العقيد ميم، رئيس شعبة بحوث الإستخبارات في الساحة الفلسطينية، كان مشغولاً خلال حرب ال-50 يوما في مهمة مستحيلة في غزة لفهم نوايا قيادة حماس وقدرة صمودها. إنه الرجل المؤتمن في النهاية في الإستخبارات العسكرية على ‘العدو’ الفلسطيني، حماس أو السلطة. الآن يحاول تلخيص وفهم ما حدث بالضبط هنا، في الحرب الأخيرة، وكيف ترى حماس الأمور بأثر رجعي. ‘عند النظر بكيفية رؤية حماس الحرب، ووزن الحوار المفتوح والغير مفتوح، إستنتاجهم حول الإنجازات التي سجلت هي سلبية. ومع هذا لا تخلو تماما من الإنجازات، يقول في مقابلة مع التايمز أوف إسرائيل: “بالنسبة لهم كشفت آخر جولة بعض المشاكل الرئيسية: العالم العربي لم يتدخل والفشل الأكثر باهر هو أن الجمهور في الضفة الغربية بقي غير مبال. حصار غزة لا يزال كما هو وحتى هذا الأسبوع لا توجد مؤشرات على رفعه. كانت الحرب الحالية مختلفة تماما بالنسبة لهم مقارنة مع عملية التصعيد على غزة. هناك بالنسبة لهم سجلت إنجازات، كان هنا معركة على السلطة والإقتصاد والمجال الشعبي’.

العقيد ميم، يوضح بأن التقديرات التي يعرضها لي، ليسوا من قسم أبحاث الساحة الفلسطيني وحده، بل من المخابرات عامة. معنى ما لا يقال بصراحة من ميم، هو أنه من غير المرجح أن يتغير الوضع في غزة قريباً. ‘تقييمي بأن الحركة التي شنت حرب على هذه القضايا، لن تتخلى عن جوهر السلطة. أي حماس لن توافق على التخلي عن قدراتها العسكرية وجناحها العسكري. يبدو أن طلب إخضاع الجناح العسكري للسلطة الفلسطينية، أمر مستحيل. حاليا يتمحور الحديث حول ‘سلاح واحد’ أو سلطة واحدة’، هذه بالأساس أحاديث”.

ماذا بالنسبة للإدعاءات حول ‘حرب تموز’، بأن كل ذلك كان مخطط مسبقاً؟

‘موقف المخابرات العسكرية واضح. القصص حول ‘حرب تموز’ هي هراء كامل. لا توجد أي معلومات تؤكد بوجود خطة طوارئ شبيهة ‘ببيرل هاربور’ لحماس، حيث سحبوها ونفذوها، وتمت مفاجأتنا بأننا لم نكن نعرف عنها، وأيضا الهيئات الإستخباراتية الأخرى توافق على ذلك. بالفعل نحن نرى تدهور تدريجي، حتى ‘الجرف الصامد”، كان واضح أن حماس لا تريد حرباً. وبالتأكيد لم ترد حربا عامة. منذ حملة “عودة الأخوة” (عملية الضفة الغربية بعد إختطاف الثلاثة أولاد)، نتج وضع الذي أدى إلى التصعيد بالقطاع بقيادة الفصائل الصغيرة، بما في ذلك حركة الجهاد الإسلامي. خذ على سبيل المثال، كتائب عبد القادر الحسيني’ لقد أطلقوا صواريخ في قبل الحرب وأثناءها وساهموا في التدهور والتصعيد. أعدك أن بعض أعضاء هذه المجموعة لا تعرف حتى من كان عبد القادر الحسيني (من قادة القوات العربية في حرب الإستقلال في منطقة القدس والخليل). هؤلاء مشاغبين بحفايات وار بي جي. حماس لم تخطط أو تبدأ هذه الحملة ، لقد إنجرت إليها، ولكن بالتأكيد أرادت حماس خلال الحرب إستخدامها لتحقيق إنجازات مدنية’.

