يوم الإثنين كان يوما هاما في سجلات الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. لكن بدلا من المنازعات التقليدية التي اعتدنا عليها، سواء العنيفة منها أو الخطابية، شهد هذا اليوم مشاركة الطرفين في ما يُمكن وصفها بحرب دبلوماسية بالوكالة.

على الرغم من أن ذلك يبدو بعيد المنال في الوقت الحالي، يدرك القادة الإسرائيليون والفلسطينيون بأنه سيكون هناك عاجلا أم آجلا فصل آخر من ملحمة عملية السلام، ويوم الإثنين، شهد معركة بينهما حول من سيكون مسؤولا. الإسرائيليون عملوا جاهدين لضمان أن تكون لهم نقطة إنطلاق جيدة عند استئناف المفاوضات، في حين حاول الفلسطينيون ترتيب راع جديد للمحادثات.

في نهاية يوم طويل، يبدو أن إسرائيل ربحت هذه الجولة.

بسبب اعتراف البيت الأبيض في 6 ديسمبر بالقدس عاصمة لإسرائيل، لم يعد الفلسطينيون يقبلون بالإدارة الأمريكية كوسيط نزيه. لكن إسرائيل ما زالت تصر على أن الولايات المتحدة هي الطرف الوحيد التي يمكنها تصور رعايته لمحادثات السلام، وهي تعمل جاهدة على تحبيب نفسها على الإدارة.

يوم الإثنين، سعت كل من رام الله والقدس إلى الدفع بمواقفهما لدى الراعي لكل منهما: رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو استضاف نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس في القدس، واستقبله بحفاوة كبيرة وأمطره بعبارات المحبة والمودة في محاولة لتعزيز موقف واشنطن المؤيد لإسرائيل. في الوقت نفسه، تواجد رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في بروكسل في محاولة لجذب الاتحاد الأوروبي، على أمل أن يقنعه بالتطوع ليحل محل واشنطن كراع رئيسي للعملية السلمية.

وقال عباس، في مؤتمر صحفي مشترك مع وزيرة خارجية الإتحاد الأوروبي، فيديريكا موغيريني، إن “على الإتحاد الأوروبي لعب دور سياسي في عملية السلام في الشرق الأوسط من أجل التوصل إلى حل عادل بالاستناد على شروط وقرارات معترف بها دوليا”.

تصريحاته جاءت في الوقت نفسه تقريبا الذي تحدث فيه بنس من على منصة الكنيست، حيث تعهد بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس قبل نهاية عام 2019.

نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس يلقي كلمة أمام الكنيست في 22 يوليو، 2018. (المتحدث باسم الكنيست)

وقال بنس مباشرة بعد تعهده بشأن السفارة: “تحت قيادة الرئيس ترامب، ستظل الولايات المتحدة ملتزمة تماما بتحقيق سلام دائم بين الإسرائيليين والفلسطينيين”.

هذه التصريحات لم تبهر الفلسطينيين الذين استمروا في استعدائهم للأمريكيين.

في رد على خطاب نائب الرئيس الأمريكي في الكنيست، قال صائب عريقات، المسؤول الكبير في منظمة التحرير الفلسطينية إن “الخطاب المسياني لبنس هو هدية للمتطرفين وأثبت أن الإدارة الأمريكية هي جزء من المشكلة وليست جزءا من الحل”.

في غضون ذلك في بروكسل، حاول عباس إقناع الاتحاد الأوروبي بالإعتراف بالدولة الفلسطينية، لأن من شأن خطوة كهذه، كما قال، الدفع قدما بقضية السلام.

وقال عباس: “إننا حقا نعتبر الإتحاد الأوروبي شريكا وصديقا حقيقيا وبالتالي ندعو الدول الأعضاء فيه إلى الإعتراف بسرعة بدولة فلسطين”.

وزيرة خارجية الاتحاد الاوروبي فيديريكا موغيريني ترحب برئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس قبل قبل ان ينضم الى وزراء خارجية دول الاتحاد ال28 في مقر الاتحاد في مروكسل، 22 يناير 2018 (EMMANUEL DUNAND / AFP)

وبالفعل، يوم الأحد تبين أن سلوفينيا ستعترف على الأرجح ب”دولة فلسطين” في غضون أسابيع قليلة، وبأن ثلاث دول أعضاء أخرى في الاتحاد الأوروبي تدرس الحذو حذوها.

