في وقت مبكر من صباح 10 أبريل، في ساعات الفجر الأولى بعد إغلاق صناديق الاقتراع في الانتخابات السابقة، ألقى كل من بنيامين نتنياهو وبيني غانتس خطابي نصر لمناصريهم المنتشين، وتبين أن كلاهما استبق الأحداث. الناخبون الإسرائيليون، كما أظهرت النتائج الحقيقية بعد وقت قصير، لم يمنحوا غانتس فرصة واقعية لتشكيل إئتلاف حكومي. ونتنياهو، الذي آمن بصدق بعد أسابيع من يوم الانتخابات بأنه سيتمكن من حشد الأغلبية المطلوبة، انتهى به الأمر بتخلي حليفة السابق الذي تحول إلى عدوه المرير، أفيغدور ليبرمان، عنه.

في وقت مبكر من صباح 17 سبتمبر، في ساعات الفجر الأولى بعد إغلاق صناديق الاقتراع في الانتخابات المعادة، ألقى نتنياهو وغانتس خطابين أمام مناصريهم، لكن أيا منهم لم يعلن النصر هذه المرة. من الواضح أنه تم استخلاص العبر. وبالفعل، نظرة سريعة على نتائج الانتخابات المتوقعة لم تمنح أي قائد منهما سببا محددا للاحتفال. تبين أن كلا الحزبين، “الليكود” و”أزرق أبيض”، خسرا القليل من وزنهما في الكنيست.

ومع ذلك، في الوقت الذي كان فيه نتنياهو المبحوح والمنهك وخائب الأمل يعاني بشكل جلي في خطابه – وواجه أمامه، من بين كل الأمور، أحد مؤيديه الذي قام بمقاطعته بشكل متواصل مع عبارات عبر فيها عن حبه لرئيس الوزراء ولزوجته والجهود التي بذلاها من أجل دولة إسرائيل – فإن غانتس والقادة الآخرين في حزبه وأتباعهم كانوا في مزاج احتفالي. في حين ان نتنياهو بذل قصارى جهده لطمأنة الجمهور بأنه لن يذهب إلى أي مكان، وبأنه سيستمر في حماية إسرائيل، وأنه مصمم على عرقلة حكومة مناهضة للصهيونية تعتمد على دعم الأحزاب العربية، ثبت غانتز نظره بحذر نحو كرسي رئاسة الحكومة.

ما الذي أراده الشعب؟

لقد ترك الناخبون الإسرائيليون – الذين تبين أنهم أي شيء ما عدا كونهم غير مبالين بجولة ثانية من الانتخابات في غضون 5 أشهر – الذين صوتوا لتسعة أحزاب ذات أجندات متنوعة بشكل كبير لدخول كنيست تضم 120 عضوا، للسياسيين مجموعة مذهلة من الخيارات، وطريقا واضح نحو حكومتنا المقبلة. تحدث كل من نتنياهو وغانتس عن الوحدة، وشراكة تحت سيطرة حزبيهما ستضمن لهما بسهولة أغلبية في الكنيست، ولكن أيا منهما لم يذكر اسم الآخر. في الأيام التي سبقت يوم الإنتخابات، وضح غانتس أنه لن يجلس في حكومة مع الليكود بقيادة نتنياهو، الذي يواجه تقديم لوائح اتهام وشيك ضده بتهم فساد. في حين انتقد نتنياهو غانتس بلا هوادة باعتباره يساريا ضعيفا ستكون إسرائيل تحت قيادته في خطر.

في حين أن الشراكة بين أزرق أبيض والليكود تبدو واضحة عدديا، سيكون من الخطأ التأكيد على أن هذه هي إرادة الشعب. بالأحرى، تكلم الناخبون الإسرائيليون بأصوات عديدة، وعكسوا أولويات واهتمامات واسعة ومتضاربة في كثير من الأحيان.

الراعي الكذاب

يبدو أن الأحزاب العربية، وهي أربعة كتل سياسية مختلفة تماما خاضت الانتخابات معا في تحالف “القائمة المشتركة”، حققت نتائج استثنائية في هذه الإنتخابات. ويبدو أن محاولات نتنياهو في السنوات الأخيرة مهاجمة الناخبين العرب وقيادتهم وقمع تصويتهم من خلال نشر مراقبين تابعين لحزبه مع كاميرات في مراكز الاقتراع العربية، ارتدت عليه بنتائج عكسية وبشكل مذهل.

