عندما كان في السجن، أصبح محمد سباتين البالغ من العمر (16 عاما) عما. أُدين بإلقاء حجارة وحُكم عليه بالسجن ثلاثة أشهر في سجن إسرائيلي، وأنهى قضاء فترة عقوبته في 27 يناير.

يعتقد محمد أن مشاكله بدأت بسبب خلاف على فتاة، كما قال لتايمز أوف إسرائيل في منزل عائلتة في قرية حوسان الفلسطينية، القريبة من بيت لحم.

بسبب لغته العبرية المحدودة، قام والده زياد بترجمة معظم المحادثة. زياد سباتين هو ناشط سلام فلسطيني، يعمل بشكل وثيق مع إسرائيليين – من بينهم أولئك الذين يعيشون في مستوطنات – لدعم الحوار والتعاون بين اليهود الإسرائيليين والعرب، وكذلك الإحتجاج السلمي ضد السيطرة الإسرائيلية في الضفة الغربية.

لعدة سنوات، كان زياد سباتين طالبا عند الحاخام مناحيم فرومان، الحاخام الأكبر الراحل لمستوطنة تقوع، وما زال يحافط على علاقات قريبة مع أرملة فرومان، هداسا.

هداسا فرومان، التي تعرضت زوجة إبنها للطعن بيد منفذ هجوم فلسطيني في شهر يناير، هي واحدة من الشخصيات المركزية التي عملت مع إسرائيليين يهود آخرين لتجنيد المال لدفع رسوم الإجراءات القضائية لمحمد والتحدث نيابة عنه خلال المحاكمة.

لم يصدق القاضي بأن إسرائيليين، وخاصة مستوطنين، سيأتون إلى المحاكمة، كما قال لوني باسكين، ناشط سلام وصديق للعائلة، لتايمز أوف إسرائيل.

وقال باسكين، “هداسا تحدثت بالنيابة عنا جميعا. القاضي طلب من الجميع الصمت. لقد قام بطرد أشخاص من قاعة المحكمة حتى يتمكن من سماع كل كلمة كانت لديها لتقولها. تحدثت عن معرفتها بزياد لسنوات عديدة، وبأن زياد كان طالبا عند الحاخام مناحيم فرومان – رحمه الله – وبأنه كان كفرد من أفراد العائلة”.

وتابع قائلا: “أثار ذلك إعجاب القاضي للغاية”.

محمد زياد سباتين (يمين) اثناء طفولته، يلعب مع والده زياد (مركز) وناشط السلام اليهودي شاؤول يودلمان من منظمة ’شوراشيم - جذور’ (Courtesy)

محمد زياد سباتين (يمين) اثناء طفولته، يلعب مع والده زياد (مركز) وناشط السلام اليهودي شاؤول يودلمان من منظمة ’شوراشيم – جذور’ (Courtesy)

يقول زياد ومحمد بأنهما لا يزالان ملتزمان بالحوار والنشاط السلمي، على الرغم من إعتقال محمد وسجنه من قبل الحكومة الإسرائيلية.

على خلفية الحادثة، يخطط زياد وبعض النشطاء اليهود بأن يعرضوا على المحكمة العسكرية الإسرائيلية بديلا لسجن للفتيان الفلسطينيين الذين تتم إدانتهم، وهو برنامج يهدف إل تعليم اللاعنف والقيادة، بدلا من “كراهية الجانب الإسرائيلي”، كما قال زياد.

محمد ينفي نفيا قاطعا قيامه بإلقاء حجارة وزجاجات حارقة على مركبات. بعد إطلاق سراحه من السجن حقق والده معه في هذا الشأن، كما قال باسكين.

عندما سُئل عما إذا قام بإلقاء حجارة، رد محمد كان فوريا، “لا”، وحتى مع معرفتي الضعيفة باللغة العربية فهمت أن قصد الكلمة هو النفي.

