سيواجه رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو ضغوطا متجددة من جانب أوروبا يوم الإثنين لإعادة إطلاق عملية السلام المحتضرة في الشرق الأوسط في أعقاب انتقادات واسعة للقرار الأمريكي الإعتراف بالقدس عاصمة للدولة اليهودية.

وسيتواجد نتنياهو في بروكسل للمشاركة في فطور غير رسمي مع وزراء خارجية الإتحاد الأوروبي الذين سيحضونه على “استئناف مفاوضات جوهرية”، بحسب وزيرة خارجية الإتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني.

وتأتي المحادثات بعد لقاء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع نتنياهو في باريس الأحد حيث دعاه إلى تجميد البناء الاستيطاني وإعادة التواصل مع الفلسطينيين في أعقاب الاحتجاجات الواسعة على الخطوة الأمريكية.

في كلمة ألقاها من البيت الأبيض الأربعاء، تجاهل ترامب تحذيرات المجتمع الدولي وأكد على أنه بعد إخفاقات في تحقيق السلام هناك حاجة إلى نهج جديد طال انتظاره، واصفا قراره الإعتراف بالقدس مقعدا للحكومة الإسرائيلية مجرد اعتراف بالواقع.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يحمل مذكرة وقع عليها بعد أن أدلى ببيان حول القدس من غرفة الاستقبال الدبلوماسية في البيت الأبيض في العاصمة الأمريكية واشنطن، 6 ديسمبر، 2017، ونائب الرئيس مايك بنس يقف وراءه. (Saul Loeb/AFP)

ولاقت الخطوة اشادة من نتنياهو ومن قادة إسرائيليين من جميع ألوان الطيف السياسي. وأكد ترامب على أنه لم يحدد حدود السيادة الإسرائيلية في المدينة، ودعا إلى الحفاظ على الواضع الراهن في المواقع المقدسة فيها.

متحدثا في مؤتمر صحفي مشترك مع نتنياهو الأحد، ندد ماكرون مجددا بالقرار الذي قال إنه “يتناقض مع القانون الدولي ويشكل خطرا على العملية السلمية”.

وقال ماكرون بعد محادثات أجراها في باريس مع القائد الإسرائيلي “لقد دعوت رئيس الوزراء الى القيام بمبادرات شجاعة تجاه الفلسطينيين من أجل الخروج من المأزق الحالي” والسماح بعودة “المحادثات الاسرائيلية-الفلسطينية”. “، وأضاف أن “السلام لا يعتمد على الولايات المتحدة لوحدها… هو يعتمد على قدرة القائدين الإسرائيلي والفلسطيني على القيام بذلك”.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بينيامين نتنياهو يتحدث في مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بعد اجتماعهما في قصر الإليزيه في باريس، 10 ديسمبر، 2017. (AFP PHOTO / POOL / PHILIPPE WOJAZER)

نتنياهو من جهته أشاد بقرار ترامب واصفا إياه ب”التاريخي” وشرح الأحد أن القدس “كانت دائما عاصمتنا ولم تكن يوما عاصمة أي شعب آخر”.

وقال “لقد كانت دائما عاصمة إسرائيل ل3,000 عام، لقد كانت عاصمة الدولة اليهودية لسبعين عاما. نحن نحترم تاريخكم وخياراتكم ونعرف كأصدقاء أنكم تحترمون (تاريخنا وقراراتنا). أعتقد أن ذلك هو أيضا أمر محوري للسلام”، وأضاف “كلما سارع الفلسطينيين إلى تقبل هذا الواقع، كلما تحركنا باتجاه السلام بصورة أسرع”.

قبل مغادرته لإسرائيل، وجه نتنياهو انتقادات حادة لما وصفه ب”نفاق” أوروبا، التي أدانت إعلان ترامب، لكنها لم تندد ب”الصواريخ التي تم إطلاقها تجاه إسرائيل أو التحريض الرهيب ضدها”.

ليلة الجمعة، أطلقت فصائل متطرفة في غزة صواريخ باتجاه إسرائيل، سقط اثنان منها في مدينة سديروت الجنوبية؛ إسرائيل من جهتها ردت بقصف أهداف تابعة لحركة “حماس”.

محتجون فلسطينيون في اشتباكات مع جنود إسرائيليين على حدود إسرائيل-غزة في 8 ديسمبر، 2017. (AFP Photo/Jack Guez)

يوم الخميس دعت “حماس” إلى انتفاضة جديدة ضد إسرائيل، ويوم الجمعة حضت الفلسطينيين على مواجهة الجنود والمستوطنين، وسمحت للآلاف من سكان غزة الدخول في مواجهات مع القوات الإسرائيلية عند السياج الحدودي في غزة في الأيام الأخيرة. يوم الجمعة أشاد زعيم الحركة إسماعيل هنية ب”الانتفاضة المباركة”، وحض على تحرير القدس، ووضح أن حركته تسعى إلى تكثيف العنف ضد إسرائيل.

وبدأ ماكرون تصريحاته التي أعدت مسبقا بإدانة  “بأكبر قدر من الوضوح لجميع أشكال الهجمات في الساعات والأيام الأخيرة ضد إسرائيل”.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (من اليسار) يصافح رئيس الوزراء الإسرائيلي بينيامين نتيناهو عند وصوله إلى قصر الإليزيه، 10 ديسمبر، 2017، في باريس. (AFP PHOTO / ludovic MARIN)

على الرغم من الاختلافات الواضحة بين القائد الفرنسي البالغ من العمر 39 عاما ورئيس الوزراء الإسرائيلي المخضرم، كانت هناك أيضا محاولات لإظهار أن الإثنين طورا علاقة عمل جيدة ولديهما وجهات نظر مشتركة.

