مع رفض المحكمة المركزية في القدس يوم الأربعاء طلب بنيامين نتنياهو عدم حضور بدء محاكمته بتهم فساد، سيشكل يوم الأحد رسميا سابقة جديدة لإسرائيل: رئيس وزراء حالي في قفص الاتهام كمتهم جنائي.

كتب القضاة الثلاثة الذين من المقرر أن يشرفوا على المحاكمة في حكمهم، “تنص القاعدة على أن يكون المدعى عليه حاضرا لتلاوة [لائحة الاتهام]، وهذه هي بداية المحاكمة. هذا هو الحال في كل محاكمة جنائية، وكذلك في الإجراءات الجنائية الحالية”.

وأضاف القضاة في رد على طلب نتنياهو عدم حضور الجلسة الافتتاحية لمحاكمته، التي كان من المقرر في الأصل أن تبدأ في 17 مارس، ولكن تم تأجيلها لشهرين بعد أن أعلن وزير العدل حينذاك، أمير أوحانا، عن “حالة طوارئ” في جهاز القضاء الإسرائيلي بسبب جائحة فيروس كورونا، “لم نجد في التفسيرات التي قدمها مقدم الالتماس ما يبرر استثناء لهذه القاعدة”.

قبل أسبوع واحد من المحاكمة فقط، أدت حكومة نتنياهو الجديدة اليمين القانونية، منهية أزمة سياسية استمرت لـ 508 أيام حكمت خلالها البلاد حكومة انتقالية وشهدت ثلاث جولات انتخابية متتالية. ومن المرجح أن يبقى نتنياهو، الذي يتواجد في الحكم منذ أكثر من عشر سنوات، رئيسا للوزراء لـ 18 شهرا إضافيا على الأقل، في الوقت الذي سيواجه فيه تهم الفساد ضده.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو خلال جولة في مقر شرطة القدس في المجمع الروسي في القدس، 7 أكتوبر / تشرين الأول 2015. (GPO)

جلسة الأحد، التي سيقرأ فيها القضاة الثلاثة – ريبيكا فريدمان فيلدمان وموشيه بار-عام وعوديد شاهام – لائحة الاتهام ضد رئيس الوزراء وثلاثة متهمين آخرين – شاؤول وإيريس إلوفيتش وأرنون موزيس – تتطلب حضور نتنياهو، كما قال القضاة، وذلك للتأكد من أنه يفهم التهم الموجهة إليه بشكل صحيح.

لكن في حين رفض القضاة رفضا صريحا حجج نتنياهو بعدم الحضور – بما في ذلك الادعاء بأن العدد الكبير من حراس الأمن المرافقين له ينتهك المبادئ التوجيهية لوزارة الصحة التي تحد من عدد الأشخاص في قاعة المحكمة، كجزء من التدابير لاحتواء فيروس كورونا – فإن القرار لا يعني أنه سيكون لرئيس الوزراء حضور عادي في قفص الاتهام.

رئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت، الذي خضع لمحاكمة جنائية كاملة بعد أن ترك منصبه، نادرا ما أظهر وجهه في قاعة المحكمة. وقد ظهر فقط في افتتاح المحاكمة ، وخلال ملخصات النيابة والدفاع ، وعندما أدلى بشهادته أو تم استجوابه، ولجلسات صدور الحكم والنطق بالحكم.

ومن المتوقع أن يحاول نتنياهو وفريقه الدفاع إبعاد رئيس الوزراء عن قاعة المحكمة لأطول فترة ممكنة من المحاكمة. ولكن يوم الأحد، أكدت مصادر مقربة من رئيس الوزراء أن نتنياهو سيحضر بالفعل الجلسة، امتثالا لحكم القضاة.

التهم والمتهمون

يمثل نتنياهو للمحاكمة في سبع تهم جنائية منفصلة: الرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة في القضية 4000، والاحتيال وخيانة الأمانة في القضيتين 1000 و2000.

في القضية 4000، التي يُنظر إليها على نطاق واسع على أنها الأكثر خطورة ضد رئيس الوزراء، نتنياهو متهم بالدفع بقرارات تنظيمية عادت بالفائدة على شاؤول إلوفيتش، المساهم المسيطر في عملاق الاتصالات “بيزك”، في مقابل الحصول على تغطية إيجابية من موقع “واللا” الإخباري المملوك لشركة إلوفيتش. في هذه الحالة، يمثل كل من نتنياهو وإيلوفيتش للمحاكمة بتهمة الرشوة.

