية في النظام السياسي. لأسباب متنوعة، مستوى الثقة التي يضعه المواطنون العاديون في المؤسسات والحكومة والصحافة يتراجع في الديمقراطيات الغربية. هذا هو الحال في اسرائيل ايضا. لذا فليس من المفاجأة، كما هو الحال في الولايات المتحدة، أن هذه الأنواع من التكتيكات الشعبوية أصبحت الآن منتشرة في إسرائيل أكثر مما كانت عليه من قبل.

يبدو كما لو أن هناك زيادة في الخطاب الشعوبي في إسرائيل في السنوات الأخيرة على وسائل الإعلام الاجتماعية، وعلى لوحات الإعلانات. نرى مهاجمة الشرطة والنظام القضائي. نرى الأشخاص الذين يتم احتجازهم في المطار ليس لأنهم يشكلون تهديدا إرهابيا، ولكن فقط لوجهات نظرهم السياسية.

لقد قمت مؤخرا بنشر قاعدة بيانات عالمية للحكومات الشعوبية والتي أثبتت مع مرور الوقت أن استخدام مثل هذه الأساليب هو تآكل شديد للمؤسسات الديمقراطية. فقط أقلية من الشعبويين الذين يتم انتخابهم يتركون منصبهم من خلال انتخابات حرة ونزيهة. فهم غالبا ما يجعلون بلادهم أكثر فسادا، ويعيدون كتابة الدستور ليعطوا أنفسهم المزيد من السلطة، وينتهكون الحقوق المدنية والسياسية الأساسية. لذا فإن انتشار هذا النوع من اللغة الشعوبية في إسرائيل مثير جدا للقلق.

ومع ذلك، فإن مدى قدرة الشعبويين على تدمير المؤسسات الديمقراطية يعتمد على مدى تمركز القوة في أيديهم – وما إذا كانت لديهم أغلبية واضحة مضمونة. وهذا هو الجانب الوحيد الذي يطمئنني في النظام السياسي الإسرائيلي إلى حد ما.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (الثاني من اليمين) ووزير التعليم نفتالي بينيت (الأول من اليسار) ووزير المالية موشيه كحلون (الثاني إلى اليسار) يحضران الاجتماع الأسبوعي لمجلس الوزراء في مكتب رئيس الوزراء في القدس يوم 18 نوفمبر 2018. (Abir Sultan/Pool/AFP)

هذا الأمر فيه تناقض إلى حد ما، ففي نهاية المطاف، الإنقسام الشديد للنظام السياسي الإسرائيلي كان على مر التاريخ أحد أكبر مشاكله. لكن نتيجة لذلك، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي يكاد يكون دائم الاعتماد على دعم شركاء التحالف الذين لديهم أجندات مستقلة خاصة بهم. هذا يخلق بعض الضوابط التي ربما لم تكن موجودة في أكثر الحكومات الشعبوية إثارة للقلق حول العالم.

لذلك قد يكون من الصعب جدا على أي فرد في إسرائيل أن يحتفظ بكمية السلطة التي مكنت الشعوبيون السلطويون مثل فيكتور أوربان في هنغاريا أو رجب طيب أردوغان في تركيا من التكتل.

في زيارة رسمية لأربعة أيام في هنغاريا، رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (يمين الصورة)، ونظيره الهنغاري فيكتور أوربان يمشون خلال حفل الاستقبال أمام مبنى البرلمان في بودابست، 18 يوليو 2017. (Balazs Mohai / MTI via AP)

ما هي العلاقة بين الشعوبيين والإجرام؟ لماذا لا يبدو أن أنصار الزعماء الشعبويين يهتمون بأفعالهم الجنائية أو بالتحقيقات ضدهم؟

هناك رابطان قويان بين الشعوبيين والإجرام. أولا، هناك أدلة قوية على أن سوء السلوك، سواء كان الكذب أو الجرائم الخطيرة، يُعاقب بقوة عندما يثق الناخبون في النظام السياسي. عندما يعتقدون أن القواعد تعمل، بأن القوي يهتم بهم كثيرا، تتطور لديهم الرغبة في الحفاظ على النظام الذي يرون به مصلحتهم – وأي شخص يخالف قواعده يعاني من عقوبة انتخابية.