يرفض العقيد ميم التعليق على تناسب القوات بين مختلف المخيمات لحماس ولكنه مسرور للتعقيب عن زعيم المنظمة، خالد مشعل. ‘يوجد هنا لغز. انه شخصية مثيرة بنظري. إن سكان غزة سخروا منا في المنتديات المختلفة، حيث كتبوا ‘جهاد الفنادق (في اشارتهم لخطاب مشعل من فنادق قطر). إنه لا يسيطر على أموال المنظمة، أو على الأسلحة المنقولة إلى غزة. وحتى الان لديه سلطة. أعتقد أن ذلك يتعلق بالكاريزما ورؤيته ‘كالمرشد’ بين جماعة الإخوان المسلمين. لا يزال مشعل مقدم اللهجة المركزية، ولكن ليست المطلقة. في النهاية, هناك تماسك بين جميع الإدارات. والآن ما زلت لا أرى شخصا يمكنه أن يخلفه’.

وماذا عن مصير محمد ضيف؟

‘لن أتحدث عن ذلك. أستطيع أن أقول لك فقط، أن معظم سكان غزة يعتقدون أنه على قيد الحياة’.

لماذا إستمروا بالحرب إن لم يرغبوا بها؟

‘كان مبدؤهم مواصلة القتال حتى تحقيق إنجازات. وبمجرد وضع أهداف كإزالة الحصار أو بناء مطار وميناء البحري، كان عليهم التحرك لتحقيق المكاسب. هذا سبب إطالة مدة القتال. في مرحلة ما أصبح هذا مصيدة لهم. لأنهم لم يقوموا بإنجاز أي شيء، وإنهاء الحرب دون إنجازات أصبحت أكثر خطورة بالنسبة لهم من وقف إطلاق النار’.

‘من ناحية الحكومة، لقد تلقوا خسائر فادحة، سواء بشرية- القتلى، نازحين – بين 100-150 ألف شخص بلا مأوى وتدمير الكثير من البنية التحتية. على المستوى التشغيلي، لم تكن هناك مفاجأة لإسرائيل. معظم ترسانة صواريخهم المتوسطة التي عملوا عليها سنوات، تم تحييدها بواسطة “القبة الحديدية” والحملات الخاصة، تم تحييدهم إلى حد كبير من قبل الجيش الإسرائيلي. لقد بقوا مع ثلث الصواريخ المختلفة، لكنهم يملكون أيضا أمورا التي يرونها كنصر: الصمود وعدم الإنكسار، والقدرة على الضرر لنسيج الحياة في إسرائيل، بما في ذلك مطار بن غوريون، فضلا عن أفراغ المستوطنات حول غزة في نهاية الحرب. الخلاصة، إن هذا حدث معكر بالنسبة لهم”.

‘الطريق التي سيتذكر الجمهور الفلسطيني هذه العملية، متغلق بالقضايا الإقتصادية طبعاً. في يوليو 2013، بعد الثورة في مصر وإغلاق الأنفاق، بدأت الشقوق الأولى بالهدوء. القصة المركزية حول إستقرار الهدوء الحالي متعلقة بتشغيل المعابر، نقل الرواتب وإعادة التأهيل. لكن حتى الآن، ليس هناك أي شيء ملموس من شأنه أن يسمح لكل هذا. تريد حماس رؤية الحرس الرئاسي يقوم بتشغيل معبر كيرم شالوم للبضائع وايريز لعبور الناس. لديهم ايضاً معبر رفح الحدودي مع مصر، لكن المصريون يماطلون في موضوع رفح، إنها “الشوية شوية” المصرية الشهيرة’.

وماذا بشأن عباس والضفة الغربية؟ هنا العقيد ميم بدا حذرا ولم يكن على إستعداد لتقديم تقديرات المخابرات العسكرية، ربما خوفا من أن تفسير الأمور كإنتقادا للقيادة السياسية.

ومع ذلك، ما هي فرص إندلاع إنتفاضة ثالثة؟

‘دعنا نعرف الأمر على هذا النحو، ما زلت أشعر بأن المنطقة تتنقل بين الرغبة في الحفاظ على نسيج الحياة- يرى الناس ما يحدث في سوريا وأماكن أخرى، ولا تزال هناك ذاكرة عملية السور الواقي في عام 2002، وبين الحقيقة أن الكثير من إستقرار المنطقة يتعلق بالعنصر الإقتصادي والمدني في المنطقة. ما يمكنه أن يسبب الإضطرابات والتقويض، وأنا عمدا لا أتحدث بمصطلحات إنتفاضة ثالثة، هو تقويض العنصر الإقتصادي أو الاساءة لرمز كالقدس. ما دام يتم الحفاظ على هذه الفرامل، سيبقى الأمر تحت السيطرة، ولكن هذه الأشياء متفجرة و ‘ليست ذات مناعة أبدية’.