كما هو متوقع تقريباً، بعد بضع دقائق من الإعلان عن وقف إطلاق النار المصري- فلسطيني، خرج قادة حماس للإحتفال ب-‘النصر’ في شوارع غزة، القيادة القاسية والساخرة التي أدت إلى واحدة من أكبر الكوارث التي عرفها سكان غزة، هم نفسهم الذين لوحوا أمس بإنجازاتهم وتيجان مخفية، كجوقة تمرنت لمدة أسابيع، في مكان ما في الأنفاق والمخابئ، تحدثوا عن صمود الشعب الفلسطيني وعن حركتهم الرائعة التي إستطاعت أن تهزم الصهاينة، فبعد ساعات قليلة أصدر الجناح العسكري إشعار ‘يسمح للمستوطنين الذين يعيشون حول غزة في العودة إلى ديارهم’، طبعاً لم يذكر الإشعار، عشرات آلاف الفلسطينيين الذين لم يعد لديهم منازل ليعودوا إليها، حتى إن سمح لهم بالعودة إليها.

حماس هزمت ليس أقل من ذلك، لا توجد طريقة أخرى لوصف إتفاق وقف إطلاق النار الناتج عن ذلك، لا دعوى للإندهاش من الإحتفالات المصطنعة على الجانب الفلسطيني، ولا ينبغي الإنجرار الآن خلف جوقة أخرى، منتقدي رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من اليسار واليمين، الذين بدأوا بالتكلم عن تعزيز حماس بأيدينا ووضع يده لتكون العليا. صحيح أن المنظمة التي تسيطر على غزة دونت لنفسها عدة نجاحات في هذه الحرب، لقد إستمرت في إطلاق الصواريخ حتى اللحظة الأخيرة وأثبتت قدرتها على الصمود. إكتسبت حماس دعم العالم العربي، وفي الضفة الغربية، وحتى إلى حد ما في الساحة الدولية. في نفس الوقت علينا أن نذكر أن إسرائيل لم تحاول إسقاط حماس ولا في أي مرحلة، إضعافها نعم، ولكن في نفس الوقت للحفاظ على قدرتها على البقاء كي يكون صاحب القرار على الجانب الآخر، وبعبارة أخرى – شريك للتعامل معه.

الهزيمة هي الأكثر أهمية بالنسبة للمنظمة، مع كامل الإحترام للمجتمع الدولي، أو لقناة الجزيرة- الذراع الدعائية لحماس، إن ما يهم المنظمة هو الرأي المحلي في غزة والضفة الغربية، تفاخر قادة المنظمة مراراً وتكراراً من “محمد ضيف” قائد الجناح العسكري، الذي غير واضح ما تبقى منه، حتى الصوت الأخير للحركة في غزة، ووعدوا الجمهور في غزة بمواصلة المعركة حتى إزالة الحصار.. حتى الإفراج عن السجناء المحتجزين الذين تحرروا في صفقة شاليط، وإفتتاح مطار، لقد نجحوا بتسخير حماسهم لمئات الآلاف من الفلسطينيين الذين إقتلعوا من منازلهم، والذين قتل 2144 من أبناءهم وبناتهم في هذه الحرب التي إقتنعوا أنه ينبغي أن تستمر حتى تحقيق الأهداف، لقد قسموا انه دون ميناء بحري، ولا يقل عن ذلك (لم يشكل معبر رفح إنجازاً بالنسبة لهم لأنه تحت سيطرة المصريين)، إستمرار سقوط الصواريخ على سديروت، تل أبيب، أشكلون ونتيفوت، بدون أي إلتباس وعدوا أنه لن يعودوا لتفاهمات ‘عملية التصعيد على غزة’، أو لواقع السنوات القليلة الماضية، ورفضوا مراراً وتكراراً خلال ما يقارب 50 يوماً المبادرة المصرية، التي شملت ما يقارب نفس إتفاق عملية عام 2012، وهكذا بعد ظهر أمس، عندما صدرت الأخبار الأولى عن وقف إطلاق النار، أكتشف أن حماس خرجت مع ذيلها بين ساقيها، وتخلت عن كل ما أصرت عليه: لا يوجد ميناء ولا مطار، لن يتم إطلاق سراح سجناء صفقة شاليط الذين أعتقلوا بعد مقتل الثلاثة فتية الإسرائيليين، حصار غزة، وسكان غزة، حياتهم، إقتصادهم وصحتهم ستبقى معتمدة على لطف سلطات إسرائيل من جهة، والسلطات المصرية من جهة أخرى. في غضون شهر سوف تكون هناك مناقشة لجميع هذه القضايا، بعبارات الشرق الأوسط، أو الأصح بعبارات مصرية بدلاً من ذلك، يعني- إنسوا كل هذا.