ولكن مؤيدي محمد يقولون إن براءته أو إدانته ليست القضية الأساسية بالنسبة لهم.

الحاخام حانان شليزينغر، صديق آخر للعائلة، قال عند إعتقال محمد، “لا نعرف إذا كان ابن زياد قد قام بأي خطأ. فنحن لا نحاول مساعدته لأننا متأكدين من براءته”.

ولك شليزينغر وباسكين يران بإنه لا ينبغي تعذيب أي شخص خلال التحقيق، وهو ما حصل مع محمد كما يعتقدان.

السبب خلاف حول فتاة

بحسب محمد، كان فتى آخر في حوسان معجبا بنفس الفتاة التي كان هو معجبا بها، وعندما اعتُقل هذا الفتى لقيامه بإلقاء حجارة، قام بإعطاء إسم محمد للمحققين.

خصم محمد أنكر في وقت لاحق شهادته، ولكن في انحراف غريب للمنطق، قامت المحكمة برفض التراجع عن الشهادة لأنها رأت أنه لا يمكن الوثوق بالفتى، ولكنها مع ذلك قبلت بشهادته الأولى التي اتهم فيها محمد بإلقاء الحجارة، كما يقول لوني باسكين.

محمد سباتين يبتشم اثناء تصويره بعد اطلاق سراحه من السجن (Courtesy/Ziad Sabateen)

محمد سباتين يبتشم اثناء تصويره بعد اطلاق سراحه من السجن (Courtesy/Ziad Sabateen)

خلال التحقيق معه، اعترف محمد بإلقاء الحجارة على مركبات إسرائيلية على طريق رقم 375، الذي يمر من حوسان وهو موقع معروف بحوادث إلقاء الحجارة والزجاجات الحارقة فيه. لكن فور خروجه من التحقيق تراجع عن روايته، وزعم أن الإعتراف أُخذ منه قسرا من خلال إعتداءات لفظية وجسدية.

من الواضح أن التحقيق والمحاكمة والسجن كان لهم تأثير على محمد، كما يقول زياد. في سن 16، أصبح بالغا أكثر وجديا أكثر مما كان عليه.

محمد لا يشبه بأي شيء ما كان عليه في السابق؛ لا يزال يضحك ويرقص. كأي فتى آخر، هاتفه المحمول كان بإنتظام يحول إنتباهه عن المحادثة.

خلال مناقشو محاكمته وسجنه، تحدث محمد بهدوء، ولكن بانفتاح. حافظ على التواصل البصري وحتى أنه ابتسم من حين لآخر. مع ذلك، عندما سُئل عن ليلة إعتقاله والتحقيق معه، تغيرت النظرة في عينيه. كان يحدق في الأرضية أو بعيدا عندما كان يروي ما حدث.

إتهامات بالتعذيب

في الساعة 2:30 فجرا في 11 نوفمبر، وصلت مجموعة من الجنود الإسرائيليين إلى منزل العائلة واعتقلت محمد. في بعض الإعتقالات، تكون للجيش صور عن قيام المشتبه بهم بإلقاء حجارة أو مشاركتم في إحتجاجات عنيفة، ولكن في حالة محمد لم يكن للضابط الإسرائيلي إلا صورة هوية، كما يقول زياد.

تم وضع عصبة على يدي محمد، الذي كان في ذلك الوقت في سن 15، وتكبيل يديه قبل وضعه في مركبة عسكرية مع معتقلين آخرين وأخذه إلى قاعدة عسكرية في مستوطنة بيتار عيليت القريبة. بعد ساعات قليلة من ذلك تم أخذه إلى قاعدة في كتلة عتصيون، حيث تم تركه جالسا في الخارج لساعات، حتى وصل المحققون لأخذه، كما قال.