وقال نتنياهو في نقطة معينة “هل يعني ذلك أنني اتفق مع إيمانويل ماكرون على كل شيء؟ لا، ليس كل شيء، ولكننا نعمل على ذلك”، وأضاف مازحا بعد ذلك: “الغداء في الإليزيه رائع، والمحادثة رائعة أيضا”.

ويحرص البلدان على تحسين العلاقات بعد أن شهدت توترا في كثير من الأحيان في فترة الرئيس السابق فرنسوا هولاند.

الإتحاد الأوروبي غير موحد

في وقت سابق انتقد نتيناهو بحدة الموقف الأوروبي حول إسرائيل، ويوم الجمعة وصف مصدر إسرائيلي في الحكومة رحلة نتنياهو إلى بروسكل بأنها مغامرة في “عرين الأسد”.

في الصيف الماضي، غير مدرك بسماع الصحافيين لأقواله هاجم نتنياهو سياسة أوروبا “المجنونة” تجاه إسرائيل. في اجتماع مغلق عُقد في بودابست في شهر يوليو مع قادة أربع دول من وسط أوروبا، قال نتنياهو إن “الاتحاد الأوروبي هو المنظمة الدولية الوحيدة في العالم التي تشترط علاقاتها مع إسرائيل، التي تنتج التكنولوجيا في كل المجالات، بشروط سياسية. الوحيدون! لا أحد آخر يفعل ذلك!”

وأضاف “هذا جنون. هذا جنون تام”، بالإشارة إلى إصرار الاتحاد الأوروبي على اشتراط بعض اتفاقياته مع إسرائيل باحراز تقدم في العملية السلمية. وأشار الى اتفاق الشراكة بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي، الذي لم يتم تجديده منذ عام 2000.

رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو وقادة ’مجموعة فيسيغراد’ – المجر وسلوفاكيا وجمهورية التشيك وبولندا – في بوادبست، 19 يوليو، 2017. (Haim Tzach/GPO)

معظم أعضاء الاتحاد الأوروبي، من ضمنهم أكبر الدول في الكتلة، أعربوا عن مخاوفهم إزاء التحول في سياسة إدارة ترامب.

وحذرت موغيرني من أن القرار حول القدس “قد يعود بنا إلى فترات مظلمة أكثر من التي نعيشها حاليا”.

متحدثة لصحافيين في بروكسل الجمعة، كررت مورغيريني موقف أوروبا بأن “الحل الواقعي الوحيد” للسلام هو دولتين – إسرائيل وفلسطين – مع القدس عاصمة لكلا البلدين وعودة الحدود إلى ما كانت عليه قبل الحرب العربية-الإسرائيلية في عام 1967.

وزيرة خارجية الإتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني تتحدث لوسائل الإعلام خلال جلسة لوزاراء خارجية حلف ’الناتو’ في مقر الحلف في بروكسل، 5 ديسمبر، 2017. (THIERRY CHARLIER/AFP)

واضافت ان “المصلحة الامنية لاسرائيل تقتضي ايجاد حل قابل للاستمرار لهذا النزاع المتواصل منذ عقود”.

لكن الكتلة التي تضم 28 دولة عضو غير موحدة حول هذه القضية – حيث تفضل المجر واليونان وليتوانيا وجمهورية التشيك بشكل خاص علاقات أكثر دفئا مع إسرائيل.

في الأسبوع الماضي عرقلت المجر نشر بيان مشترك من الإتحاد الأوروبي يدين قرار واشنطن في شأن القدس. يوم الأربعاء قال وزير الخارجية التشيكي إن جمهورية التشيك تعترف بالقدس في حدود ما قبل عام 1967. يوم الخميس أعرب رئيس البلاد، ميلوس زيمان، عن دعمه لإعلان ترامب، وقال إنه كان يجب نقل السفارة التشيكية إلى القدس منذ سنوات.

متظاهر فلسطيني يدفع بإطار مشتعل باتجاه القوات الإسرائيلية خلال مواجهات في مدينة نابلس في الضفة الغربية، في 9 ديسمبر، 2017، في أعقاب تظاهرات ضد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الإعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل. (AFP PHOTO/ AAFAR ASHTIYEH)

إعلان ترامب الأربعاء تبعته أيام من الاحتجاجات والمواجهات الفلسطينية العنيفة مع القوات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية.

واحتج عشرات الآلاف أيضا في الدول الإسلامية والعربية، بما في ذلك في الأردن وتركيا وباكستان وماليزنا. وتم تنظيم تظاهرات أيضا في لبنان وإندونيسيا ومصر والأراضي الفلسطينية يوم الأحد.

كما سُئل ماكرون عما إذا كانت فرنسا ستقوم بمحاولة جديدة لإطلاق مبادرة سلام أخرى لحل الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني في أعقاب جهودها الفاشلة في الماضي.

وقال الرئيس الفرنسي إن هناك “رغبة من الأميركيين للوساطة ولا أريد إدانتها بشكل مسبق”، وأضاف “علينا الانتظار حتى الأسابيع القليلة المقبلة والأشهر المقبلة لمعرفة ما سيتم اقتراحه”.

وتابع “أعتقد أنه علينا الانتظار لمعرفة ما إن كان الأطراف المعنيون سيقبلون بذلك أم لا”.

ساهم في هذا التقرير رفائيل أهرين.