وفي وقت سابق من العام، كان أحمد، وهو عنصر في قوى الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية، يكافح من أجل تغطية نفقاته. متزوج وأب لطفلين، يقول أحمد إنه تلقى راتب ضئيل بقيمة 2500 شيكل (700 دولار).

وكان هذا حتى قبل أن تدخل السلطة الفلسطينية في أزمة مالية، كان سببها قرار إسرائيل حجب عائدات الضرائب عن الفلسطينيين احتجاجا على دفعهم رواتب للأسرى الأمنيين وعائلات القتلى من منفذي الهجمات.

بعد ذلك، شهد أحمد راتبه غير الكافي أصلا يتقلص إلى 500 شيكل (140 دولار)، مما زاد من معاناة أسرته.

وقال أحمد البالغ من العمر 31 عاما وهو من سكان نابلس، والذي رفض الكشف عن اسمه عائلته: “ابني يعاني من مرض في الجلد وأنا بحاجة إلى شراء أدوية له بتكلفة 800 شيكل كل شهر. عليّ أن أدفع ثمن الدواء والطعام والإيجار والكثير من الفواتير. ببساطة لا يوجد لدي ما يكفي من المال لتغطية نفقاتي”.

ومثل أحمد، هناك عشرات الآلاف من موظفي السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية الذين يعودون إلى منازلهم مع رواتب أقل بشكل كبير منذ شهر مارس.

في شهر مايو بدأت إسرائيل بتطبيق قانون جديد، يسمح للحكومة بتقليص 11.5 مليون دولار من الأموال التي تجمعها في كل شهر نيابة عن السلطة الفلسطينية. مسؤولون إسرائيليون قالوا إن المبلغ المحجوب يعادل ما تدفعه السلطة الفلسطينية للأسرى الأمنيين، من بينهم من تتهمهم إسرائيل بالإرهاب، وعائلات قتلى منفذي هجمات.

رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يتحدث خلال لقاء مع قادة فلسطينيين في المقاطعة، مقر السلطة الفسطينية، في مدينة رام الله بالضفة الغربية، 20 فبراير، 2019. (ABBAS MOMANI/AFP)

تصر إسرائيل على أن السياسة الفلسطينية المتمثلة بدفع الرواتب للأسرى الأمنيين وعائلات القتلى من منفذي الهجمات تحفز الهجمات العنيفة ضد إسرائيليين.

في حين تأكد القيادة الفلسطينية في رام الله على أنها تسعى إلى توفير الرفاه الاجتماعي للعائلات الفلسطينية وتعويضها عما تصفه بنظام عدل عسكري غير عادل.

وقد احتج رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس على القانون الإسرائيلي ورفض استلام  أي مبلغ من الضرائب التي تبلغ قيمتها 170-200 مليون دولار والتي تجمعها إسرائيل نيابة عن السلطة الفلسطينية في كل شهر وتشكل أكثر من نصف ميزانية الفلسطينيين.

وقال عباس خلال اجتماع للحكومة الفلسطينية في أبريل، “لن نتلقى أموالا جزئية”.

وقد ادى النزاع الضريبي، بالإضافة إلى انخفاض بأكثر من 50% في المساعدات الدولية على مدار السنوات الست الماضية، إلى تعقيد وضع الفلسطينيين – وهو ما وصفه وزير المالية في السلطة الفلسطينية، شكري بشارة، مؤخرا بأنه “وضع مالي خطير”.

قام الفلسطينيون بخفض رواتب جميع مستخدمي السلطة الفلسطينية بأكثر من 2000 شيكل واقتطاع نفقاتهم التشغيلية. كما توقفوا عن منح علاوات واقترضوا عشرات ملايين الدولارات من بنوك محلية.

جعفر صدقة، الذي يعمل مراسلا في وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية “وفا” قال إن رام الله قلصت راتبه بالنصف – من 4000 شيكل إلى 2000 شيكل.

وقال صدقة (51 عاما)، وهو من سكان قرية عنزة في جنوب جنين، “الآن أنا أدفع فقط على ما تحتاجه عائلتي حقا – أعني الطعام والشراب والماء والكهرباء – الأساسيات”، وأضاف أنه وجد صعوبة في تغطية الرسوم الفصلية لجامعة ابنته ومدفوعات القروض الشهرية.

وتابع قائلا: “حتى أنني لم أتمكن من شراء هدايا وثياب جديدة لأطفالي في رمضان الأخير”، وهي عادة فلسطينية في عيد الفطر.

قوى أمن فلسطينية في الخليل، 14 نوفمبر، 2017. (Wisam Hashlamoun/Flash90)

وقال صدقة، وهو أب لستة أبناء، إنه بدأ يعمل في وظائف إضافية في ساعات المساء لكسب المزيد من المال.

وأضاف: “الأموال الإضافية تساعد، ولكنني ما زلت أجد صعوبة في إعالة عائلتي”.

وقال رجال أعمال فلسطينيون إنه كان لرفض السلطة الفلسطينية استلام عائدات الضرائب أثر كبير على الاقتصاد الراكد في الضفة الغربية، حيث تبلغ نسبة البطالة 18%.

يقول جمال جوابرة، وهو الأمين العام لاتحاد الغرف التجارية الفلسطيني، إن “موظفي السلطة الفلسطينية ينفقون رواتبهم عادة على أسواقنا ويدفعون اقتصادنا. ولكن عندما لا يقومون بعمليات شراء، يشتري أصحاب المتاجر سلعا أقل من المصانع، والتي تبدأ بدورها في انتاج كميات أقل. هذا يبطئ الاقتصاد كله”.

