مكسيكو سيتي – بعد دقائق من هبوطه في كولومبيا يوم الأربعاء، قبل مغادرة المطار، تحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام تجمع صغير للقادة اليهود والمسيحيين الانجيليين الداعمين لإسرائيل.

وافتتح تصريحاته مشيرا إلى أن العديد من الشباب الإسرائيليين، بعد انهائهم الخدمة في الجيش، يتجولون في امريكا الجنوبية. “هذه رحلتي ما بعد الجيش لأمريكا الجنوبية”، قال.

وكرر نتنياهو الذي وصل إلى بوغوتا بعد يومين مليئين بالأحداث في بوينس ايرس هذه النكتة عدة مرات خلال الأسبوع. كانت هذه استعارة ملائمة لوصف جولته في أمريكا اللاتينية – أول زيارة لرئيس وزراء إسرائيلي. (كان نتنياهو في بوغوتا لفترة وجيزة قبل 30 عاما، عندما كان سفيرا لإسرائيل لدى الأمم المتحدة).

ويمكن تفسير رحلة نتنياهو ومدتها أربعة أيام إلى الأرجنتين وكولومبيا والمكسيك، على أنها الى حد ما بنفس الروح التي يتمتع بها الإسرائيليون الذين يتوجهون إلى أمريكا اللاتينية وآسيا وغيرها من الأماكن البعيدة، بعد الخدمة العسكرية وصدماتها ، للإستكشاف والإسترخاء.

بالنسبة لنتنياهو، الذي تحاصره تحقيقات فساد وغيرها من المواضيع في البلاد، كانت رحلة أمريكا اللاتينية فرصة له للإبتعاد عن مشاكله.

وتحدث إلى الصحافة المسافرة معه عدة مرات خلال الرحلة، ولكن كلما سأله الصحفيون عن مشكلته أو مشكلة زوجته، أو مشاركات ابنه يئير المثيرة للجدل عبر فيسبوك، أنهى المحادثة على الفور وسار بعيدا.

بالإمكان تسمية ذلك هروبا دبلوماسيا.

يتحدث رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مع الرئيس المكسيكي إنريكي بينا نيتو في مقر الاقامة في لوس بينوس في مكسيكو سيتي في 14 سبتمبر 2017. (Alfredo Estrella/AFP)

يتحدث رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مع الرئيس المكسيكي إنريكي بينا نيتو في مقر الاقامة في لوس بينوس في مكسيكو سيتي في 14 سبتمبر 2017. (Alfredo Estrella/AFP)

ومثلما يفعل تقريبا في جميع رحلاته في الخارج، في أمريكا اللاتينية – وهي قارة أهملتها السياسة الخارجية الإسرائيلية منذ فترة طويلة – ركز نتنياهو على القضايا التي تخدم نقاط قوته: الظهور مع القادة الأجانب وتعزيز براعة إسرائيل في مجال التكنولوجيا العالية والأمن.

في جميع الدول، وفي كل الإجتماعات، أشاد بأن اسرائيل هي “دولة ابتكارية” لديها الكثير لتقدمه للعالم في مجالات الزراعة، تكنولوجيا المياه، أمن السايبر، والعديد من المجالات الأخرى.

“يمكننا أن نجعل الهواء أنظف عندنا، والماء أكثر أمانا للشرب، ونحن ننتج المزيد من الحليب – وهذا في الواقع ما تفعله إسرائيل أفضل من أي بلد في العالم. يمكننا حصاد المحاصيل بطرق لا يمكن تصورها، يمكننا تغذية الماشية بطرق اقتصادية اكثر وتحقيق نتائج أفضل، يمكننا تغيير صحة سكاننا من خلال الصحة الرقمية، يمكننا قيادة سياراتنا بشكل اكثر امانا، مع عدد أقل من الحوادث”، قال أثناء اجتماعه مع الرئيس الأرجنتيني موريسيو ماكري.

وقال خلال ظهوره في بوغوتا مجددا في لقاء مع الرئيس الكولومبي خوان مانويل سانتوس: “يمكننا ان نفعل الكثير بواسطة القليل (…) نعتقد أننا نستطيع أن نفعل الكثير هنا، أكثر بكثير معا”.

يبتسم رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو والرئيس الكولومبي خوان مانويل سانتوس خلال مراسم التوقيع على اتفاقات في قصر نارينو في بوغوتا في 13 سبتمبر 2017. (Raul Arboleda/AFP)

يبتسم رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو والرئيس الكولومبي خوان مانويل سانتوس خلال مراسم التوقيع على اتفاقات في قصر نارينو في بوغوتا في 13 سبتمبر 2017. (Raul Arboleda/AFP)

ولكن ليس فقط الإقتصاد. تواصل نتنياهو الدبلوماسي مع أمريكا اللاتينية (وغيرها من المناطق المهملة منذ فترة طويلة) اعتمد أيضا حقيقة أن الدولة اليهودية تشتهر بخبرتها الأمنية. رغبة في هذه الخبرة، فإن دول العالم – بما في ذلك معظم الدول العربية، أكد مرارا وتكرارا – تتعاون بكل حماس مع إسرائيل في هذا المجال، ولديها الرغبة في نسيان الخلافات السابقة حول القضية الفلسطينية لمجرد أن تكون على علاقة جيدة مع إسرائيل. على الأقل هذا ما يقوله نتنياهو.

