يوما بعد يوم على مدار أسبوع والعد مستمر، تسير القيادة الإسرائيلية في وضعية دجاجة مقطوعة الرأس، غارقة في أزمة حول ما إذا كانت الكنيست ستحل نفسها قبل عام ونصف من الموعد الرسمي وفرض إنتخابات جديدة على مواطني الدولة.

بدلا من قيادة البلاد، على سبيل المثال، يقوم النساء والرجال الذين اختارهم الناخبون للاهتمام بمصالحنا القومية بدلا من ذلك، بالتموضع وإلقاء المواعظ وتهييء أنفسهم في محاولة لضمان بقائهم على كراسيهم في الكنيست عندما يتوقف عزف الموسيقى.

بالاعتماد على تقييماتهم الخاصة بشأن ما الذي يريده الناخبون منهم، صور ساستنا الأزمة على أنها تدور حول كل شيء بدءا من الطريقة التي يؤدي فيها الرجال الحريديم خدمتهم العسكرية وصولا إلى مستقبل الديمقراطية الإسرائيلية.

في الواقع، هذه الأزمة بدأها وأشرف عليها وسيحلها في النهاية رجل واحد ووحيد: بنيامين نتنياهو. وهي تنبع من مشكلة واحدة فقط: جهوده اليائسة لتحسين وضعه السياسي قبل توجيه لوائح اتهام محتملة ضده في تهم فساد في قضية وأحد أو أكثر يُعتبر مشبتها فيها.

نتنياهو، المهتم بشكل لا يدعو للدهشة إلى انقاذ نفسه – ويحظى بدعم واسع في إسرائيل حيث يشعر عدد كبير من الناخبين أن مستقبله السياسي هو أولية قومية قصوى – خلص إلى أن النائب العام قد يتردد في تقديم رئيس وزراء حصل لتوه على تفويض جديد من جمهور الناخبين للمحاكمة. وحتى لو تبين أن نجاحا آخر في الإنتخابات لن يكون كافيا لردع النائب العام من توجيه التهم له، يرى نتنياهو أن زملاءه في الإئتلاف لن يسارعوا إلى الإطاحة به في حال عودته وعودتهم الجديدة إلى السلطة. في انتخابه من جديد، سيكون بإمكانه على الأقل خوض معركته من موقع قوة هائل.

هذا، وهذا فقط، هو ما تدور حوله “الأزمة الإئتلافية”.

مبادرا إلى اختلاق الأزمة في الأسبوع الماضي من العدم تقريبا، استجاب نتنياهو لمطالب شركائه الحريديم في الإئتلاف للدفع بتشريع من شأنه أن يحمي ناخبيهم بصورة أكثر إحكاما من الزامهم بالخدمة الوطنية. بعد ذلك خرج بتهديد يخدم مصلحته الذاتية بالدعوة إلى انتخابات ما لم يتعهد شركاؤه في الإئتلاف بالبقاء معه حتى تصل فترة ولاية الكنيست الحالي إلى نهايتها الرسمية في أواخر 2019. بكلمات أخرى – غير معلنة – ما طلبه من مجموعته الحالية من الحلفاء الذين لا يمكن الثقة بهم هو الالتزام مسبقا بعدم التخلي عنه حتى لو تم توجيه لوائح اتهام ضده ووجود نفسه تحت ضغوط متصاعدة من المعارضة والإعلام وسلطات إنفاذ القانون لتقديم استقالته.

وزير المالية موشيخ كحلون في مؤتمر صحفي في وزارة المالية في القدس، 8 يناير، 2018. (Hadas Parush/Flash90)

في الوقت الذي يتقدم فيه نتنياهو بشكل ثابت بثلاث خطوات عن حلفائه/خصومه في لعبة الشطرنج السياسية، فقد شملت الأزمة حتى الآن حورا داخليا ساخنا في الأروقة الغريبة للقوة الحريدية، تضمنت سوء اتصال بين حكماء دينيين كبار السن عبر أجهزة فاكس.

وتضمنت أيضا قيام وزير المالية موشيه كحلون – الذي قد يكون الشخصية السياسية الإسرائيلية الوحيدة المبنية من أي مادة حقيقية كانت أم خيالية الغير معني في الواقع بأن يكون رئيسا للوزراء – بالتهديد بالانسحاب من الحكومة في حال لم يتم تمرير الميزانية في الأيام القليلة المقبلة.

الأزمة شهدت أيضا قيام وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان – الذي يدرك أن دائرته الإنتخابية الطبيعية آخذة بالتبخر مع تحول المهاجرين الروس إلى إسرائيليين مخضرمين – بالإصرار بعناد على موقفه ضد التشريع المقترح بشأن الإعفاء من الخدمة العسكرية في محاولة للخروج بانجاز سياسي ذي مصادقية لعرضه على ناخبيه المحتملين.

هذه الأزمة شهدت أيضا قيام رئيس حزب “البيت اليهودي” نفتالي بينيت بمهاجمة نتنياهو، والتعهد بالوقوف إلى جانبه، ومهاجته مرة مجددا، خلال محاولته معرفة ما إذا كنا حقا متوجهين إلى صناديق الاقتراع. (في عام 2015، قام نتنياهو  بمهاجمة “البيت اليهودي” بحدة في الأيام التي سبقت الانتخابات من خلال إثارة الذعر في نفوس الناخبين من اليمين المتدين وحضهم على التخلي عن بينيت والتصوبت لحزب “الليكود” مهددا إياهم بأنهم قد يخاطرون بجلوس يتسحاق هرتسوغ، رئيس حزب العمل، في مكتب رئيس الوزراء، في حال لم يصوتوا لحزبه).

