بحسب معظم التقديرات، هناك نحو 14-15 مليون يهودي في العالم اليوم. ليس بالعدد الكبير، أليس كذلك؟ يوم الأحد، وضّح رئيس وزراء الدولة اليهودية الوحيدة في العالم للملايين منهم: إسرائيل لا ترغب بكم.

بنيامين نتنياهو لن يصيغ ذلك بهذه العبارات الصريحة بطبيعة الحال. ومن دون شك أنه سوف يستثمر طاقة بلاغية كبيرة في المستقبل القريب في التأكيد على أن الأمر ليس كذلك.

لكن لوزير الصحة في حكومته، يعكوف ليتسمان، رئيس حزب “يهودت هتوراه”، لا توجد حتميات سياسة واقعية يهودية تلزمه باختيار كلماته. بلغة انتصار متبجحة، بعد أن قرر مجلس الوزراء الذي يرأسه نتنياهو الأحد بوقف بناء جناح صلاة تعددية دائم ورسمي في الحائط الغربي (خلافا للمنطقة المؤقتة في الوقت الحالي)، صرح ليتسمان بكل فخر: “إن قرار الحكومة تجميد اتفاق الحائط الغربي يبعث برسالة واضحة إلى العالم بأكلمه: لا يوجد ولن يكون هناك للتيار الإصلاحي وصول أو إعتراف في الحائط الغربي”.

بالنسبة للتيار الأرثوذكسي المتشدد، فإن التيارات غير الأرثوذكسية في اليهودية هي من بين ألد الأعداء. لا يشكل اليهود الذين لا يهمهم الأمر تهديدا على تفسيرهم الضيق للغاية لديننا، ومن يدري، قد يتم جرهم إلى هذه النسخة منه. ولكن لليهود الإصلاحيين واليهود المحافظين طرقهم الخاصة بهم لإحياء شعائرهم. أكثر انفتاحا، أكثر مساواة. أكثر تساؤلا. وأكثر تهديدا بكثير. قال أحد أقربائي من التيار الأثوذكسي المتشدد مرة خلال خطاب ألقاه في مناسبة عائلية “على الرغم من أن النازيين واليهود الإصلاحيين حاولوا تدميرنا…”. لم يكن يحاول أن يكون إستفزازيا، وهو ما جعل الأمر أسوا تقريبا. لقد كان يكرر كالببغاء حكمة متلقاة في جزء كبير من مجتمعه.

رئيس الوزراء شخصيا ليس بأرثوذكسي متعصب. ولكن من الناحية السياسية كان واضحا أنه اتخذ قرارا بأن مستقبله يعتمد على الإبقاء على الحزبين الأرثوذكسيين المتشددين في إئتلافه سعيدين.

في نوفمبر 2015 في خطاب ألقاه في واشنطن أمام قيادة الجالية اليهودية في أمريكا الشمالية، حيث ينتمي الملايين هناك إلى اليهودية غير الأرثوذكسية، تعهد نتنياهو: “كرئيس لحكومة إسرائيل، سأعمل دائما على ضمان أن يشعر جميع اليهود في وطنهم في إسرائيل، يهود إصلاحيون، يهود محافظون، يهود أرثوذكس”. على وجه التحديد، قال لآلاف الحاضرين في الجمعية العامة السنوية للإتحادات اليهودية، أنه يأمل بأن تتوصل حكومته قريبا، إلى “تفاهم طال انتظاره يضمن بأن يكون ’الكوتيل’ [الحائط الغربي] مصدرا لوحدة الشعب اليهودي، وليس نقطة انقسام”.

كلماته لاقت تصفيقا حارا في ذلك الحين.

والآن يشعر هؤلاء بأنهم تعرضوا للخداع والخيانة.

يملك حزب ليتسمان، “يهدوت هتوراه”، ستة مقاعد من أصل 120 في الكنيست. الحزب الأرثوكسي المتشدد الثاني، “شاس”، لديه سبعة مقاعد. يوم الأحد، ومن أجل هذه المقاعد الـ -13، وجّه نتنياهو ضربة إلى قلب وروح ملايين اليهود في جميع أنحاء العالم.

إن قراره قصير النظر ومحفوف بالمخاطر على المدى الطويل. بعض منتقديه سارعوا إلى وصف ما قام به بطلاق من يهود الشتات. الأمر لم يصل إلى هذا الحد، لأن الضرر لا يزال قابلا للإصلاح، لكن ذلك بكل تأكيد يدل على وجود مشاكل عميقة في هذا الزواج.