إن زعماء أمريكا اللاتينية الذين يشعرون بالقلق ازاء الخلايا الإرهابية المدعومة من ايران، وتأثير فنزويلا السلبي على المنطقة، يهتمون أيضا برفع مستوى علاقاتهم العسكرية والإستخباراتية مع اسرائيل.

وقال نتنياهو يوم الإثنين من مكان تفجيرات المركز اليهودي في بوينس آيرس عام 1994 أن “اسرائيل تقود الكفاح ضد الإرهاب العالمي، وستواصل العمل بحزم وبطرق مختلفة للدفاع عن نفسها ضد العدوان والإرهاب الايراني، والارهاب بشكل عام (…) سنفعل ذلك مع شركائنا هنا في امريكا الجنوبية”.

جنوب نهر ريو غراندي، يبدو غالبا أنه لا أحد يهتم كثيرا بحل الدولتين أو مستوطنات الضفة الغربية. في العديد من مناسبات ظهوره العلنية مع مختلف مضيفيه على مدار الأسبوع، لم يذكر الفلسطينيين بتاتا.

في اجتماعه المغلق مع الرئيس المكسيكي انريكي بينا نييتو، كان نتنياهو نفسه هو الذي أثار هذا الموضوع، قائلا للصحفيين بعد الإجتماع: “لم تتم إثارة الموضوع. أنا بادرت بذلك”. مضيفا أنه ألقى محاضرة قصيرة حول الأسباب التي يعتقد انها حقيقية لإستمرار الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وقال ان نيتو ومساعديه ذهلوا من خلال عرضه حول قدرة اسرائيل التي ترغب فى السلام الدائم.

وقد بدأت دول أمريكا اللاتينية في تغيير أنماط تصويتها التقليدية المؤيدة للفلسطينيين في المنظمات الدولية، وستستمر هذه العملية في السنوات المقبلة، قال نتنياهو.

وقال: “لقد فوجئت فعلا من هامشية الإنتقاد في وسائل الإعلام”، مشيرا إلى أنه قد تم تحذير مضيفيه من أن الترحيب برئيس الوزراء الإسرائيلي قد يكلفهم خسارة التعاطف الشعبي. “إن القادة أنفسهم هم أفضل معيار – انهم يفهمون أنه ليس لديهم مشكلة في هذا التبني العام لإسرائيل، ويفهمون أن لذلك فوائد أيضا. هناك الكثير من التعاطف”.

والواقع أنه في قارة التي كانت لها علاقة معقدة بالدولة اليهودية، تم الترحيب برئيس الوزراء ووفده بحرارة شديدة. لم تكن هناك احتجاجات معادية لنتنياهو، وركزت الصحف المحلية عموما تقاريرها على الجوانب الإقتصادية لزيارته.

رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو يجتمع بالرئيس الارجنتينى موريسيو ماكري في قصر سان مارتن في بوينس ايرس بالارجنتين خلال زيارته الرسمية للدولة. 12 سبتمبر 2017. (Avi Ohayon / Government Press Office)

رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو يجتمع بالرئيس الارجنتينى موريسيو ماكري في قصر سان مارتن في بوينس ايرس بالارجنتين خلال زيارته الرسمية للدولة. 12 سبتمبر 2017. (Avi Ohayon / Government Press Office)

وحتى في المكسيك التي غضبت في وقت سابق من هذا العام على تغريد نتنياهو عبر تويتر والذي أشاد بخطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لبناء جدار حدودي، تم استقباله كرجل دولة كبير جاء لتعزيز التجارة الثنائية. ذكرت بعض الصحف التغريدة المثيرة للجدل، والبعض الآخر لم يفعل ذلك. خلال الخطب الطويلة في حدث استضافته الخميس الجالية اليهودية المكسيكية، لم تتم اثارة الحادث الذي اثار موجة من معاداة السامية في ذلك الوقت.

الرئيس دونالد ترامب ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في مطار بن غوريون في 23 مايو 2017، في نهاية زيارة ترامب لإسرائيل. (Coby Gideon / GPO)

الرئيس دونالد ترامب ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في مطار بن غوريون في 23 مايو 2017، في نهاية زيارة ترامب لإسرائيل. (Coby Gideon / GPO)

وفي نيويورك أيضا، المحطة الأخيرة في جولته التي ستستمر 10 أيام، بإمكان نتنياهو أن يتطلع الى ترحيب ودّي. من المتوقع أن يبحث خلال اجتماعه مع ترامب يوم الإثنين بعض القضايا الشائكة وهي عملية السلام، مستقبل الإتفاق الإيراني، والتصدي للقوات الشيعية على الحدود الشمالية لاسرائيل. ولكن الجزء العام من الزيارة، على الأقل، مضمون للتعبير عن الإعجاب والتقدير المتبادلين.

ومن الأحداث المهمة الأخرى، هو خطاب رئيس الوزراء أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الثلاثاء. نتنياهو يعرف أنه متكلم فعال، ويستمتع في الأوسمة التي من المؤكد أن يتلقاها من أنصاره حول العالم.

وسيتوجه نتنياهو من ترتل باي في نيويورك الى المطار ليعود الى القدس في الوقت المناسب لرأس السنة اليهودية الجديدة التي تبدأ يوم الأربعاء.

ومع ذلك، على الرغم من زياراته الناجحة في أمريكا اللاتينية وأمريكا الشمالية، سوف يجد أن مشاكله الداخلية كلها لا تزال قائمة.