ومع ذلك، فإن آمال عباس بأن يحل الاتحاد الأوروبي محل الولايات المتحدة كراع رئيسي لعملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية – وهو أمر إن حدث سيشكل تغييرا دارماتيكيا لمصلحة الفلسطينيين، حيث أن بروكسل تدعم مواقفهم إلى حد كبير – لن تتحقق على الأرجح. (الاتحاد الأوروبي يتصور دولة فلسطينية على حدود 1967، مع القدس الشرقية عاصمة لها).

أحد الأسباب لذلك هو أن نتنياهو وضح في أكثر من مناسبة أن القدس لن تقبل إلا بالولايات المتحدة كوسيط للسلام – لا روسيا ولا الصين ولا الأمم المتحدة، وبالتأكيد لن تقبل بالاتحاد الأوروبي، الذي يعتبره معاديا لإسرائيل.

يوم الأحد قال لسفراء إسرائيليين: “لا يوجد هناك بديل للقيادة الأمريكية في العملية الدبلوماسية. كل من لا يبد استعدادا للتحدث مع الأمريكيين حول السلام – لا يرغب بالسلام”.

الأوروبيون من جهتهم معنيون بلعب “دور مركزي” في عملية سلام متجددة، كما قالت موغيريني يوم الإثنين، لكنها أقرت أيضا بأن الولايات المتحدة يجب أن تبقى جزءا لا غنى عنه من العملية.

وأضافت أن ما تحتاج إليه العملية هو “إطار عمل متعدد الأطراف” يشمل اللجنة الرباعية للشرق الأوسط – الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والأمم المتحدة وروسيا – بالإضافة إلى “عدد قليل من الدول العربية وربما النرويج”.

وتابعت موغيرني إن “أي جهد لن يجلب الطرفين إلى الطاولة ما لم يشمل إطار العمل الدولي متعدد الأطراف الولايات المتحدة”، وأضافت أن “الولايات المتحدة لوحدها لن تنجح في ذلك، والمجتمع الدولي من دون الولايات المتحدة لن ينجح في ذلك. علينا أن نضافر جهودنا”.

وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني تصل إلى المجلس الأوروبي في بروكسل للمشاركة في جلسة لمجلس الشؤون الخارجية، 22 يناير، 2018. (AFP PHOTO / EMMANUEL DUNAND)

إدرة ترامب، التي تسعى جاهدة من أجل الدفع بهدفها المتمثل في “الاتفاق المثالي”، ستكون سعيدة في الحصول على دعم من الأوروبيين والدول العربية. لطالما راى مسؤولون أمريكيون أن للمجتمع الدولي دور هام في دعم جهودهم.

لهذا السبب أيضا من المتوقع أن يشارك مبعوث ترامب للسلام، جيسون غرينبلات، في 31 يناير في مؤتمر للأطراف المانحة الرئيسية للسلطة الفلسطينية في بروكسل.

وسيشارك أيضا في ما يُسمى باجتماع لجنة الاتصال المخصصة الإستثنائية رئيس حكومة السلطة الفلسطينية رامي الحمد الله، في ما سيكون اللقاء الأول الذي سيجمع مسؤول كبير في السلطة الفلسطينية ومسؤولين من البيت الأبيض منذ إعلان ترامب عن اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل.

سيكون من المثير للاهتمام رؤية ما إذا كانت رام الله ستستغل هذا الاجتماع كفرصة للتراجع عن موقفها والبدء مجددا بالإنخراط بشكل بناء مع واشنطن، أو ما إذا كان عباس سيواصل مقاطعته للإدارة الأمريكية والبحث عن سبل أخرى للدفع بهدفه المتمثل في إقامة دولة.

نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس يظهر في صورة بعد توقيعه على دفتر الزوار في الكنيست في القدس، 22 يناير، 2018. (AFP Photo/ Pool/ Ariel Schalit)

على الرغم من مقاطعة السلطة الفلسطينية له خلال رحلته هذا الأسبوع إلى المنطقة، فإن إحدى رسائل بنس الرئييسية هنا كانت أن باب الإدارة الأمريكية لا يزال مفتوحا أمام عباس.

وقال بنس في الكنيست: “نحض بقوة القيادة الفلسطينية على العودة إلى الطاولة (…) يمكن للسلام أن يأتي فقط من خلال الحوار”.

الترحيب الحار الذي حظي به نائب الرئيس من الإسرائيليين، من جميع ألوان الطيف السياسي تقريبا، يعزز من التحالف الأمريكي الإسرائيلي، ويضع نتنياهو في نقطة انطلاق جيدة إذا ومتى كشفت واشنطن عن مقترح للسلام.

في حين يبدو أن مهمة عباس في تجنيد الأوروبيين كأوصياء جدد للعملية السلمية فشلت إلى حد كبير.