التحقيق كان على مرحلتين: الأولى، بضعة رجال، الذين لم يعرفوا عن أنفسهم، إستجوبوا محمد بشكل مكثف لعدة ساعات، حتى أخرجوا الإعتراف منه. يقول زياد بأنه يعتقد بأن هؤلاء الرجال كانون من جهاز الأمن العام (الشاباك)، وهو ما ينفيه الجهاز.

بحسب الشاباك، “لسنا نحن من قام بالتحقيق مع الفتى”.

بعد إعترافه، قام رجال شرطة عرفوا عن أنفسهم بتصويره خلال التحقيق معه، الذي كان “قصيرا ومؤدبا”، كما قال محمد من خلال والده.

’عليك الإعتراف. لا يمكنك الخروج من هنا ما لم تعترف’

خلال الجولة الأولى، المحقق الرئيسي – الذي قال أن اسمه موشيه – إلى جانب ضباط آخرين لم يعرفوا عن أنفسهم إستجوبوا محمد بصورة عنيفة لعدة ساعات.

بداية إتهموا محمد بإلقاء الزجاجات الحارقة، ولكن عندما نفى التهمة، غيروا رأيهم، واتهموه بإلقاء الحجارة، كما يقول محمد.

قال المحققون لمحمد، بحسب زياد، “عليك التكلم. عليك الإعتراف. لا يمكنك الخروج من هنا ما لم تعترف”.

موشيه صرخ وهدد بإعتقال أفراد آخرين من أسرة محمد، شقيقته ووالدته، إذا لم يتكلم. قام موشيه والضباط الآخرون بضرب محمد على الرأس وعلى أعضائه الحساسة، وقاموا بتغطية أيديهم بمنشفة لمنع ظهور كدمات، كما يقول زياد.

وقال محمد أن موشيه ضرب رأسه بسياج بقوة شديدة أدت إلى تحطم إثنين من أسنانه.

الشرطة لم تستجب لطلبات تايمز أوف إسرائيل في الحصول على تعليق.

’موسى يتكلم’

في مرحلة معينة، قام موسى بالإتصال هاتفيا على الوالد زياد وقال له، بالعربية، بأنه مع محمد وبأن محمد طلب محاميا.

’اسمع، ابنك معنا للإستجواب’

الإتصال من رجل إسرائيلي مجهول ويتكلم العربية أصابت زياد بالحيرة، ولكنه قال لموشيه – الذي قدم نفسه مستخدما الإسم العربي لموشيه، موسى – قال بأنه سيرسل محاميا، ولكن موشيه أقفل الخط وتجاهل طلب زياد.

سجل زياد الإتصال على هاتفه المحمول وقدمه كدليل للقاضي على أنه تم تجاهل حقوق محمد في الحصول على محام.

في التسجيل يقول المتصل، “زياد، كيف حالك؟ موسى بحكي معك”.

يرد عليه زياد، “أهلا اخوي”.

فيقول له موسى، “اسمع، ابنك موجود عندي بتحقيق”.

فسأله زياد، “انو موسى؟ مين موسى؟”.

“إسمع، إبنك موجود عندي هالحين في تحقيق في عتصيون”، رد عليه موسى.

قال له زياد “اه اخوي”.

فقال المتصل، “هو حكالي انه احكي معك انك توديله محامي”.

رد زياد، “اوديله هالحين؟ اسا بغدر اوديله”.

فقال موسى له، “أوكي حبيبي… تخافش هو موجود زي ابوه عنده… تخافش”.

وبدأ زياد بالسؤال، “بقدر…”

لكن موسى قاطعه، “يالله باي”.

فحاول زياد مرة أخرى، “بقدر اح…” ولكن كان “موسى” قد أقفل الخط.

بعد التحقيقات المتعاقبة معه، تم وضع محمد في السجن في إنتظار محاكمته.

بداية، تم توجيه 4 تهم إلقاء حجارة لمحمد. وكان سيُحكم عليه بالسجن لمدة 5 أشهر ودفع غرامة مالية بقيمة 3,000 شيكل (770 دولار).