شاؤول إلوفيتش يصل إلى جلسة للبت في طلب تمديد اعتقاله في القضية 4000 في محكمة الصلح في تل أبيب، 26 فبراير، 2018. (Flash90)

تقول لائحة الاتهام، التي أصدرتها النيابة العامة في شهر نوفمبر، إن العلاقة بين نتنياهو وإلوفيتش “كانت مبنية على الأخذ والعطاء”، وأن إلوفيتش استفاد من الخطوات التي اتخذها رئيس الوزراء، والتي حققت لرجل الأعمال أرباحا بلغت قيمتها نحو 1.8 مليار شيكل (500 مليون دولار) في الفترة ما بين 2012-2015. في المقابل، قام موقع “واللا” التابع لإلوفيتش ب”نشر رسائل [نتنياهو] السياسية التي كان يرغب بنقلها إلى الجمهور”.

ويقول ممثلو الإدعاء إن “[نتنياهو] حقق منافع… بينما كان يعلم أنه يتلقى رشوة كموظف حكومي في مقابل أفعال تتعلق بمنصبه”.

أفعال رئيس الوزراء، كما كتبت النيابة العامة، “تم تنفيذها وسط تضارب في المصالح، والتفكير في اعتبارات خارجية تتعلق بمصالحه ومصالح عائلته، واشتملت على إفساد الموظفين الحكوميين المسؤولين أمامه”.

في القضية 1000، التي تتعلق باتهامات بأن نتنياهو تلقى هدايا ومزايا من رجال أعمال، من بينهم المنتج الهوليوودي الإسرائيلي الأصل أرنون ميلشان، في مقابل تقديم خدمات، نتنياهو متهم بالاحتيال وخيانة الأمانة، وهي جريمة تعريفها مبهم إلى حد ما وتتعلق بمسؤول ينتهك الثقة التي وضعها الجمهور فيه.

وبحسب لائحة الاتهام في تلك القضية، فإن نتنياهو “أضر بصورة الخدمة العامة وثقة الجمهور بها، وذلك أثناء خدمته في المناصب العامة، وقبل كل شيء كرئيس للوزراء … حيث حافظ لسنوات على علاقة غير لائقة مع مليارديرات”.

ناشر ومالك صيحفة ’يديعوت أحرونوت’، أرنون ’نوني’ موزيس، يصل إلى مكاتب وحدة التحقيق ’لاهف 433’ في اللد، 17 يناير، 2017. (Roy Alima/Flash90)

في القضية 2000، التي تتعلق باتفاق بين نتنياهو وناشر صحيفة “يديعوت أحرونوت”، أرنون موزيس، لإضعاف انتشار صحيفة منافسة في مقابل الحصول على تغطية ودية من يديعوت، يواجه رئيس الوزراء تهمتي الاحتيال وخيانة الأمانة، في حين يواجه موزيس تهمة الرشوة.

بحسب لائحة الاتهام، فإن نتنياهو وموزيس “أدركا أن أحدهما لديه القدرة على تعزيز مصلحة الآخر” في الفترة التي سبقت انتخابات 2015 وناقشا مثل هذه الاحتمالات.

وكتب ممثلو الادعاء، “وفقا للشكوك، في أفعالك أثناء أداء واجباتك، ارتكبت أفعالا ترقى إلى مستوى خيانة الأمانة، وتسببت في ضرر بالغ لنزاهة [المنصب] وثقة الجمهور”.

الجلسة الافتتاحية والمحاكمة الكاملة

الجلسة الافتتاحية، التي تبدأ الساعة الثالثة بعد ظهر يوم الأحد، تُدعى “القراءة” وعادة ما تتضمن التوضيح مع محامي المتهم ما إذا كان موكلهم قد قرأ لائحة الاتهام وفهمها، وردهم على الاتهامات. ومن ثم، إذا لم يكن هناك المزيد من الأمور الأولية للتعامل معها، سيبدأ الجانبان بتقديم الحجج لتحديد متى تبدأ مرحلة تقديم الأدلة، والمعروفة باسم “مرحلة الإثبات”.