الزعيم

صدر الإعلان عن وقف إطلاق النار أمس بموازاة خطاب وزارة الخارجية في القاهرة ومع خطاب أكثر عاطفية من رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبو مازن)، سعى عباس بقوة في الأيام الأخيرة للتوصل إلى إتفاق لوقف إطلاق النار، وبنفس الوقت وضع برنامج سياسي (تم تسريبه إلى وسائل الإعلام المختلفة في اليومين السابقين)، وهنا، ربما عند هذا الرجل تبدأ في الواقع الهزيمة الإسرائيلية. صحيح في ساحة المعركة لم تكن هناك هزيمة إسرائيلية، وحماس بالفعل تمكنت من قتل 70 مدني وجندي إسرائيلي، فأسلحتها الإستراتيجية- أنفاق الهجوم المدمرة والصواريخ التي فشلت في التغلب على ‘القبة الحديدية’ ، إكتشفت أنها أدوات غير ناجعة في شل الإقتصاد الإسرائيلي، حتى عدم تعطيل حياة سكان الوسط والشمال لسكان قطاع غزة، القصة مختلفة. مع ذلك إستمرت الدولة بالعمل، وعملت الأنظمة المدنية كالعادة تقريباً، وحتى لم يسجل سوق الأسهم إنخفاضات كبيرة. تبدأ الخسارة الإسرائيلية بحقيقة تنازل حكومة نتنياهو عن سكان الجنوب، كأنه طالما تواجد الضرر الواسع هناك، في منطقة مدن القطاع، لم يكن الأمر حاسماً، قد يبدو حماسي أكثر من اللازم، ولكن إذا طلب من سكان تل أبيب المغادرة إلى الشمال، كنا سنجد جنود الجيش الإسرائيلي في وسط مدينة غزة.

الخسارة الكبيرة مع ذلك، هي دون تغيير 180 درجة في السياسة الإسرائيلية تجاه أبو مازن، إن وقف إطلاق النار لن يغير شيئاً، والتصعيد المقبل آت، وفي السنوات الأخيرة إكتشفت حكومة نتنياهو (إلى جانب وزير الدفاع موشيه يعالون وغيرهم) ولعاً فائضاً للفكرة أن حماس سوف تسيطر في قطاع غزة لا سمح الله، لم يطمح أياً من صناع القرار هنا إحتلال غزة أو إسقاط حماس، كما لو كانت بقرة مقدسة حذرين لعدم إيذائها. منذ تولي نتنياهو منصبه، تدير الحكومة الإسرائيلية سياسة تفضيل بوضوح لحكم حماس في غزة بدلاً من مفاوضات سلام مهمة مع عباس، مجموعة كاملة من التجاهلات ومفاهيم تهدف إلى الحفاظ على الهدوء من جهة وعلى ثبات حماس في غزة مقابل جهود دؤوبة لإضعاف عباس من جهة أخرى. كانت صفقة شاليط مجرد واحدة من أبرز هذه السياسات، ‘الجرف الصامد’، هو مثال ممتاز آخر.

قبل القتال، هواية السياسيين اليمينيين كانت إنتقاد وتشجيب عباس بشأن إتفاق الوحدة مع حماس، رغم أن عباس كان قادراً على تشكيل حكومة دون شخصيات بارزة لحماس فيها، التي قبلت جميع مطالب اللجنة الرباعية والإعتراف بإسرائيل، لم يهم ذلك أحد، بالنسبة لهم عباس هو إرهابي صديق للإرهابيين، يجري محادثات مع إرهابيين. والآن إتضح أن إسرائيل لا تحاول إسقاط نظام حماس في غزة وتقوم بإجراء محادثات مع حماس في القاهرة (وإن لم تكن مباشرة، ولكن تتحدث). “يوفال شتاينتز” دعا عباس ‘أكبر معادي السامية في الشرق الأوسط.’ أمر لا يصدق.

هذا عباس نفسه الذي ضغط على حماس ورئيس مكتبها السياسي خالد مشعل، لوقف إطلاق النار، حتى في ظروف مهينة هو الذي يعد الآن بمعالجة وإعادة بناء قطاع غزة، بواسطة الحكومة التكنوقراطية نفسها التي رفضت إسرائيل التعاون معها، رجال الرئيس الفلسطيني هم الذين جلبوا المعلومات عن خاطفي الثلاثة فتية الإسرائيليين، (مروان قواسمة وعامر أبو عيشة). أهذا هو كبير معادي السامية، الذي يعلن أنه يعترف باسرائيل ويريد الوصول إلى إتفاق معها من شأنه إنهاء الصراع؟

العملية الأخيرة في غزة تلاها إتفاق وقف إطلاق النار، لا يغيرون الواقع- غزة لن تكون منزوعة من السلاح، ربما فقط من يمكنه أن يحدث إتجاه جديد في قطاع غزة، هو محمود عباس. والتجاهل لسنوات للرجل الذي دعا إلى وقف إطلاق النار أمس، أو بالأحرى القرار لمواجهته في كل مناسبة، غير مفهوم حتى لا يغتفر. تم تسجيل خسارة سياسية هناك قبل بدء العملية، مع الإصرار الإسرائيلي لعدم إعطاء فرصة للحكومة الجديدة بقيادة محمود عباس لإنجاز تغيير للواقع. ما يبدو أن يحدث الآن هو أن إسرائيل ستوافق على منح فرصة لتلك الحكومة، لأنه إذا لم تقم بذلك، فالبديل هو أولاً وقبل كل شيء: المزيد من التدهور الإقتصادي في غزة، تسليح حماس وجولة أخرى من القتال في السنة القادمة.