نجله يائير كان حريصا وبصورة غير نزيهة على إثارة المخاوف من إقبال كبير للناخبين العرب على التصويت الثلاثاء لدرجة أنه قام بنشر صورة تظهر صفوفا طويلة للناخبين العرب… في تركيا. من الواضح أنه لم يخطر ببال نجل رئيس الوزراء أنه قد تكون هناك صفوف طويلة للناخبين العرب، صفوف طويلة حقيقية، للناخبين العرب، عند مراكز الاقتراع في إسرائيل. فيما يتعلق بالوسط العربي، تبين أن يائير وبنيامين نتنياهو، مع حديثهما اللاذع ضد جماعات العرب المتدفقة الى صناديق الإقتراع، هما “الراعي الكذاب”.

السياسة الإسرائيلية تمقت الفراغ

ويبدو أيضا أن الوسط الحريدي – الذي استهدفه ليبرمان بشكل مباشر – حقق أيضا نتائج طيبة. أن تكون هدفا لهجمات يصنع لك المعجزات كما يبدو.

وبالنسبة لليبرمان نفسه، فإن الرهان على حرمان نتنياهو من الإئتلاف الحكومي آخر مرة قد أتى بثماره وبشكل كبير. قاهر الملوك في أبريل أصبح يتمتع بقوة أكبر.

الأحزاب الحريدية اعتادت على الحفاظ على التوازن بين اليسار واليمين، لكن حزبي “شاس” و”يهدوت هتوراة” ربطا مصيرهما تماما بنتنياهو. من الواضح أن السياسة الإسرائيلية تمقت الفراغ، وليبرمان قام بملئ هذا الفراغ.

غير متأثرين بيأس رئيس الوزراء

الأمر الأكثر إثارة للدهشة بالطبع هو تراجع قوة الليكود، حيث انخفض عدد مقاعده بعد مقاعدة من المقاعد 35+4 (كولانو) التي فاز بها في المرة الأخيرة.

خاض نتنياهو حملة يائسة، أكد فيها مرارا وتكرار على أنه يتجه نحو هزيمة. ولكنه لطالما أكد على أنه متجه نحو هزيمة، وصرخة ال”غيفالت” كانت هذه المرة غير مقنعة بشكل واضح، أو غير مؤثرة، لحشد ما يكفي من الناخبين من أجل قضيته.

لقد وعد الحركة الاستيطانية بكوكب الأرض – أو بالتحديد ضم 25% من الضفة الغربية في منطقة غور الأردن وجميع المستوطنات و”مناطق حيوية” أخرى لم يحددها. ومع ذلك شهد الليكود تراجعا في التأييد له، والنتائج التي حققها تحالف “يمينا” المؤيد للاستيطان كانت ضعيفة.

واستولى على وسائل إعلام متساهلة على الرغم من مهاجمته له، وفاز بوقت بث غير متكافئ على وسائل إعلام يُفترض أن تكون مستقلة مثل القناة 12 وإذاعة الجيش، واستعطف المشاهدين قائلا “صوتوا لليكود”، وهو ما لم يفعله الكثيرون منهم.

كما يبدو بعد اجراء جميع الحسابات المحتملة، لم يقتنع الكثير من الناخبين أن إسرائيل ستضيع بدون نتنياهو على رأسها بعد عشر سنوات متعاقبة في المنصب وثلاث سنوات أخرى في التسعينيات.

ابعاد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن المنصة خلال حدث انتخابي في أشدود بسبب انطلاق صفارات الإنذار منذرة بهجوم صاروخي من غزة، 10 سبتمبر، 2019. (Screenshot: Twitter)

وعلى ما يبدو، بعد دراسة جميع التحالفات والتحالفات المحتملة، لم يقتنع عدد كاف من الإسرائيليين بأن إسرائيل ستكون ضعيفة أكثر أمام أعدائها الوجوديين تحت قيادة تشمل رؤساء الأركان السابقين غانتس وموشيه يعالون وغابي أشكنازي. ويتساءل المرء ما إذا كان مشهد إنزال نتنياهو عن المنصة في الأسبوع الماضي خلال تجمع انتخابي في مدينة أشدود بعد إطلاق صواريخ من غزة – اضطر “السيد أمن” إلى دخول الملجأ – لعبت دورا في ذلك.