وبينما ستتدفق وسائل الإعلام المحلية والعالمية على حد سواء إلى المحكمة المركزية في شارع صلاح الدين في القدس، مقابل وزارة العدل – لدرجة أن المحكمة ستقوم ببث الجلسة إلى عدة غرف مجاورة ستكون مكتظة بالصحافيين – فمن المتوقع أن تكون الجلسة تقنية بالكامل.

القضاة من اليسار إلى اليمين: موشيه بار-عام وريبيكا فريدمان فلدمان وعوديد شاهام. (وزارة العدل)

وسيُسأل محامو الدفاع عما إذا كان المتهمون قد قرأوا لوائح الاتهام وما هي ردودهم على التهم – نفي التهم أو الاعتراف بالذنب. سيؤدي “الإقرار بالذنب” إلى صدور حكم فوري بإدانة المتهم بالتهم، في حين أن نفي التهم، كما هو متوقع من المتهمين الثلاثة، سيسمح للمحاكمة الكاملة بالمضي قدما كما هو مخطط لها.

حتى الآن ينفي نتنياهو التهم الموجهة ضده ويزعم أنه ضحية لمحاولة “انقلاب سياسي” بمشاركة المعارضة ووسائل الإعلام والشرطة والنيابة العامة.

يوم الأربعاء، بعد وقت قصير من صدور قرار القضاة الذي يلزمه بحضور الجلسة الافتتاحية، نشر نتنياهو على “تويتر” رابطين لمقالين في صحيفة “يسرائيل هيوم” ينتقدان بشدة النائب العام الذي قدم لوائح الاتهام ضده. أحد المقالين يزعم أن النيابة العامة خدعت رئيس الوزراء، والمقال الثاني يدعو النائب العام أفيحاي ماندلبليت إلى نشر التسجيلات من قضية “هرباز” المثيرة للجدل أو تقديم استقالته.

على الرغم من أنه ليس هناك شك في أن نتنياهو سينفي في نهاية المطاف التهم ضده ويسعى إلى محاكمة كاملة، إلا أنه من غير المتوقع أن يرد محامو الدفاع على الاتهامات يوم الأحد، كما قالت مصادر قانونية ل”تايمز أوف إسرائيل”.

المحامي عميت حداد خلال جلسة في المحكمة المركزية في تل أبيب، 5 فبراير، 2020.(Miriam Alster/Flash90 )

من المرجح أن يجادل المحامون عميت حداد (الذي يمثل نتنياهو) وجاك حين (الذي يمثل الزوجين إلوفيتش) ونويات نيغيف (التي تمثل موزيس) بدلا من ذلك بأنهم لن يتمكنوا من الرد على الاتهامات حتى حصولهم على “التحقيق الكامل”. بعد ذلك، سيبدأ نقاش حول مسألة مادة التحقيق وما الذي يجب تقديمه للمتهمين مسبقا.

وتقول المصادر القانونية إن الدفاع سيجادل بأن كل محادثة داخلية أو مذكرة بين مكتب المدعي العام وفريق التحقيق هي جزء من مادة التحقيق التي يحق لمحامي الدفاع استلامها.

ستجادل الدولة – التي تمثلها ممثلة الإدعاء ليئات بن آري – في أن هذه الوثائق هي سجلات داخلية.

سيتعين على المحكمة اتخاذ قرار بشأن ذلك في الإجراءات الأولية، قبل مرحلة الإثبات.

ليئات بن آري، المدعية العامة للواء تل أبيب. (وزارة العدل)

يوم الأربعاء، أعلنت وزارة العدل، بناء على توصية من الشرطة، أنها تعتزم تعيبين حماية شخصية لنائبة المدعي العام بن آري. كما تدرس الوزارة إمكانية السماح لبن آري بدخول جلسة الأحد باستخدام المدخل الذي يستخدمه القضاة من أجل ضمان سلامتها بشكل أفضل.

وفقا لمصادر قانونية، من المرجح أن يمنح القضاة للدفاع مدة ما بين ستة إلى ثمانية أشهر لدراسة جميع المواد – وبناء على ذلك ، سيتم تحديد المواعيد النهائية لتقديم الأدلة للسنة التالية للمحكمة.

وبعد ذلك، مع وجود 333 شاهد ادعاء مدرجين في لائحة الاتهام، بما في ذلك شخصيات تتضمن المقربين من نتنياهو، وقادة أمن إسرائيليين، وساسة وصحافيين، سيبدأ السيرك الحقيقي.

ساهم في هذا التقرير طاقم تايمز أوف إسرائيل.