محامي محمد قدم للنيابة والقاضي التسجيل الصوتي لمحادثة زياد مع “موسى”.

على ضوء المحادثة الهاتفية والدعم الذي قدمته له هداسا فرومان ونشطاء يهود آخرون، خففت النيابة العامة من التهم الموجهة ضد محمد ووجهت إليه تهمة إلقاء حجارة واحدة فقط، كما قال باسكين.

المتطرفون والأخيار

عرضت النيابة صفقة على محمد يتم فيها تخفيف حكمه إلى 3 أشهر في السجن، بما في ذلك الفترة التي قضاها، ولكن مع غرامة مالية بقيمة 6,000 شيكل (1,540 دولار). الصفقة كانت أيضا مشروطة بلقاء عامل إجتماعي إسرائيلي، الذي سيتحدث مع محمد وزياد.

قبل محامي محمد بالصفقة. لكن النائب العسكري لم يصادق عليها. إستأنفت النيابة العامة على القرار من أجل العودة إلى عقوبة الخمسة أشهر الأولية، لكن القاضي رفض الإستئناف وقال إن الغرامة الإضافية كافية لتعويض عقوبة السجن الأقصر، كما قال باسكين.

فترة محمد في السجن كانت سهلة نسبيا، وطاقم السجن تعامل معه بكرامة واحترام، كما قال.

قال محمد، “كنا نقوم بلعب الرياضة والصلاة والحديث عن الخروج [من السجن]”.

لكن كان يمكن قضاء الوقت بصورة أفضل من خلال تعليم الأسرى الفلسطينيين حول فضائل اللاعنف والقيادة و”طريق السلام”، كما قال زياد.

وقال محمد إنه لا يحمل مشاعر حقد إتجاه الإسرائيليين كمجموعة، ولكنه يقر بأنه يشعر بكراهية شديدة إتجاه الرجال الذين يزعم بأنهم ضربوه.

وقال محمد، “هناك يهود صالحين، وهناك يهود متطرفين. إذا قام شخص بأعمال خيرة، فهو شخص صالح”.

وأضاف والده زياد، “الأمر سيان بالنسبة للعرب. هناك متطرفين وهناك أخيار”.

وتابع محمد، “والأشرار، ما عليك سوى الإبتعاد عنهم”.

’طريق السلام’

الآن، بعد أن أصبح محمد خارج السجن يقول بأنه لديه “مؤهلات شارع” أكثر مع فتية وأطفال حوسان الآخرين، وسيستخدم هذه المؤهلات، كما يقول،ليشجعهم على الإمتناع عن إلقاء الحجارة، وتوجيههم بدلا من ذلك بإتجاه “اللاعنف والسلام”، بحسب ترجمة والده نقلا عنه.

حضور مجموعة الإسرائيليين واليهود إلى محاكته إعطى محمد جوا من الغموض من حوله خلال قضائة فترة العقوبة في السجن، والذي احتفظ به بعد إطلاق سراحه. “يسأل الأولاد الآخرون، ’من والدك’ و’كيف يعرف [هؤلاء الإسرائيليين]؟’”، كما يقول.

معظم المال لدفع الغرامة الماليةالتي فرضتها المحكمة على محمد تبرع به أصدقاء للعائلة ومناصرون من حول العالم.

لكن معظم الفلسطينيين لا يتمتعون بالصلات التي تتمتع بها عائلة سباتين. لذلك يعتزم زياد سباتين وباسكين وغيرهم تأسيس “صندوق إنساني” لمساعدة فلسطينيين آخرين على دفع تكلفة الإجراءت القانونية والقضائية، كما يقول باسكين.

لكن زياد يبدو في الأساس سعيدا بعودة إبنه إلى منزله في حوسان. عندما تحدث عن عودة محمد وولادة حفيده الأول، بدا التأثر في صوته وبدا أيضا أن ضحكته على وشك التحول إلى دموع فرح.