لقطة شاشة من مقطع فيديو لزعيم حزب ’أزرق أبيض’، عضو الكنيست بيني غانتس، خلال مقابلة أجرتها معه القناة 12، 14 سبتمبر، 2019. (Channel 12)

ويبدو أن عزوف غانتس عن خوض معركة قذرة خلال حملته الانتخابية، وعلاقته التقليدية بالمايكروفون، وتردده وعدم ارتياحه في استديوهات القنوات التلفزيونية، وزلات لسانه العرضية، لم تقضي على حياته السياسية. (إحدى المقابلات التلفزيونية معه بدأت بهذا الشكل: المحاورة: “كيف حالك؟”؛ غانتس: “اسمي جيد”).

وكما يبدو، عندما يتم أخذ كل التباينات في الاعتبار، سعى عدد كاف من الإسرائليين إلى وئام داخلي أكبر وهجمات أقل بقيادة نتنياهو على اليسار والعرب والإعلام والشرطة والنيابة العامة والقضاة.

لم تعلن إنتخابات الثلاثاء وجود تأييد بأغلبية ساحقة لرئيس الوزراء غانتس. ولكن، خلاصة القول هي إن نتائجها أشارت إلى أن الإسرائيليين غير قلقين من فكرة الحياة السياسية من بعده.

الكثير من الخيارات، وأي منها لا يبدو جيدا

خطاب نتنياهو في ساعات فجر الأربعاء لم يكن خطاب نصر ولا خطاب إعلان خسارة. لقد كان إجراء مؤقتا مع انتظاره للنتائج النهائية والتفكير في خطواته التالية.

هل عليه السعي للطعن في النتائح بدعوى أن تزوير الأصوات في الوسط العربي الذي حذر منه حصل، كما حذر؟ أم ان عليه الإعلان عن أخذ استراحة، وهو ما يحث غانتس على فعله منذ مدة طويلة، لمواجهة التهم القانونية ضده، بهدف إثبات براءته وأن يقوم حتى بالعودة إلى الحياة السياسية في النهاية؟ هل ينبغي عليه أن يسعى بشكل أو بآخر الى اخضاع نتائج الانتخابات غير المرضية لرغبته التي لا يُستهان بها؟

رئيس حزب ’أزرق أبيض’، عضو الكنيست بيني غانتس، في مقر حزب ’أزرق أبيض’ في ليلة الانتخابات بتل أبيب، 18 سبتمبر، 2019. (Tomer Neuberg/Flash90)

سيبلغ نتنياهو 70 عاما هذا الشهر. من بين النتائج الواضحة لهذه الانتخابات المعقدة هو أن الوقت نفذ منه لبناء حصانة لنفسه ضد محاكمة تلوح بالأفق.

حزبه لم يتخلى عنه، على عكس مارغريت تاتشر، رئيسة وزراء وقوة من قوى الطبيعة والتي شغلت المنصب هي الأخرى لعقد من الزمن، وسعت إلى الاستمرار فيه بدون توقف. فهو لا يزال قوة فاعلة في قلب السياسة الإسرائيلية، وبإمكانه تعقيد الواقع السياسي لأسابيع أو حتى لأشهر قادمة، ولا يزال لديه بعض الخيارات السياسية.

ولكن في النهاية المطاف، فإن أيا من هذه الخيارات ليس جيدا. مهما أراد نتنياهو وبشدة فجر الأربعاء إعلان النصر، وأن يحقق النصر بنفسه، وأن يصرخ على هذا المؤيد المغيظ الذين قاطعه لإسكاته وإعلان النصر، لكن لم يكن بإمكانه فعل ذلك.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يلقي خطابا أمام مناصري حزب ’الليكود’ في تل أبيب في ساعات فجر 18 سبتمبر، 2018، بعد الانتخابات في اليوم السابق. (Miriam Alster/Flash90)