تحتاج إسرائيل إلى أكبر عدد ممكن من الأصدقاء. وعليها القيام بكل ما في وسعها لتجنب تنفير مؤيديها الأساسيين، الذين هم من لحمها ودمها. اليهود غير الأرثوذكسيين، في إسرائيل والعالم، لا يتفقون بشكل قاطع مع كل ما تقوم به الدولة اليهودية، لكن الحجج والعاطفة تعكس تواصل العائلة اليهودية العالمية.

لقد صادف أنني كنت أقوم بإدارة حلقة نقاش شارك فيها أعضاء كنيست صباح الأحد في القدس في الجلسة الافتتاحية للقاء مجلس محافظي الوكالة اليهودية. معظم الحاضرين في الجمهور قضوا معظم حياتهم في فعل كل ما في وسعهم لمساعدة دولة إسرائيل على البقاء والازدهار؛ ينتمي الكثيرون من هذا الجمهور إلى التيار اليهودي غير الأرثوذكسي، ويمثلون الملايين مثلهم. بعد ساعات من ذلك، عندما تم الإعلان عن قرار الحكومة، سأراهن أن معظمهم شعروا بالأسف والغضب – الأسف على الضرر الذي لحق بالوحدة اليهودية التي يجب أن نسعى إلى الحفاظ عليها وتعميقها.

تكتنف الدولة اليهودية تهديدات خارجية. يمكننا وعلينا الدفاع عن أنفسنا منها. لا يمكننا حلها دائما. على أخبار القناة 2 ليلة الأحد، كان الخبر الرئيسي عن الحرب الأهلية السورية، التي تهدد، مرة أخرى، بجر إسرائيل إليها. يوم الجمعة، شاهدنا الملايين من الإيرانيين يسيرون دعما لتدمير إسرائيل. في لبنان في اليوم ذاته، تعهد الأمين العام لحزب الله بأنه في الصراع المقبل الذي سيجرنا إليه سيشارك “مئات الآلاف” من المقاتلين من جميع أنحاء العالم الإسلامي. قبل يومين من ذلك، رفض الزعيم الفلسطيني محمود عباس، الذي نرغب في صنع السلام معه، مرة أخرى الطلب الأمريكي بوقف دفع الرواتب للإرهابيين الذين يقتلون إسرائيليين.

وعلى النقيض من ذلك، علينا أن نكون قادرين على حل التحديات اليهودية الداخلية بأنفسنا. عندما يتعلق الأمر بما يسمى بالإنقسام الأرثوذكسي-العلماني، علينا أن نكون قادرين على إيجاد سبل لضمان إزدهار كلتا المدرستين في الدولة اليهودية، وأن تتم مشاركة الحقوق والواجبات في الدفاع جسديا عن الدولة بشكل منصف. وبالمثل، علينا أن نكون قادرين على حشد الحكمة لإعطاء اليهود جميعهم، أيا كانت صلتهم بديننا المشترك، شعورا حقيقيا بحصتهم في الوطن القومي للشعب اليهودي.

في القلب الروحي والرمزي لهذا الوطن القومي الذي تم إحياؤه من جديد يقف الحائط الغربي. والمفارقة في القرار الإنهزامي الذي تم اتخاذه يوم الأحد هي أن “التسوية” المجمدة حاليا لم تكن تسوية على الإطلاق. فهي لم تؤثر على الترتيبات حول ما يعتقده الناس حول الحائط الغربي، في القسم الذي يصلي فيه الرجال والنساء بشكل منفصل، وحيث هناك سيطرة كاملة للحاخامية الأرثوكسية المتشددة. كانت الفكرة أن يكون لأولئك الذين يرغبون بالصلاة من دون هذه القيود القدرة على القيام بذلك في مكان آخر، على بعد مسافة قصيرة، في جناح تم إعداده بشكل ملائم (على عكس الترتيب المؤقت حاليا) تحت إشراف مشترك لكل التيارات الرئيسية في اليهودية. إنها مسألة عش ودع غيرك يعيش، صلي ودع غيرك يصلي.

لكن حتى الحل السليماني هذا، الذي تم التوصل إليه بعد سنوات من المفاوضات المضنية التي أجراها أشخاص تهمهم مصلحة العالم اليهودي، شكّل هو أيضا كما هو واضح تهديدا على قيادة التيار الأثوذكسي المتشدد. ورئيس الوزراء صاحب الدهاء في شؤون يهود الشتات، في استسلام لمطالبهم ضيقة الأفق ضد تحكيمه الصحيح، أظهر أن للبقاء في منصبه الآن أسبقية حتى على أعمق مشاعر الشعب اليهودي في العالم الذي يطمح إلى قيادته.