لكن عندما يبدأ الناس في التفكير بأن النظام زائف، بأن لا أحد يهتم بهم حقا، وأن الجميع فاسدون على أية حال، تتطور لديهم الرغبة في مسامحة – أو حتى مكافأة – الكذابين وكاسري القواعد الذين يُنظر إليهم على أنهم في معسكرهم. هذا، على سبيل المثال، ربما يكون أفضل تفسير للتسامح العام مع أكاذيب دونالد ترامب: هناك دليل جيد على أن معظم أنصاره يدركون تماما أنه يكذب في الكثير من الأشياء. لكن لأنهم يفترضون أن جميع السياسيين فاسدون على أي حال، ويعتقدون أنه يكذب نيابة عنهم – أو يقاتل من أجلهم في مناطق أخرى – فإنهم مستعدون لتجاهل هذا السلوك. إذن، هذه هي نقطة الوصل الأولى: فقدان الثقة يجعل الناس مستعدين للتصويت لكاسري القواعد والمجرمين، وهذا يعني أن السياسيين لم يعد لديهم حافز للبقاء صادقين.

رئيس اليمين الوسط الإيطالي سيلفيو برلسكوني في وسط المدينة، يلوح خارج مصلى سان سيفيرو خلال جولته في وسط مدينة نابولي في 3 مارس 2018. (AFP/ Carlo Hermann)

أما نقطة الوصل الثانية تعتبر أكثر مباشرة: فالعديد من السياسيين الشعبويين يدخلون السياسة، أو يزيدون من خطابهم الشعوبي، من أجل البقاء خارج السجن. على سبيل المثال، دخل سيلفيو بيرلوسكوني (بشكل جزئي) في السياسة لأنه كان يعلم أن وجوده في السلطة من شأنه أن يحميه من الإدعاءات الجنائية الخطيرة.

وبالطبع إذا كنت في السلطة وتواجه ادعاءات جنائية – كما هو الحال الآن مع بنيامين نتنياهو – فإن ذلك يدفعك نحو الخطاب الشعوبي. الطريقة الأفضل لإخبار مؤيديك بتجاهل التحقيق الجنائي هي الإدعاء بأن “جميع المؤسسات فاسدة. هذه الادعاءات الجنائية مجرد حيلة سياسية ضدي. أنا شخصيا أقف من أجل الشعب وأعداءه يتآمرون لمنعي من القتال نيابة عنكم”. وهذا النوع من الخطاب هو، بالطبع، جوهر الشعوبية.

إلى أي مدى يعتبر نتنياهو شعوبيا؟ على سبيل المثال قبل عدة أسابيع نشر الليكود إعلانات على الطريق السريع الرئيسي في تل أبيب، وعرضت اللوحات صورا لأربعة صحفيين إسرائيليين إستقصائيين بوجوه شريرة مع العنوان “لن يكونوا هم الذين يقررون”.

نحن نميل إلى التفكير من المنظور الثنائي. السياسي X هو شعبوي والسياسي Y ليس شعبوي. لا أعتقد أن هذه هي الطريقة الأكثر فائدة للنظر بها. في كثير من الحالات، يمكن للسياسيين أن يتغيروا مع مرور الوقت، أو يمكن أن يتحولوا إلى لغة شعوبية عندما تناسبهم هذه اللغة.

ملصق حملة انتخابية لحزب الليكود يضم الصحفيين (من اليسار إلى اليمين) رافيف دراكر، غاي بيليغ، أمنون أبراموفيتش، وبن كاسبيت، والنص: “لن يقرروا. أنت سوف تقرروا” في وسط إسرائيل، 20 يناير، 2019. (تويتر)

عندما دخل نتنياهو السياسة الإسرائيلية، لم يكن يستخدم هذا النوع من اللغة الشعوبية. لكن في السنوات الأخيرة، بدأ يميل إلى الخطاب الشعوبي أكثر فأكثر. هذا النوع من اللوحات الإعلانية التي ذكرتها هو استخدام كلاسيكي ومقلق جدا للخطاب الشعبوي لنزع الشرعية عن وسائل الإعلام الحرة ووضع نفسك كمتحدث شرعي وحيد للشعب، الذي يُفترض أنه تمت عرقلته من قبل قوة شريرة. لذا نعم، في هذه المرحلة، هناك بالتأكيد أوجه تشابه مدهشة بين نتنياهو والشعبية السلطوية التي لدى ترامب أو أوربان.