وقال هشام مساد، وهو محاسب من جنين، إن عددا كبيرا من المصالح التجارية التي تديرها شركته أصبحت مدانة.

وتابع القول: “هناك عدد كبير من الشركات التي أعمل معها على وشك الانهيار. تتراكم عليهم ديون لا يستطيعون سدادها. في حالات كثيرة، يعانون من انخفاض في المبيعات بنسبة 30%-40%”.

وأضاف مساد أنه أوصى لعملائه بخفض التكاليف قدر الإمكان لتجنب تراكم ديون أكبر.

صورة توضيحية: سيارات في وسط رام الله. (photo credit: Ilia Yefimovich/Getty Images/JTA)

وقال محمد عودة، وهو مسؤول في السلطة الفلسطينية يعمل في مكتب عباس، إنه أبلغ ابنه مؤخرا بأنه لن يتمكن من اصطحابه إلى قاعة السينما.

وقال عودة، البالغ من العمر 62 عاما وهو أب لأربعة أبناء: “كان الاحساس فظيعا، ولكنني حقا لا أملك المال لانفاقه على مثل هذه الأشياء”.

وقامت السلطة الفلسطينية بتقليص راتبه كما قال من 6000 شيكل إلى 3000 شيكل.

على الرغم من الصعوبات المالية المستمرة، فإن موظفي السلطة الفلسطينية الثلاثة الذين تحدثوا مع تايمز أوف إسرائيل في هذا التقرير يقولون إنهم يؤيدون قرار رام الله رفض تسلم العائدات الضريبة المخصومة.

وقال صدقة: “هذه مسألة عاطفية للغاية تؤثر على الكثير من البيوت الفلسطينية. كل فلسطيني تقريبا لديه فرد من العائلة الذي كان في السجن أو استشهد. لا يمكن للسلطة الفلسطينية القبول بأموال جزئية لأنه من خلال قيامها بذلك هي تعطي شرعية لإسرائيل في إشارتها إلى الأسرى والشهداء باعتبارهم إرهابيين”.

وراى عودة أن رام الله لا يمكنها قبول الأموال لأن ذلك سيشكل سابقة قد تؤدي إلى اقتطاعات إضافية في المستقبل.

وقال: “إسرائيل ستختلف معنا في قضية أخرى في المستقبل وستقوم بالشيء نفسه. ستأخذ المزيد من أموالنا دون اذن منا. لا يمكننا السماح بأن يكون هذا هو الوضع”.

في غضون ذلك، توجه عباس للدول العربية لتزويد السلطة الفلسطينية بشبكة أمان لمساعدتها في التغلب على مشاكلها المالية.

المقاطعة في رام الله، مقر السلطة الفلسطينية. (photo credit: Wikimedia Commons/PalestinianLiberator/File)

على الرغم من أن معظم العالم العربي لم يستجب لنداء عباس بتحويل الأموال إلى السلطة الفلسطينية، إلا أن قطر أعلنت في مايو عن ارسالها لمبلغ 300 مليون دولار إلى خزائن رام الله. وفقا لمسؤولين فلسطينيين، ستقدم الدوحة 50 مليون دولار في شكل منح و250 مليون دولار في شكل قروض للسلطة الفلسطينية على مدار الـ 12 شهرا القادمة ، مما يمنح السلطة الفلسطينية بعض المتنفس.

في هذه الأثناء، التقى مسؤولون إسرائيليون وفلسطينيون عدة مرات خلال الأشهر القليلة الماضية لمناقشة النزاع حول أموال الضرائب.

وقال حسين الشيخ المقرب من عباس إن المحادثات لم تسفر عن حل للقضية.

وكتب الشيخ في تغريدة على “تويتر” في 26 يونيو، “لقد التقيت في الأمس بوزير المالية الإسرائيلي [موشيه] كحلون وتمت مناقشة سبل حل مشكلة احتجاز الأموال الفلسطينية من قبل إسرائيل ، لكن لم يتم إحراز أي تقدم”.

وأكد متحدث باسم كحلون أن الوزير التقى بالشيخ في 25 يونيو لمناقشة “قضايا مدنية واقتصادية”، لكنه رفض الإجابة على أسئلة إضافية.

ومع ذلك، قد يكون يلوح في الأفق حل جزئي بالإضافة إلى الأموال من قطر.

في 2 يوليو نقلت هيئة البث العام الإسرائيلية “كان” عن مصدر فلسطيني لم تذكر اسمه قوله إن إسرائيل والسلطة الفلسطينية توصلتا الى اتفاق مبدئي لإعفاء الفلسطينيين من دفع ضرائب الوقود.

المسؤول في منظمة التحرير الفلسطينية أحمد مجدلاني.
(Ahmad Majdalani Facebook page)

عادة ما تدفع السلطة الفلسطينية حوالي 56 مليون دولار من الرسوم إلى إسرائيل كل شهر مقابل الوقود الذي تستورده إلى الضفة الغربية وقطاع غزة ، وهو مبلغ  كانت تسترده، قبل الأزمة الحالية، إلى خزائنها عندما تقوم الدولة اليهودية بتحويل 170-200 مليون دولار من الضرائب التي جمعتها لرام الله.

وقال وزير الشؤون الاجتماعية في السلطة الفلسطينية أحمد مجدلاني لتايمز أوف إسرائيل إنه تمت مناقشة الأمر لكن السلطة الفلسطينية وإسرائيل لم توافقا على ذلك.

إذا وافق الفلسطينيون وإسرائيل على الاقتراح ، فسوف يوفر ذلك ما يعادل ثلث الضرائب التي تجمعها إسرائيل للسلطة الفلسطينية كل شهر – وبعض الإعفاءات المؤقتة.