وتميزت هذه الأزمة أيضا بالتتبع والتراجع والحسابات وإعادة الحسابات من قبل نتنياهو، الذي يقوم بعد الأصوات في الكنيست لرؤية ما إذا كان بإمكانه هندسة السيناريو الذي يسعى إليه – إجراء إنتخابات بأسرع وقت ممكن (في 26 يونيو على الأرجح)، بدلا من حملة انتخابية أطول قد تمنح النائب العام وقتا أكثر لإستكمال التحقيقات وتوجيه لوائح الاتهام، وتمنح خصومه السياسيين وقتا أطول في محاولة التخطيط لهزيمته الانتخابية. (وقد تسول له نفسه أيضا، في حال تم إنتخابه من جديد، محاولة التسريع في سن قانون مشابه للقانون الفرنسي،  يقضي بمنع التحقيق مع قائد البلاد في فترة ولايته.  تجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن الرؤساء الفرنسيين لا يمكن انتخابهم أكثر من ولايتين رئاسيتين تمتد كل منها إلى مدة خمسة أعوام).

قبل بضعة أيام، كان نتنياهو متلهفا – وكانت الرواية أن إسرائيل بحاجة الى انتخابات جديدة لأنه غير قادر على قيادة حكومة تكون دائما عرضة لابتزاز سياسي لا نهاية له من قبل الأحزاب السياسية الصغيرة. بحلول يوم الأحد، لم يكن متأكدا من جاهزيته – تقارير أشارت إلى تخوفه من قيام قوى في الكنيست بالتآمر ضده لتحديد موعد انتخابات في أواخر 2018 – لذلك تحدث عن ضروة إبقاء حكومته في السلطة لمواصلة عملها المهم من أجل الإسرائيليين.

في الكنيست يوم الإثنين، ناشد زملاءه ظاهريا بعدم إسقاط الحكومة قائلا لهم “لقد تأخر الوقت، ولكن لم يفت الأوان بعد” لمنع الانتخابات. “علينا التصرف بمسؤولية… علينا الاستمرار معا”. ولكن هذه الكلمات، التي أتت من رجل أثار الأزمة وتعهد في الجملة التالية له بأنه “إذا كانت هناك انتخابات… سنفوز”، لم تكن مقنعة.

لا يوجد ما يثير الدهشة في سياسي يحاول إنقاذ نفسه. بالنسبة لرئيس وزراء مقتنع بعدم وجود منافس له عندما يتعلق الأمر بتأمين المصالح القومية لدولة إسرائيل، والذي يصر على أن المحققين هم جزء من مؤامرة خسيسة لتحالف غير محتمل من الحاقدين بما في ذلك الصحافة واليسار والشرطة والنيابة العامة، لا يوجد ما هو طبيعي أكثر من محاولة التحايل على النظام السياسي من أجل البقاء في السلطة.

يواصل الإسرائيليون إخبار منظمي استطلاعات الرأي بأنهم غير معنيين بانتخابات، وهو السبب الذي دفع نتنياهو يوم الإثينن في الكنيست إلى بذل جهد كبير في توجيه اللوم إلى الآخرين في فرض الانتخابات التي سعى إليها.  ولكن الإسرائيليين يقولون بشكل واضح أيضا أن نتنياهو حتى الآن هو الخيار الأكثر شعبية لمنصب رئيس الوزراء – بنسبة 36% بحسب استطلاع رأي لشبكة “حداشوت” الإخبارية مساء الإثنين، في حين حل لابيد بعيدا في المركز الثاني مع 12%. في الأشهر الأخيرة، ساعد النهج الذي اتبعه نتنياهو باعتبار نفسه “ضحية” حزب “الليكود” بكسب التأييد في استطلاعات الرأي بشكل ثابت. استطلاع الرأي الذي نشرته “حداشوت” يوم الإثنين توقع ل”الليكود” الفوز ب30 مقعدا – وهو بالضبط عدد المقاعد الذي فاز فيه في 2015، وأفضل نتيجة له حتى الآن في استطلاعات الرأي منذ ذلك الحين – ما يضعه في وضعية مريحة لتشكيل إئتلاف جديد. (الإستطلاع توقع أيضا أن حزب ليبرمان، “إسرائيل بيتنا”، والحزب الحريدي “شاس” يواجهان خطر الإختفاء تماما).

إن إخبار الإسرائيليين ببساطة وبشكل مباشره أنه يفكر في اللجوء إلى انتخابات مبكرة – التي ستكون في الأساس إستفتاء إنتخابيا على ملاءمته للمنصب – لتعزيز موقعه بشكل أكبر سيساعد نتنياهو أكثر على الأرجح. فبعد كل شيء، هذا تماما ما يريده منه الجزء الأكبر من الناخبين.

ألن يكون من المنعش لو جاء وقال ببساطة: إخوتي الإسرائيليين، أنا أبذا جهدي لأمنح نفسي فرصة أفضل في التغلب على جميع أعدائي  والتمسك بالسلطة وتجنب الملاحقة القضائية والبقاء خارج السجن.

هناك شيء واحد أكيد: إن تصوير هذه “الأزمة الإئتلافية” على أنها أي شيء آخر عكس ذلك هي إهانة للناخبين.