لوحة ترويجية لليكود على جانب الطريق السريع “أيالون” في تل أبيب، 3 فبراير، 2019. النص يقول “نتنياهو، طراز آخر”. (Courtesy)

لنفترض أن إسرائيل كانت تسير في مسار سلطوي أو شعبوي – إلى حد ما، لا نعرف إلى أي مدى – ما هي الخطوات التالية التي يمكن أن نتوقعها؟ لنفترض، على سبيل المثال، أن كل من يتم انتخابه سيحاول كبح سلطة المحكمة العليا ونزع الشرعية عن الشرطة واتخاذ خطوات أخرى يرغب الشعبويين في اتخاذها. إذا حدث ذلك، فما الذي يمكن لإسرائيل أن تتطلع إليه في السنوات القادمة وكيف سيؤثر ذلك على المواطن العادي في الشارع، لأن المواطن العادي في الشارع ربما لا يهتم حقا. كيف يؤثر ذلك على حياتهم؟

عندما يستولي الشعبويون على السلطة، فإنهم يبدأون بتقويض استقلال المؤسسات السياسية. انهم يخلقون منافذ للدعاية الحكومية. من خلال ما أفهمه، كانت هناك محاولات مسبقة للقيام بذلك في إسرائيل في السنوات الماضية. انهم يشوهون المعارضة ويحدون من قدرة الناس على انتقاد الحكومة.

حتى في الوقت الذي يحاول فيه الزعيم الشعبوي وحلفاؤه أخذ المزيد من السلطة، سيحاول نشطاء المعارضة الحفاظ على استقلال تلك المؤسسات. هذا صراع يتمتع فيه كلا الطرفين بفرصة حقيقية للفوز. لذا فإن النتيجة غير مؤكدة، وستكون غير المؤكد بشكل خاص إذا لم يكن لدى الحكومة الشعبوية كتلة موحدة من الدعم بأغلبية في البرلمان.

بالنسبة لمعظم الناس العاديين، لا يهم كل هذا كثيرا في البداية. تؤثر المجموعة الأولى من التغييرات على المواطنين الذين لديهم اهتمام قوي بالسياسة، وخاصة أولئك الذين ينتقدون الحكومة. لكن معظم المواطنين ليسوا مهتمين بشكل خاص بالسياسة – وفي السنوات الأولى من النظام شعبوي، لا تتغير حياتهم إلى حد كبير. يمكن لأي شخص ليس نشطا بشدة في إنتقاد الحكومة أو ينتظم ضدها، من ليس صحافيا أو قاض، من لا ينتمي إلى إحدى مجموعات الأقلية التي يتم تحقيرها، أن يستمر في حياة طبيعة تشبه التي اعتاد عليها من قبل.

لكن في نهاية المطاف، تواجه الحكومات الشعبوية أزمة في شرعيتها. تصبح أقل شعبوية لسبب أو لآخر – ربما يكون هناك ركود، أو فضيحة سياسية كبيرة. وعند هذه النقطة، يجب على الشعبوي أن يرفع الضغط من أجل البقاء في السلطة. فجأة، يبدأ المواطنون الذين لم يلاحظوا فقدان حريتهم بالشعور بأن تسيطر على حياتهم اليومية. وفي هذه المرحلة، ما يحدث هو إما سقوط الحكومات الشعبوية أو تحولها إلى دكتاتوريات أكثر وضوحا.

نيكولاس مادورو، خلف الرئيس الفنزويلي السابق هوغو تشافيز أثناء وصوله إلى حفل يعلن فوز شافيز في الانتخابات الرئاسية في المجلس الانتخابي في كاراكاس، فنزويلا، في 10 أكتوبر 2012. (AP Photo / Ariana Cubillos)

دول مثل فنزويلا توضح هذه العملية بشكل جيد. خلال أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كان معظم المواطنين قادرين على ممارسة حياتهم بطريقة طبيعية نسبيا، ولم يعترفوا بمدى قدرة تشافيز على بناء سلطة مطلقة. لكن مع مرور الوقت، حتى المواطنون العاديين شعروا بعواقب سوء الإدارة الاقتصادية للنظام والقمع المتزايد. ونتيجة لذلك، لا يستطيع أي شخص في البلاد اليوم أن يمضي بحياته بطريقة عادية أو يتحمل عدم الاهتمام بالسياسة.

هل تعني أن الضحايا الأولين هم صحفيون وأشخاص نشطون سياسيا أو الذين يحاولون الحفاظ على المؤسسات المستقلة؟ فهم يشعرون بتأثير الاستبداد أولا، لكن في النهاية يشعر الجميع بذلك؟

هذا صحيح. ما يحدث عمليا هو أن الشعبويين يهاجمون المؤسسات المستقلة. لا يمكنهم الاعتراف بشرعية أي مركز قوة لا يهيمنون عليه. في البداية، يبدو ذلك عاديا تماما للأشخاص العاديين. من يهتم إذا كانت الشرطة فجأة تحت سيطرة أحد الموالين للحكومة؟ لماذا قد يقلق البعض من إدعاء أن الشرطة تضع اتهامات ملفقة ضد بعض زعماء المعارضة؟ معظم الناس لا يتعاملون مع الشرطة في حياتهم اليومية. إذا كنت معلما أو سائق سيارة أجرة، فإن تلك الأشياء لا تغير حياتك اليومية – في البداية.

لكن مع مرور الوقت، مع ازدياد النظام القمعي والفاسد، يبدأ التأثير على حياة معلمي المدارس وسائقي سيارات الأجرة. يُطلب من المدرّس فجأة تعليم الدعاية بدلا من درس العبرية. يواجه سائق سيارة الأجرة فجأة الرشوة عندما يحاول تجديد رخصته. هنا تصبح مقاومة النظام الشعبوي أكثر انتشارا – وإما أن تنجح في الإطاحة بالحكومة، أو يستمر بقائها بعنف.

أردت أن أسألك عن رأيك بتشويه سمعة جورج سوروس؟

إذا كنت تريد أن تجعل الناس يعتقدون أنك تتحدث فعلا بإسم الناس، وأن أي شخص يختلف معك هو غير شرعي، فمن الواضح أن ابتكار قصة مقنعة عن شخصية قوية وشريرة تهدد مصالح المواطنين العاديين تساعد هذا الهدف. نظريات المؤامرة دائما تعتبر طريقة جذابة للغاية للقيام بذلك. لذلك إذا كان بإمكانك الادعاء بأن هناك مليارديرا يتمتع بآراء سياسية قوية ويستخدم أمواله لفرضها على بلدك، فإن هذه قصة مغرية يمكنك أن ترويها.

لوحة إعلانية مع ملصق للملياردير الأمريكي الهنغاري ورجل الخير جورج سورس مع عبارة “الاستشارة الوطنية حول خطة سوروس – لا تدعها تمر دون أية كلمات” في بودابست في 16 أكتوبر 2017. (Attila Kisbenedek/AFP)

وبالطبع هناك سياق قوي معادي للسامية في عملية تشويه سمعة سوروس، مما يجعل هذا التكتيك أكثر فعالية في العديد من البلدان. عندما ننظر إلى هنغاريا، حيث العديد من المواطنين وفقا لاستطلاعات الرأي لديهم وجهات نظر معادية للسامية بقوة، يجب أن ينظر إلى الهجمات على جورج سوروس على أنها مماثلة لبروتوكولات حكماء صهيون التي ظهرت منذ قرن. ما يلفت انتباهي هو أن نظريات المؤامرة المعادية للسامية هذه قد أتت، من جميع الأماكن، إلى إسرائيل بالتحديد.

صحيح، قبل حوالي عام نشر ابن رئيس الوزراء صورة تصور جورج سوروس يسيطر على العالم.

هذه ايقونية كلاسيكية معادية للسامية. هذه الصورة هي تلائم وتعديل حديث للصور التي كانت شائعة من روسيا القيصرية وألمانيا النازية – ليهود بأنوف طويلة وذوي لحى كبيرة يسيطرون على العالم.

كشخص نشأ يهوديا في ألمانيا ومن الواضح أنه كان عليّ أن أكون حساسا لصدى تلك الدلالات، أجد أنه من المذهل رؤية ابن رئيس وزراء إسرائيلي ينشر تصوير كهذا عبر الإنترنت ليذكِّر الناس في ألمانيا على الفور بالدعاية التي ملأت صفحات “دير ستورمر”.

لقطة شاشة لرسوم كاريكاتوري، يظهر فيه جورج سوروس، نشره يئير نتنياهو، نجل رئيس الوزراء الإسرائيلي، 8 سبتمبر 2017. (Facebook)

لا تتحدث في كتابك أو تركز على القوى الخارجية التي تعمل على تأجيج نار الشعبوية، على سبيل المثال، روسيا وتدخلها في الانتخابات في الغرب.

هناك أدلة قوية على أن التلاعب بوسائل الإعلام الاجتماعية كان له تأثير على بعض الأصوات في عام 2016، وبالطبع، نتيجة الانتخابات على هامش ضيق نسبي في ثلاث ولايات رئيسية. لذا فمن الممكن على الأقل تخيل أن النفوذ الروسي أو الدعاية الخارجية قد خلّت التوازن. ولكن الشيء المهم هو أن نلاحظ أن هذا النوع من التدخل يمكن أن يكون له تأثير كبير فقط على المواقف والانقسامات الفعلية في المجتمع. لذا فإن أهم مشكلة هي أن الكثير من الناس معرضون لهذه الأنواع من التكتيكات في المقام الأول.